إلا تـنـصـروه فـقـد نـصـره الـلـه

Discussion dans 'Nouvelles (9issass 9assira) & Chroniques' créé par فارس السنة, 6 Janvier 2010.

  1. فارس السنة

    فارس السنة لا اله الا الله

    J'aime reçus:
    326
    Points:
    83
    الخطبة الأولى


    أما بعد: فنِعمُ الله عز وجل علينا ـ أمة الإسلام ـ كثيرة، وآلاؤه علينا متتابعة، بيد أنّ أجلّها على الإطلاق نعمة الهداية لهذا الدين والاغتباط بما خصّ الله به أمة الإسلام على سائر الأمم، فدينها خاتم الأديان الذي لن يقبل الله من عبد سواه، وكتابها خير الكتب جعله الله مهيمنًا على ما سبقه من الكتب، محفوظًا بحفظ الله من العبث والزيادة والنقصان، ونبيها خاتم الأنبياء وسيد المرسلين وخليل رب العالمين.

    وممـا زادني شـرفًا وتيـهًا وكدتُّ بأخمصي أطأ الثريا

    دخولي تحت قولك يا عبادي وأن صيّرت أحمد لي نبيًّـا​

    إخوة الإسلام، اصطفى الله محمدًا من بين الخلائق لحمل رسالته، وبعثه عز وجل إلى الثقلين بالهدى ودين الحق، فوضع به الأغلال والآصار، ورفع به الغشاوة عن الأبصار، واستنقذ به الخلائق من عذاب النار. فكم فتح الله به أعينًا عميًا وآذانًا غُلفًا، وكم شرح الله ببعثته الصدور، وأخرج الناس به من الظلمات إلى النور.

    فحمل على عاتقه عبء الرسالة، وبلَّغ الأمانة، وجاهد في الله حق الجهاد حتى أتاه اليقين، فما ادّخر وُسعا في دعوة البشرية وهدايتها إلى صراط الله المستقيم، ولم يأل جهدًا في نصح أمته عليه الصلاة والسلام ودلالتها على خير ما يعلمه لهم، ولم يلتحق بالرفيق الأعلى حتى تركهم على محجة بيضاء ليلها كنهارها، واستنقطهم: “ألا هل بلّغت؟” ثم استشهد عليهم ربهم: “اللهم فاشهد”. فحقٌ له أن يشرح الله له صدره، ويضع عنه وزره، ويرفع له ذكره. قال مجاهد: “لا أُذكر إلا ذُكرتَ معي”: أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدًا رسول الله، وقال حسان :

    وشق له من اسْمه ليُجلَّه فذو العرش محمودٌ وهذا محمّد

    معشر المسلمين، لقد أعلى الله مقام نبيه ومصطفاه، ورفع قدره، وحمى جنابه أن يُمسّ بسوء، فليس يحطّ منه أو يدنّسه أو ينتقص من قدره قدر شعرة أحدٌ من خلق الله أجمعين.

    كناطح صخرةً يومًا ليوهنها فلم يَضِرْها وأوهى قرنه الوعِلُ

    أو كنافخٍ بملء رئتَيه ليطفئ نورَ الشمس لم يتجاوز نفخُه أنفَه ومنخرَيه، أو كباصقٍ على السماء إنما يعودُ بصاقه بين عينيه.

    كيف وقد تولى الله أمره عليه الصلاة السلام: {وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنْ النَّاسِ} [المائدة:67]، وتكفّل له ذو العرش بكفايته ممن تعرّض له: {إِنَّا كَفَيْنَاكَ الْمُسْتَهْزِئِينَ} [الحجر:95]؟! فما ضره يومًا من الدهر انتقاص الحاسدين وشتم الحاقدين وشنآن المبغضين، إنما يرجع أولئك بالخزي والنكال، هذا حكم الله في كل مبغضٍ مؤذٍ لرسول الله : {إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الأَبْتَرُ} [الكوثر:3] أي: هو المقطوع المنبوذ.

    وعلى مرّ التاريخ بدءًا بكفار قريش وانتهاءً بعباد الصليب الحاقدين المعاصرين تبرز شرذمة مشؤومة، ضاقت صدورها برسول الهدى والنور، فلم تسعها الرحمة التي حملها بين كفيه للبشرية، ولم تأنس بنور الهداية الذي بُعث به للبرية، فلست تدري ممّ ضاقت به تلك الصدور المظلمة؟! أمن كريم خُلقه وجميل خصاله وسموّ شمائله وطيب سيرته التي طبقت الآفاق، أم من رأفته وشفقته ورحمته ولين قلبه عليه الصلاة والسلام، أم من عدله وإنصافه مع الموافق والمخالف على حدٍ سواء؟!

    أما إنّ عداء النصارى لديننا وملتنا اليوم قد تجاوز كل الحدود، لما وصل بهم الأمر إلى التطاول الوقح على شخص المصطفى، تنقّصًا وعيبًا واستهزاءً في رسوم ساخِرة حقيرة نشَرتها صحف دانمركية ونرويجية، وُزّعت بالملايين، يُقصد بها الحطّ والانتقاص من رسول الله ، تقشعرّ لمنظرها الأبدان، وتظلم منها الأعين والله، يكفيك ـ عبد الله ـ أن إحدى تلك الرسوم عرضت صورة رجل مخنَّث ذي لحية طويلة، وله ثديان بارزان كأثداء النساء، وقد نزل طرف لباسه وارتخى فظهر منه طرف الثديين، وكُتب بجوار الرسم بلغتهم تقول: هل بإمكانك أن تثبت أنَّ نبيَّك كان رجلاً؟ لعنهم الله وأخزاهم وقبَّح وجوههم. إلى آخر تلك الرسوم التي ما من صورة فيها إلا هي ألعن من أختها.

    وتبقى اليوم أمّة الإسلام أمام هذا السيل القذِر من الهجوم الوقح على نبينا وحبيبنا وقرّة أعيننا، تبقى مرتهنةً بواجب الدفاع والنصرة والذبِّ عن عرضه عليه الصلاة والسلام؛ تعزيرًا له وتوقيرًا لجنابه الشريف، فإنّ ذلك جزء من أدنى الحقوق الواجبة له على أمته، فإن الله تعالى يقول: {إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُ} [الفتح:8، 9]، وأوجب النصحَ على أمّته له فقال فيما أخرجه مسلم: “الدين النصيحة” ثلاثًا، قالوا: لمن يا رسول الله؟ قال: “لله ولكتابه ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم”.

    قال أهل العلم: “والنصح لرسول الله إنما يتمّ بصدق الإيمان به وكمال محبّته وطاعته وتوقيره وتبجيله وإحياء سنته ومعاداة من عاداه وعاداها وموالاة من ولاه ووالاها والتخلق بأخلاقه ومحبة من كان منه بسبيل من قرابة أو صهر أو هجرة أو نصرة أو صحبة وبذل المجهود في نصرته حيًا وميتًا والمسارعة في ذلك بالأنفس والأموال والتشبه به في زيّه وهيئته ولباسه وكل أحواله”.



    فهذا بلاغ ـ يا أمة المختار ـ إلى كلّ من أكرمه الله بهذا الدين وباتباع هذا النبي الكريم، إلى كل قلب يخفق حبًا للحبيب ، إلى كل مسلم غيور على عرض نبيّه يقول مقالة حسان:

    فإن أبي ووالدتي وعرضي لعرض محمدٍ منكم وقاءُ

    إلى كل من امتلأ صدره بالتّعظيم والإجلال والتوقير لرسول الله، إلى كل من رجا لنفسه السلامة وتمنى أن يحظى يوم القيامة بالشفاعة وأراد أن يلقى نبيّه وحبيبه هناك على الحوض، منافحًا عن عرضه الشريف، مدافعًا عن مقامه الأغرّ، ناصحًا له بكل ما أوتي، فاديًا له بالنفس والمال وبالدنيا برمّتها.

    هذا بلاغ لتعزير نبيّنا وتوقيره والنصيحة له، والذبّ عنه والذود عن حمى عرضه في واجب أضحى متعلّقًا برقبة كلّ مسلم منا، فإمّا أن يُبرئ ذمّته ويقوم بواجبه ويلقى الله ناصحًا لرسوله مدافعًا عنه، وإما أن يتخلّى عن دوره ويُلقي التبعة على غيره، فيلقَى الله خائنًا لرسوله متخاذِلاً عنه، وهنا تُلقَى الأسئلة بإلحاح: فما الواجب الذي يقوم به أحدنا وتبرأ به ذمته وينصر به نبيَّه ؟

    وها أنا أوجز الجواب لك ـ عبد الله ـ في خمسة أمور واجبةٍ على كل مسلم ومسلمة، فأرعني سمعك يا رعاك الله:

    أما الأولى: فهو إعلان النكير وإظهار السخط على مختلف المستويات؛ تعصّبًا لله ولرسوله، وحميةً لديننا وعقيدتنا، وحفاظًا على كرامتنا وعزّنا، كلّ امرئ بحسبه، لتسمع الدنيا كلّها بسخطنا لما نال نبيّنا، وعبر وسائل الإعلام المختلفة من تلفزة وإذاعة وقنوات ومواقع إلكترونية وصحف ومجلات، فاكتب وأنكر بنفثة مصدور، ولا تقل: غيري كتب وراسل وتكلّم، فغيرك لا يكفيك المؤونة، ولا يتحمّل عنك الواجب الذي أنيط برقبتك أنت، فإن لم تكن ـ أخي ـ من أرباب القلم أو أصحاب المنابر أو فحول الشعر فحسبك أن تبثّ مشاعر الغيظ والسخط في كل من حولك، من أهلك ووالديك وزوجتك وأولادك وزملائك في العمل وجيرانك في الحي وأقربائك في الأسرة، ليبثّ الجميع للجميع، ولتتّحد المشاعر وتتآزر العواطف في البيوت والشوارع والأسواق، فداءً ونصرة لرسول الله ، فهذا أول الواجبات وأُولى الخطوات، وهو لون من التواصي بالحق الذي أُمرنا به معشر المسلمين.



    وأما الواجب الثاني:
    فهو الجهاد بالمال وفرض الحصار الاقتصادي على تلك الدولة النصرانيّة الحاقدة بمقاطعة كلّ منتجات دولة الدانمارك ومن سار سيرها كالنرويج، وكل من يحذو حذوها، وغالب بضائعهم أجبان وألبان ومشتقّاتها قد كتب عليها اسم دولتهم. فليتّق الله امرؤ مسلم أن يدفع ريالاً واحدًا يشتري به منتجًا من بضائعهم، وليتّق الله تجّارنا ورجال الأعمال فينا أن يبيعوا ويشتروا معهم أو يعقدوا صفقات أو شركات وإياهم، أفيرمون عِرض نبينا ويسخرون بأحبّ البشر إلى قلوبنا وأعظم الناس حقًا علينا ثم نربِح تجارتهم ونُروّج بضاعتهم؟! لا والذي أكرم نبيّه وأعلى قدره، إن ديننا ونبينا أجلّ وأعظم عندنا من تجارة أموالنا وشهوة بطوننا.



    أما إنّ القوم قد اعتراهم القلق وتغشّاهم الخوف من خسائر فادحة ستحلّ بهم فيما لو قوطِعوا حقًا، فها هم يتوقعون البارحة أنّ خسائرهم ستتجاوز عشرات المليارات في مقاطعة لو ظلّت ستّة أشهر فقط؛ لأنهم عُبّاد دنيا فحسب وأصحاب مادة لا غير، خصوصًا وأن نصف صادراتهم الإجمالية التي يقوم جل اقتصادهم عليها تردُ إلى بلادكم يا أهل الحرمين، فهل أدركتم كم ستنتقمون من عدوكم وتثأرون من شاتم نبيكم فيما لو أحسنتم فرض الحصار ومقاطعة بضائعهم؟! ولكم في الأسواق ألف بديل وبديل عمّا ينتجونه ويصدرونه إلينا. وليكن لنا أسوة حسنة في ثمامة بن أثال سيد بني حنيفة إذ أسلم، وكان أهل مكة يشترون الحنطة من قِبَله في نجد، فاستشعر دوره ومسؤوليته تجاهَ دينه مع قوم يحارِبون نبيّه، فأقسم لهم بالله: “والله يا أهل مكة، لا تأتيكم حبّة حنطة حتى يأذن فيها رسول الله”.



    فهذا واجبنا الثاني يا محبيّ رسول الله، ممتثلين أمره فيما أخرجه أبو داود والنسائي بسند صحيح: “جاهدوا المشركين بأموالكم وأيديكم وألسنتكم”.



    أما الواجب الثالث يرعاكم الله: فهو الإقبال الصادق على سيرته العطرة عليه الصلاة والسلام، والارتشاف من معينها الصافي ورحيقها المختوم وشهدها المصفّى؛ للتعرف التام على عظمة شخصيته وكريم شمائله وتفاصيل أخباره وأحداث سيرته، لنصلح خللاً عشنا عليه طويلاً، تمثّل في فجوة بيننا وبين سيرته ، فأفرزت جفوة قست منها بعض القلوب، وجفّت منها بعض العيون، ترون ذلكم جليًّا في جهل كثير منا ومن أهل بيتنا وأبنائنا وبناتنا بجوانب من حياته، كأسماء زوجاته وعدد أولاده وأشهر غزواته، فضلاً عن الدقائق والتفصيلات، في وقت شُغل فيه البنون والبنات بل الآباء والأمهات بثقافات سخيفة من كرة ورياضة وأفلام غناء، يحيط بأسماء أصحابها وأخبارهم كثير من شبابنا، مع جهل بشع بسيرة أشرف الخلق وسيد البشر عليه الصلاة والسلام.



    قال علي بن الحسين رضي الله عنه وعن أبيه وعن جده: “كنا نُعلَّم المغازي كما نُعلَّم السورة من القرآن”. ومن هنا كان جيل السلف وثيق الصلة بسيرة المصطفى وحياته.



    ليكن هذا منعطف خير، نعود به ـ وفقكم الله ـ للانكباب على السيرة النبوية العطرة، وبثها في المساجد والبيوت والمدارس، وتنشئة الأجيال على الشغف والتعلّق بأخباره وأحداث سيرته ، الذي لا سبيل إلى السعادة والفلاح في الدنيا والآخرة إلا على يديه وما جاء به، ولا يُنال رضا الله إلا من طريقه. الضرورة إلى معرفة سيرته وهديه أعظم من ضرورة البدن إلى روحه، والعين إلى نورها، والروح إلى حياتها، وما ظنكم بمن إذا غاب عنكم هديه وما جاء به طرفة عين فسدت القلوب وصارت كالحوت إذا فارق الماء ووُضع في المقلاة؟! فلئن كانت سعادتنا في الدارين متعلقة بهديه وسنته فيجب على كل من نصح نفسه وأحبّ نجاتها وسعادتها أن يعرف من هديه وسيرته وشأنه ما يدخل به في عداد أتباعه وشيعته وحزبه، والناس في هذا بين مستقل ومستكثر ومحروم، والفضل بيد الله يؤتيه من يشاء، والله ذو الفضل العظيم.



    وأما رابع الواجبات المتحتمة علينا أمة الإسلام نصرةً لديننا ونبينا بعد دراسة سيرته والتعرف على هديه في العبادات والمعاملات والخصومات وأخلاقه وصفاته: فهو التطبيق العملي لتلك السنن التي باتَ مهجورًا كثيرٌ منها، أو منسيًّا عند كثير من المسلمين.



    وللصراحة نقول: كم كنا من أشد الناس خذلانًا لنبينا قبل الهجوم عليه، وذلك بهجرنا لسننه وتفريطنا فيها وإهمالنا وتكاسلنا في كثير من جوانبها، وهو المبعوث لنا أسوة وقدوة ودليلاً، فكم آثرنا تطبيق بعض العادات والتقاليد مع علمنا بمخالفتها للسنة، وكم قدمنا هدي أنفسنا ورغباتها في أمور تعارض هديه الكريم ، ترى ذلك ـ رعاك الله ـ في حَلق اللحى وإسبال الثياب والتبرج في الأسواق والخلوة بغير المحارم، فضلاً عن هجران النوافل والمستحبات، كالسنن الراتبة وصلاة الوتر وصيام التطوع، ولا تسل عن جهل عريض بالأوراد والأذكار النبوية في المنام والاستيقاظ والصبح والمساء والدخول والخروج والطعام والشراب واللبس والخلع وما إلى ذلك.



    فإذا ما رُمنا نصرة نبينا ورفع راية الدفاع عنه فلنحيِ سننه ولننشرها بين العاملين تطبيقا لها ودعوة إليها، وبحثًا عنها في كل صغير وكبير، قال سفيان ابن عيينة: “إن استطعت أن لا تحكَّ رأسك إلا بأثر فافعل”. فلنُغِظ أعداءنا بتطبيق سنّة نبينا الذي سخروا منه، ولننشر في الدنيا سنة النبي الذي هزؤوا به، ولنثبِت لهم أنه الحبيب في قلوبنا قولاً وعملاً؛ برفع راية سنته والعمل بها في مظاهرنا وهيئاتنا ولباسنا وطعامنا وشرابنا وأخلاقنا وجدنا ومزحنا، وفي حرصنا على التمسك بشريعته فروضها ونوافلها، فإن ذلكم ـ والله ـ من أصدق دلائل النصرة له عليه الصلاة والسلام، ومن أعظم شواهد النصح له، ولنربِّ أولادنا ومن تحت أيدينا على حب السنة وحب صاحبها.

    وأما خامس هذه الواجبات: فالدعاء بأن ينصر الله الإسلام وأهله، ويخذل الكفر وأهله، قال الله تعالى: {وَقَالَ رَبُّكُـمْ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ داخِرِينَ} [غافر:60]، {وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنّي فَإِنّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ} [البقرة:186]، وقال رسول الله : “ليس شيء أكرم على الله عز وجل من الدعاء”.

    بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم...


    الخطبة الثانية



    الحمد لله الذي تواضع كلّ شيء لعظمته، واستسلم كل شيء لقدرته، وذلّ كل شيء لعزته، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، هدانا بنبيّه، وأخرجنا به من الظلمات إلى النور، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله وسلم وبارك عليه عدد ما صلى عليه المصلون، وعدد ما غفل عن الصلاة الغافلون، وعدد ما عاداه وآذاه وشانأه المبغضون، وصلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا.

    أما بعد: أمة الإسلام، فإن الله كفى نبيّه عدوان المعتدين وشنآن المبغضين، فقال سبحانه: {أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ وَيُخَوِّفُونَكَ بِالَّذِينَ مِنْ دُونِهِ} [الزمر:36]، ومن رام التطاول عليه فإنما جنى على نفسه، فلن يعود تطاوله إلا عليه خزيًا ونكالاً وعذابًا، {وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ رَسُولَ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} [التوبة:61].

    وأعلن الله للأمة كلّها تولّيه جل جلاله نُصرة نبيه فيما لو تخلّت الأمة جمعاء عن نصرته، فقال سبحانه: {إِلاَّ تَنصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ} [التوبة:40]، فالله عز وجل قد أغنى نبيَّه عن نصرة الخلق، وهو سبحانه كافيه وهاديه ومؤيّده وناصره، ومع ذلك فالابتلاء متوجّه للأمة بأسرها للقيام بواجب النصرة المُناط بها، {وَتُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُ} [الفتح:9]، وواجب النصيحة لرسول الله: “الدين النصيحة... لله ولكتابه ولرسوله...”، ولإقامة شاهد الحب الصادق لرسول الله القائل: "لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من والده وولده والناس أجمعين"، فإنما هي واجبات خمسة تلزم ساحة كل مسلم يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله: إعلان النكير والسخط، والحصار الاقتصادي، والإقبال على تعلّم سيرة رسول الله والتنقيب عنها، والتطبيق العملي لهديه وسنته وبثها بين الأنام، والدعاء.

    ويبقى ما وراء ذلك من واجبات ومسؤوليات للحكام والمسؤولين وصُنّاع القرار ومَن دونهم، كلّ بحسبه وبما خوّله الله أن ينصر نبيه ويدفع عن عرضه؛ حتى يعلم أولئك الأوغاد عُباد الصليب أن لرسول الله أنصارًا لا يرضَون أن يُدنّس جنابه أو أن يُمسَّ بسوء، وأن دون ذلك قطعَ الرقاب وإراقة الدماء فداءً لرسول الله ، وشعارُ كل واحد في الأمة: "نحري دون نحرك يا رسول الله، وعِرضي دون عِرضك يا رسول الله".

    يا أمة محمد، هذا رسولكم الذي ضحّى بكل ما يملك من أجل أن يوصِل إليكم هذا الدين، من أجل أن ينقِذكم من عذاب جهنم، كم أوذي من أجلنا وعودي وحُورب وأهين، فشُتم وبُصق على وجهه الشريف، وطُرد ورُمي بالحجارة، وشُج رأسه وكُسرت رَباعيته، ودميت شفتاه وسال الدم على وجهه الشريف .

    أفنعجز ـ اليوم ـ أن ننتصر له، وأن ندرأ عن عرضه وندافع عن جنابه بكل ما نملك؟! أفلا حملنا الشوقُ على التضحية والفداء لنبيٍّ اشتاق للقائنا؟! قال مرة لأصحابه: "وددت أني لقيت إخواني"، قال: فقال أصحاب النبي: أوليس نحن إخوانك؟! قال: "أنتم أصحابي، ولكن إخواني الذين آمنوا بي ولم يروني". أفلا نتذكر يوم أن نجتمع به عند حوضه راغبين في الشرب منه؟! فما عسانا أن نقول إذا ما خذلناه بالصمت والعجز المهين؟!

    اللهم فإنا نشهدك أن أعراضنا وأموالنا ودماءنا فداءٌ لعرض نبيك، اللهم فخذ منها ما أحببت، وادرأ بها عن نبيّك ما شئت يا ذا الجلال والإكرام. اللهم انصر دينك وكتابك ونبيّك. اللهم انصر كل من نصر الدين، واخذل كل من خذله وكاد له يا رب العالمين

     

Partager cette page