إلى زميلي محمد الراجي- خالد الجامعي

Discussion dans 'Nouvelles (9issass 9assira) & Chroniques' créé par فارس السنة, 22 Septembre 2008.

  1. فارس السنة

    فارس السنة لا اله الا الله

    J'aime reçus:
    326
    Points:
    83
    بتأثر عميق، طالعت رسالتك التي وجهتها إلى قراء «هيسبريس».
    وقد أثرت في بالخصوص، نبرة الصدق وقوة الصراحة التي فاتحت بها قراءك وأنت تعرب لهم عن تخوفك من الاسترسال في الكتابة إذ قلت: «عندما كنت في السجن، كنت أقول مع نفسي إنني عندما أخرج، سأكسر جميع أقلامي، وأمزق أوراقي... وحتى إذا اقتضت الضرورة أن أوقع وثيقة أو أملأ استمارة، سأستعين بالطباشير لأن القلم أصبح يخيفني...».
    هذه الكلمات ستحسب لك وستزيد في تشريفك لأنها تدل بوضوح كبير على وعيك العميق بقيمة الكتابة وبجسامة المسؤولية المترتبة عنها.
    لا يهمك يا عزيزي أن تشعر بالخوف...
    فالخوف شعور إنساني طبيعي يسكننا جميعا نحن الحيوانات الناطقة، وهو يتأجج كثيرا وبجرعات زائدة في أعماق الذين يتخذون من الكتابة سلاحا ناجعا يدافعون به عن حرية آرائهم وعن القيم الإنسانية الكونية النبيلة.
    عمري يا رفيقي أربع وستون سنة، أحرقت أربعين منها في لظى الكتابة، وأعترف لك بأنني كلما أخذت قلمي المتمرد العنيد بين أصابعي الثلاثة، إلا وقفز شبح الخوف من جمجمتي مرتديا زيا عسكريا مزركشا بالأوسمة والنياشين، يحمل في يمناه بندقية، وفي شماله هراوة، ويضع أمامه حاجزا عاليا من الأسلاك الشائكة، تتوسطه علامة مستديرة يصرخ خطها الأحمر الرديء بحرفين اثنين: « قف...»..
    أضف إلى ذلك شبح آخر ألا وهو شبح الرقابة الذاتية.
    ولكنني رغم ذلك أتابع المشوار، مقتنعا بأن في طيات كل مقالة صراعا مفتوحا مع خصومي المخزنيين المتربصين.
    صراع مستمر لا يمكن لنا أن نضمن فيه النصر إلا بعد تخطي حاجز الخوف والرقابة الذاتية.
    نعم، من الممكن تعلم مواجهة الخوف وطرده وبلعه في الجوف، مع الاعتراف بأنه لا يزول أبدا وإنما يبقى قابعا متسترا في أعماق الأعماق، لا ينتظر سوى الفرصة السانحة ليطفو متوثبا على السطح، سيما في تلك اللحظات الحرجة التي يأخذ فيها الكاتب قلمه بين أصابع يمناه لينسج بخيوط الكلمات أفكاره ويبسط آراءه، وعيا
    منه بأن للكلمة الصادقة الهادفة قوة خارقة قاهرة مدمرة، كما هي للفعل تماما بتمام. إذ من الممكن قتل الرسول ولكن من المستحيل أبدا قتل رسالته.
    فليس لك بعد هذا أن تلوم نفسك، أو أن ترى أن ما راودك من التخلي عن الكتابة مسف بشجاعتك أو خيانة لقيمك التي بها تؤمن.

    زميلي العزيز:
    اعلم أن المقال الذي كتبته وتوبعت من أجله عبر محاكمة جائرة أخلت بكل شروط المحاكمة العادلة -محاكمة ما أجدرها أن تدخل سجل «كينيس» للأرقام القياسية، حيث لم تدم جلستها سوى ثلاث دقائق بالتمام والكمال- أقول، مقالك هذا، أنا أتبنى محتواه شكلا ومضمونا كما يتبناه الآلاف من الأشخاص ليس في المغرب فحسب، بل عبر العالم بأسره.
    فاليوم يوجد على الشبكة العنكبوتية 150 مليون موقع يزورهم يوميا 500 مليون مبحر، مع التذكير بأن مقالك ترجم إلى عشرات اللغات وتعممت قراءته على طول الكرة الأرضية وعرضها، فما كان لأحد إذن أن يمنعك من التعبير عن أفكارك، سواء اتفق معك أم لم يتفق، سيما وأنك لم تأت بكلام نابي «يخل بالاحترام الواجب للملك»، هذه العبارة الفضفاضة التي يستعملها عباقرة الأمنيين ككيس رهيب يحشرون فيه كل من أرادوا دفنه حيا، مع العلم بأنه لم يصدر إلى اليوم أي قانون يعرف هذه العبارة المبهمة ويرسم حدودها ويسلط الضوء على مضامينها.
    فهذه العبارة الغامضة، هي توأم عبارة أخرى أغمض منها، ينعتونها بـ: «كل ما من شأنه»..
    وصفة سحرية يلجأ إليها «أصحاب الحسنات» من فطاحل القضاة وعتاة الأمنيين كطريق سيار يؤدي قصدا وبدون أداء إلى غياهب السجون، وذلك كلما أرادوا التخلص من أصوات نشاز يغرد أصحابها خارج السرب.

    زميلي العزيز:
    لا أعتقد أن قرار اعتقالك جاء من أعلى عليين، وإنما أظنه مبادرة طائشة من أحد أولئك المتحمسين المندفعين الذين يتخذون من هذه الممارسات الآثمة مطية سوء يتزلفون بها إلى أولياء نعمتهم طمعا في ترقية أو ما دون ذلك. والدليل، هو أنه على مستوى مراكز القرار بالرباط، سرعت وتيرة إيجاد حل للمشكل قبل أن ينقلب إلى كابوس هو أدهى من كابوس مرتضى الذي شوه سمعة البلاد.
    والحقيقة هي أن مقالك، رغم ما سبق فيه من قول، قد طرح علينا سؤالا ملحا حارقا:
    هل لنا من حق نحن المواطنون المغاربة في إصدار آراء حول كلام الملك وقراراته ومبادراته ثم انتقادها وربما استنكارها؟ أم علينا أن نعتبره بشرا معصوما لا يأتيه الخطأ من بين يديه ولا من خلفه؟
    إن رئيس الدولة في جميع الدول الديمقراطية حقا لا يتمتع أبدا بأية عصمة، وكلامه وقراراته ومبادراته معرضة جميعها دائما للنقاش والتحليل والانتقاد، بل وللاستنكار في بعض الحالات.
    وهذا ما نتمنى صادقين أن يكون عليه الحال في المغرب، لأن كلام الملك ليس كلاما مقدسا أو وحيا يوحى إليه من علام الغيوب الذي لا يِِضل ولا ينسى، بل هو مجرد كلام يصدر عن رجل يأكل الطعام ويمشي في الأسواق ويخطئ ويصيب، شأنه في ذلك شأن عباد الله جميعا.
    ألم يخاطب الله تعالى رسوله الكريم بهذه اللهجة المعاتبة وقد كان فوق ذلك رسولا يوحى إليه: «وإن كادوا ليفتنونك عن الذي أوحينا إليك لتفتري علينا غيره، وإذن لاتخذوك خليلا، ولولا أن ثبتناك لقد كدت تركن إليهم شيئا قليلا، إذن لأذقناك ضعف الحياة وضعف الممات ثم لا تجد لك علينا به وكيلا...». «عبس وتولى أن جاءه الأعمى، وما يدريك...»، الآية.
    فالرسول الكريم هذا على عصمته التي قال الله فيها: «والله يعصمك من الناس»، كان كلامه يناقش وينتقد دون أن ينال ذلك من حلمه شيئا.
    ألم تجادله خولة بنت ثعلبة فنزل في هذه النازلة قوله تعالى: «قد سمع الله قول التي تجادلك في زوجها وتشتكي إلى الله...»؟ وكذلك كان الشأن بالنسبة إلى الخلفاء الراشدين الذين ساروا على نهجه.. فهذا عمر بن الخطاب رضي الله عنه يقاطعه أعرابي قائلا:
    «والله لو وجدنا فيك اعوجاجا لقومناك بسيوفنا... فانبسط عمر وقال: الحمد لله الذي جعل في رعية عمر من يقومه بالسيف إذا أخطأ...».
    ونفس الفاروق من قال: «لا خير في قوم ليسوا بناصحين، ولا خير في قوم لا يحبون الناصحين...» «الحمد لله الذي جعل لي أصحابا يقومونني إذا اعوججت...»
    «لا تقولوا الرأي الذي تحسبونه يوافق هواي، وقولوا الرأي الذي تحسبونه يوافق الحق»
    وهذا ما يجرنا إلى القول بأن الملك، الذي هو أمير للمؤمنين، ويعلن أن نظام الحكم في البلاد هو نظام ملكية تنفيذية، لا ينبغي أن يرى حرجا في مناقشة وانتقاد كلامه ومبادراته وقراراته، وهذا بطبيعة الحال، يجب أن يحصل بأسلوب لبق يراعي الاحترام الواجب له.
    فليس عبثا أن يجعل الله في الاختلاف رحمة.
    مع كامل مودتي وتضامني


    جريدة المساء
     

Partager cette page