الحب في المنفى .. بهـاء طـاهر

Discussion dans 'Nouvelles (9issass 9assira) & Chroniques' créé par raja_casa, 4 Novembre 2006.

  1. raja_casa

    raja_casa دمعة و ابتسامة

    J'aime reçus:
    184
    Points:
    0

    اشتهيتها اشتهاء عاجزا، كخوف الدنس بالمحارم .

    كانت صغيرة وجميلة وكنت عجوزا وأبا ومطلقا . لم يطرأ على بالى الحب ، ولم أفعل شيئا لأعبر عن اشتهائى .

    لكنها قالت لى، فيما بعد : كان يطل من عي*** .

    كنت قاهريا، طردته مدينته للغربة فى الشمال . وكانت هى مثلى ، أجنبية فى ذلك البلد، لكنها أوروبية وبجواز سفرها تعتبر أوروبا كلها مدينتها . ولما التقينا بالمصادفة فى تلك المدينة (ن ) التى قيدنى فيها العمل ، صرنا صديقين .

    قيدنى العمل .،. أى كذب ! .. لم أكن أعمل شيئا فى الحقيقة . كنت مراسلا لصحيفة فى القاهرة لا يهمها أن أراسلها . ربما يهمها بالذات ألا أراسلها . وفي ساعة الظهيرة فى فسحة الغداء التى تتخلل يوم العمل الطويل لمن يعملون كنا نجلس معا . نشرب القهوة ، تحدثنى عن نفسها وأحدثها عن نفسى ،

    ويقربنا الصمت أكثر عندما نتطلع عبر زجاج المقهى إلى ذلك الجبل المستطيل المتعرج، الرابض على ضفة النهر الأخرى كتمساح طويل الذيل .

    ولكنى لما بدأت أشتهيها أصبحت ثرثارا . كنت أتحصن وراء جدار الكلمات لكي لا أفتضح، تتدافع كلماتى الفارغة جرارة ومسلية ومتتابعة ، مثل شرنقة دودة عراها جنون الغزل فلا تستطيع أن تكف ، لعلى- وكيف الآن أدرى ؟ - كنت عن غير وعى أغزل من خيوط الكلمات
    شباكا حولها . وكانت هى تتطلع إلى بعينيها الجميلتين ، تتسع العينان وهى وتبتسم وتسألني : من أين تأتى بكل هذا الكلام ؟ صنعتى أنا أن أتكلم فكيف تفوقت علي .

    ولكنى فى تلك الظهيرة لم أستطع . تبعثرت خيوط الكلمات وتمزقت . حلت فجوات طويلة من الصمت كنت أنظر خلالها ساهما إلى النهر. وجلست هى منكبة على فنجان قهوتها الفارغ تديره فى الطبق ، لا أرى سوى هالة شعرها الكثيف وأنفها البارز المستقيم . وكانت ترفع رأسها فجأة ، تنظر إلى حين أسكت وتقول أكمل .. أكمل .. ولكن الكلمات لا تكتمل .

    وخارج المقهى سرنا إلى حيث أركن سيارتى .. سأخذها مثل كل يوم حتى باب المكتب الذى تعمل به ، أتركها وأتظاهر أنا أيضا أنى ذاهب إلى عمل . ولما وصلنا إلى السيارة قالت أريد أن نمشى قليلا هل لديك مانع ؟

    مشت بجانبى بطيئة على غير عادتها، ولم نكد نتحرك خطوات حتى توقفت وقالت بصوت حازم : اسمع لا أريد أن أراك بعد اليوم . سامحنى ولكن يحسن ألا نلتقى . أظن أنى أحببتك وأنا لا أريد ذلك . لا أريده بعد كل ما رأيته فى هذه الدنيـــا .

    وكنت أعرف ما رأته فى هذه الدنيا فسكت لحظة وقلت كما تشائين . وراقبتها وهى تبتعد عنى بخطوات مسرعة .

    ولكن تلك لم تكن هى البداية .

    فى البدء كان كل شىء يختلف . يومها ترددت كثيرا فى الذهاب إلى ذلك المؤتمر الصحفى. كنت أعرف سلفا أن كلاما سيقال لو أرسلته فلن تنشره الصحيفة فى القاهرة ولو نشرته فسوف تختصره وتخففه . تؤخر فقرات وتقدم أخرى بحيث لا يفهم القارىء ما الذى حدث بالضبط ولا ما هى الحكاية . فكرت وأنا فى الطريق أن أذهب إلى المطار . كان ذلك هو يوم وصول الطائرة المصرية إلى المدينة التى كثيرا ما تطؤها أقدام المسئولين على غير انتظار . ربما يصل أحد الوزراء ويقول تصريحات تسعد رئيس التحرير. يضعها فى الصفحة الأولى ويرضى عنى أخيرا (( الوزير . . يصرح : اقتصادنا خرج من عنق الزجاجة . الوزير يقول : سنبحث التعاون الأوروبى فى انطلاقة التنمية))

    وتحولت السيارة بالفعل إلى طريق المطار. يرتاح رئيس التحرير جدا إلى انطلاقة التنمية هذه . تظهر كل أسبوع فى مقالاته . منذ سنوات طويلة جدا والانطلاقة تقفز عنده من عنق
    الزجاجة بلا انقطاع . فلماذا لا أسعد رئيس التحرير إن أمكن .. لماذا أذهب إلى ذلك المؤتمر التعيس فى هذا الصباح الصيفى الجميل ؟.. هل أنا بالفعل غاوي نكد. كما اعتادت منار أن تقول ؟ بل ولماذا أذهب إلى المطار ؟.. من قال إن وزيرا سيأتى أو إن رئيس التحرير متلهف على رسالتى ؟ الأفضل أن أسكت تماما . سأعفيه بذلك من الاعتذارات المحرجة : والله يا فلان الرسالة وصلت متأخرة أو طبعناها فعلا ولكن أخبارا من الرئاسة جات فى أخر لحظة وأكلت الصفحة ، أو : هل تعرف ؟.. أنا أحقق مع الولد علان فى القسم الخارجى لأنه لم
    يعرض على الرسالة . أحلته إلى التحقيق فعلا إلخ إلخ إلخ .. لماذا أتعب رئيس التحرير وأتعب نفسى؟ لن ينقطع المرتب وهذا هو ما يهم . فلنستمتع بهذا اليوم الجميل .

    دخلت بالسيارة فى جانب من الطريق المرتفع الذى يشق غابة فى اتجاه المطار.

    . تركت الشارع المرصوف وتوغلت فى طريق مدكوك يتخلل الأشجار ثم ركنت فى الظل . كانت الغابة رطبة وهادئة والأوراق الجديدة التى عادت ت**و الأشجار منذ وقت قليل زاهية الخضرة ، تكاد تكون شفافة .. تتجمع فى قبة هشة ناعمة تحركها الريح الخفيفة فتتسرب أشعة الشمس من بين ثقوبها المتناثرة ، موجات صفراء تسبح بسرعة فوق الحشائش ثم تختفى لكى تعود كالمفاجأة . وكانت تلك الموجات المتتابعة تنير فى مرورها الزهور البرية الصغيرة الصفراء والبيضاء تزخرف الأرض فى الصيف .. فى المرة الأولى التى سافرنا فيها إلى الخارج فى رحلة الأسبوع السياحية إلى بلغاريا، بهرتنى تلك الزخرفة المنمنمة فى الأرض مثلما بهرت منار . سأقتنى ونحن فى الغابة . ممنوع أن نقطفها ؟ قلت : لا أظن، فراحت تجمع باقة منها وهى تنسق الألوان ، ولما أنتهت نظرت إلى الزهور يديها وقالت وفى صوتها خيبة أمل : ولكنها كانت جميلة فى الأرض ! وبالفعل كانت الزهور الصغيرة قد ماتت للتو ، طوت وريقاتها فوق قلوبها الدائرية الصفراء وتهدلت سيقانها النحيلة على جانبى يدها . وقلت لها : أعتقد أن هذه الزهور البرية لا تعيش إلا فى الأرض ، ثم أمسكت الباقة الذاوية ورميتها بعيدا مستبقيا زهرة واحدة صفراء أكبر من الأخريات ظلت متماسكة ومشرعة الأوراق رشقتها
    فى شعر منار وأنا أقول كم أنت جميلة هكذا . وكانت بالفعل جميلة بتلك الزهرة فى شعرها الأسود فقبلتها وعدنا نضحك من جديد ، سعيدين كما كنا من قبل ، لأننا لأول مرة نتمشى وسط غابة خضراء لا يحدها البصر. ولكن فى المساء ، ونحن فى الفندق ، كان لابد أن أدفع الثمن . فى أى مكان غريب من عقلها كانت تحتفظ بتلك الأشياء الصغيرة ؟.. تلك الأشياء التى كنت أنساها فى لحظتها ؟،. وأية قدرة تلك على توليد المعانى التى لا تخطر على بال ؟.. توجست ليلتها حين سألتنى شبه مازحة : هل جئت حضرتك إلى أوروبا قبل ذلك من ورائى ؟.. لكنى جاريت لهجتها وأنا أقول : بالطبع مرات كثيرة فى مهام سرية لماذا تسألين ؟.. فقالت : كيف عرفت حضرتك أن هذه الزهور لا تعيش إلا فى الأرض ؟.. لزمت الصمت ولكن ذلك لم ينفع أيضا . تحولت لهجة المزاح إلى نوع من الاستنكار الخفيف وهى تقول : ثم ما هذه الطريقة التى تتعامل بها مع الناس هنا ..

    أية طريقة ؟

    هذا التهذيب المبالغ فيه مع عمال الفندق والمطعم والمحلات ، ومع الناس عموما، أنت عندك عقدة الخواجة ؟

    ولكن هل لاحظت يا منار أننى أتعامل مع الناس فى مصر بطريقة مختلفة ؟

    مطت شفتيها وأخذت تهز رأسها لليمين واليسار و كأنها تصدر الحكم بعد ترو، وهى تقول : لا، ولكن هنا ألاحظ أن الجرعة أكبر حبتين . أكثر من اللازم . أنك أنها عقدة الخواجة .

    هممت أن أرد ولكنى تراجعت وتت : ربما يكون الحق معك . سأراجع نفسى. وكنت قد تعلمت من زمن طويل أن أدارى غضباتها الصغيرة الخفية . وكنت كفى كن عادلا. لابد أنها هى أيضا كانت تدارى غضباتك الصغيرة الخفية . لم تكن المشكلة فى تلك الزهور البرية فما هى بالضبط ؟.. هل كان هناك خطأ منذ البداية ؟. ما هو ؟.. كل ما أذكره أنى أحببتها وأنها قالت إنها تحبنى . أقصد لابد أنها أحبتنى فعلا فى وقت ما ، والا فلم تزوجنا؟.. كنت أفقر واحد بين
    المحررين الذين تمنوا الزواج منها لما جاءت لتعمل معنا فى الصحيفة . أسرنى
    مثل الجميع وجهها البشوش بابتسامتها الدائمة وطريقتها الصريحة فى الكلام معى تحدق مباشرة فى عينى من تحدثه . أسرتنى أكثر من غيري واعتدت أن أبذل جهدا كبيرا لكى أكلمها بطريقة عادية مثما أكلم بقية المحررات . أحرص دائما أن أحول نظرى فى اتجاه غير الذى تجلس فيه فى صالة التحرير الواسعة .

    وكانت هى التى بدأت تقطع المسافة من مكتبها إلى مكتبى لكى تستشيرنى كزميل أفدم فى موضوع تكتبه أو لكى ألقى نظرة على الموضوع قبل أن تقدمه للمطبعة . ثم بدأت تحدثنى عن مشاكلها فى البيت : يلحون عليها أن تتزوج ويعرضونها على الخطاب كما لو كانت سلعة ، لن تتزوج هى أبدا بهذه الطريقة ، ستختار بنفسها .
    لماذا يكون الاختيار من حق الرجل وحده ؟.. أخافنى كلامها . قلت لنفسى لن تكون صريحة معى إلى هذا الحد لو كنت أنا الذى اختارته . ولكنى حاولت وتقدمت . وقالت لى وهى تضحك ونحن نمشى بيدين متشابكتين فى طريق الكونيش : ماما قالت ألم تجدى غير هذا الصحفى المفلس ؟ تتركين من أجله الضابط والدكتور ! .. وأدهشتنى منار حين قالت بفخر وهى تضغط على يدى معنى هذا أن ماما تحبك وأنها توافق عليك ! .

    قبل وقت طويل أدركت أن ماما هى الأهم . كانت تشعر بنوع من العار فى حضور أبيها الذى أحببته أنا من أول لحظة لبساطته وطيبته . ولكن منار كانت تخجل حين يجلس معنا ونحن مخطوبان في غرفة الجلوس بالبيجاما أو بالجلباب ويتحدث بفخر عن إشادة رئيسه فى العمل بالأسلوب الذى كتب به المذكرة اليوم ، أو حين يحكى كيف اشترى بطيخة وهو عائد من المكتب بعد أن أقسم له البائع أنها (( شيليان )) ولكن عندما فتحها فى البيت وجدها بيضاء من غير سوء فنزل من فوره وردها إلى البائع الكذاب ، لأنه لا يترك حقه ولا يسمح لأحد بأن يضحك عليه . كان وجه منار يتضرج عندما يحكى هذه القصص وألاحظ نظرة التأنيب فى عينى أمها دون كلام . ولكن بعد أن تزوجنا لم تكن أمها تبالى بأن تعنفه أمامى . و كانت منار تبكى بالدموع لأنه اعتاد بعد خروجه إلى المعاش أن ينزل إلى الشارع بالجلباب وأن يجلس بالساعات عند الحلاق أو عند البقال أو على دكة البواب . تقول وسط دموعها حرام عليك يا بابا . . سمعتنا يا بابا .. فيعدها وهو يعتذر محرجا ومرتبكا أنه لن يفعل ذلك مرة أخرى.
    ولكنه عندما مات فاق حزن منار عليه كل تصور . ظلت تبكيه شهورا طويلة وتناجيه طوال الوقت كأنه جالس بيننا تسأله كيف حاله هناك ؟ لماذا تركها ألا يشتاق إليها ؟ وكنت أسأل نفسى إن لم يكن هناك إلى جانب الحزن نوع من تأنيب الضمير ، وأكد ما جاء بعد ذلك ما كنت أشك فيه . بالتدريج بدأت تتحدث عن أبيها على أنه كان موظفا كبيرا قوي الشخصية يهابه الجميع فى المكتب بسبب حزمه وشدته فى الحق ، رغم أنه لم يكن يؤذى أحدا وأخذت هى نفسها مع مرور السنين تقتنع بذلك ، تطالبنى فى بعض الأحيان أن أكون حازما مثل أبيها .
    وحين أبعدونى عن العمل ولم يعد هناك الكثير مما يشغلنى ، انتبهت فى أول مرة أطلت فيها جلستى عند الحلاق بعد أن انتهى من قص شعري وأخذت أتبادل معه الثرثرة دون هدف . شعرت بالخوف وعدت مسرعا إلى البيت ثم جلست إلى المكتب لأخطط مشروع كتابى . وكانت منار قد بدأت تأخذ صورة أمها بالتدريج .تتهمنى مثلا أننى أدلل الطفلين ومع ذلك تشعر بالغضب إذا ما حاولت أن أعاقب أحدهما وتتصدى للدفاع عنه . ظل العقاب حقا مقصورا عليها و يأتى عادة بعد أن نخرج للنزهة فى يوم الجمعة . اعتادت أن تكتشف باستمرار خطأ ارتكبه أحدهما أو ارتكباه معا : نوع من قلة الأدب كما كانت تقول ، عقابه أن تحرمهما من المصروف أو من زيارة الأصدقاء والأقارب . وحين كانت ترانى ألعب الشطرنج مع خالد تتهمنى بأنى أعطله عن الدراسة ، واذا حملت هنادى وأخذت ألف بها
    .هى تضحك تقول : إن هذه اللعبة هى السبب فى أن بطنها كان يوجعها فى الأسبوع الماضى . ولما لاحظت أن خالد يحب الشعر وأنى أشجعه على القراءة ، قالت لا داعى لأن يخيب الولد و هو نابغ فى الرياضة ، ولما . لا ، كفى ! مرة أخرى انتبه وتوقف . إلى أين تريد أن تصل من ذلك . أنها
    سيطرت على الطفلين ؟.. ليكن !.. وأين كنت أنت .. لماذا لم تفعل شيئا لتقترب منهما أكثر ؟.. ألم تكن طول الوقت خارج البيت فى الصحيفة أوفى الاتحاد الاشتراكى أو خارج البلد ؟.. على أى شىء تلومها هنا بالضبط ؟.، ثم ما حكاية الحلاق هذه ؟.. ما علاقتها بالمسألة كلها .. كنت أبحث عن السبب . عن بذرة الخطأ . خطئى أنا أو خطؤها هى لكن ما علاقة هذه الأشياء بالمسألة ..

    فاجأنى وجهى فى مرأة السيارة متجهما وشاردا فأجفلت . قلت لا . لن أعود إلى ذلك . ليس فى هذا المكان الجميل ولا فى هذا الصباح المشمس . لن أستسلم اليوم لذلك الشرود الذى يطفوفيه مشهد مع منار من أى شىء أراه أو طفو دون سبب ثم يسلم كل مشهد إلى أخر وتمر الساعات على هذا الحال . لا ليس اليوم . إن لم تفلح السكينة فى هذه الغابة أن تنقذنى من ذلك ، فسيكون أى شيء أخر أفضل من البقاء هنا .

    وأدرت محرك السيارة
    .. . . . . .

     
  2. raja_casa

    raja_casa دمعة و ابتسامة

    J'aime reçus:
    184
    Points:
    0
    Re : الحب في المنفى .. بهـاء طـاهر

    Je tiens à remercier l'ami "إبراهيم عادل" de m'avoir fait découvrir le roman
     
  3. raja_casa

    raja_casa دمعة و ابتسامة

    J'aime reçus:
    184
    Points:
    0
    Re : الحب في المنفى .. بهـاء طـاهر

    la suite ....


    حين دخلت قاعة الفندق لم يكن المؤتمر قد بدأ بعد . كانوا قد وضعوا منضدتين متجاورتين كمنصة وخلفها ثلاثه مقاعد وصفوا فى القاعة حوالى ثلاثين مقعدا وان لم يكن هناك غير ستة أو سبعة من الصحفيين جلسوا متناثرين وصامتين . ربما جاؤوا مثلى لأنهم لم يجدوا شيئا أخر يفعلونه . ومن كنت تريده أن يأتي ؟. . من يهتم الآن هنا أو فى أى مكان أخر؟.. من يعنيه مؤتمر تعقده لجنة اسمها لجنة الأطباء الدولية لحقوق الإنسان عن انتهاكات الحقوق فى شيلى... أى شيلي وأى حقوق ؟. . انتهى يا صاحبى زمن الارتياع عندما ذبحوا الآلاف في استاد العاصمة هناك . انتهى زمن ذرف الدموع على الليندى بعد أن قتله العسكر . قتلوه بعد عبد الناصر بثلاث سنوات . حاربوا عبد الناصر بقولهم ديكتاتور، فلماذا الليندى الذى جاءت به الانتخابات ؟.. الذئب قال للحمل إن لم تكن عكرت الماء لأنك دكتاتور فقد عكرتها لأنك ديموقراطى . أنت مأكول مأكول على أى حال . ومن يذكر الآن نيرودا ؟. لا أذكر أنى قرأت اسم نيرودا فى صحيفة من بلدى منذ أن قتله الغم بعد أن انقض العسكر على بلده قبل عشر سنوات . أسكتوه أخيرا لكى لايغنى . لكى لا يقول : وعلى شواطىء كل البلاد يعلو صوتى
    لأنه صوت من صمتوا ولأن كل من لم يعرفوا الغناء فهم بفمى اليوم قد غنوا .
    زمان أيام الشباب ، كنت أقرأ أشعار نيرودا فى صحفنا اليومية ، حتى فى الصحيفة المسائية . أيام كانت الصحف تقول إن انتصار الناس فى أى بلد يعنى الحرية لنا . أيام بكينا على نكروما وعلى لومومبا . أيام كان راديو القاهرة يغنى لبورسعيد والجزائر و الملايو و شعوب كالبشائر تنبت الأزهار من قلب المجازر !.. نعم ، لا أقل من الأزهار من قلب المجازر ! أذكر أيامها صديقا كانت تلمع فى عينيه دموع حين يقرأ علينا قصيدة (( الأطفال فى بلدى يموتون جوعا
    والأسماك فى البحر تشرب القهوة (( . الآن لا يبكى على هذا أحد . لا يبكى أحد لأن سادة دنيانا يغرقون البن فى البحر أو يهشمون جبال البيض . الناس الآن أعقل . العواطف الآن أهدأ . الدموع الآن لا تنزل إلا من إدمان النظر للتلفزيون ، بما فى ذلك دموعك أنت أيها المنافق !.. أنت ولجنة أطبائك الدولية !..
    كان في يدي كتيب أخذته اعتباطا من بين عدة كتيبات موضوعة على منضدة في مدخل القاعة . رحت أقلب الصفحات . المنصة لاتزال خالية رغم أن موعد المؤتمر قد حل . مرت عيني على سطور في الصفحة المفتوحة من الكتيب : أمتا طرق التعديب في سجون شيلي فهي نفسها التي وصفتها اللجنة في نشراتها السابقة عن ذلك البلد وعن بلاد أخرى في أمريكا اللاتينية وبقية القارات وكان أكثرها شيوعا في شيلي الصدمات الكهربائية على طريقة الشواية . أي وضع أقطاب كهربائية متحركة على جسم الكجني عليه وهو مقيد إلى سرير حديد ومغطى بالشمع . وتحدث الصدمات بهذه الطريقة ألاما قاسية جدا فى العضلات والإعصاب تستمر اثارها لعدة سنين ، إذ يصاب الشخص بارتباك فى حركة العضلات وبحالات أرق مستمر وكوابيس وتسيطر على المريض حالات غريبة يتصور فيها أنه يسلط بنفسه التيار الكهربائى على جسمه ويعيش محنة التعذيب الأول نفسها وآلامه .. وهناك طريقة الصدمات الكهربائية التى تسمى (الإبرة) وهي ....


    توقفت عن القراءة حين سمعت حركة فى القاعة ورأيت شخصا طويلا أشيب يتقدم ويجلس على المنصة . أخذ يجول بعينيه فى القاعة شبه الخالية بنظرة هادئة لم تشبها أى دهشة لقلة الموجودين . ولما بدأ يتكلم بالانجليزية خمنت من لهجته أنه من ألمانيا أو من إحدى دول الشمال . قال إن اسمه مولر وانه طبيب ، نهص يعتذر للتأخير فى بدء المؤتمر ولكنه سيذكر لنا السبب بعد قليل . وشرح أن اللجنة التى يمثلها والتى تضم أطباء متطوعين من بلاد مختلفة تهتم بحقوق الإنسان بوجه عام ولكنها تركز بالذات على الجوانب الصحية والطبية . وقال إن
    اللجنة وجدت فى شيلى حالات خطيرة جدا بين المسجونين السياسيين الذين يبلغون عدة ألاف . وبدأ يذكر أرقاما عن حالات المرضى فى السجون وعن التعذيب بالضرب وبالكهرباء وبالحرمان من النوم وبالاغتصاب الجنسى وبوسائل أخرى . وقرأ أسماء بعض الذين ماتوا تحت التعذيب .

    بدأنا نوجه له أسئلة عادية تستوضح بعض التفاصيل والأرقام ، ولكن فجأة وقف صحفى أعرفه من أهل البلد ، وكانت صحيفته المسماة (( الوطن (( تهاجم باستمرار اللاجئين من شيلى وغيرها من البلدان وتطالب بإعادتهم إلى بلادهم و طردهم . كانت تنشر مقالات متتابعة عن اللاجئين وتقول إنهم يزحمون البلد وينشرون الجرائم ويلوثون البيئة وانه يجب إنقاذ الوطن من هذا الخطر ، ووجه كلامه إلى الدكتور مولر بلهجة استفزازية قائلا : ألا تعتقد برغم كل ما
    يقال عن شيلى انها أكثر استقرارا من بلاد كثيرة ؟ ألا تعتقد أن عدد من يموتون في السجون أقل بكثير من عدد من تقتلهم الحروب الأهلية فى البد المجاورة لشيلى .. ؟

    ارتفعت فى القاعة همهمة غاضبة ولم تبال صحفية تجلس فى المقعد الذى أمامى أن تسأل بصوت مسموع : هل وجهتم الدعوة أيضا إلى جنرالات شيلى لحضور هذا المؤتمر ؟ وعلق أخرون على كلامها ولكن الدكتور مولر نقر بإصبعه مرتين على المنصة وقال لمندوب الوطن بهدوء : سيدى أنا لست سياسيا ومنظمتنا ليست سياسية . نحن أطباء نتحدث عن حالات حققنا فيها بدقة وتأكدنا منها ، ومع ذلك فأنا أذكرك أنه قبل الانقلاب العسكري لم يكن أحد يموت فى
    شيلى ، لا فى حروب العصابات ولا فى السجون . هكذا يجب أن تقارن إن أردت .

    ثم نظر الدكتور مولر إلى ساعته وقال : معذرة . استأجرنا هذه القاعة لساعة واحدة وتأخرنا قليلا لأن مشكلة صادفتنا فى تقديم الترجمة من الاسبانية لشهادة يهمنى أن تستمعوا إليها . وأشار إلى الصف الأول فنهض رجل وفتاة جلسا إلى جواره وهو يكمل : كان المفروض أن يأتى مترجم محترف ولكنه اعتذر فى اللحظة الأخيرة وتطوعت صديقة هى بريجيت شيفر بتقديم الترجمة وأنا أشكرها .

    كانت بريجيت تلبس زيا أزرق من قطعتين كمضيفات الطيران وحول رقبتها إيشارب وردى اللون ، وقالت تخاطبنا وهى تجلس بين مولر والرجل الآخر وتبتسم بشىء من الارتباك : ستسامحوننى إذا أبطأت لأن هذه أول مرة أعمل فيها مترجمة . وكانت كل العيون الصحفية مثبتة عليها لأنها كانت جميلة جدا وقال أحد الصحفيين : سنسامحك بكل سرور . من فضلك خذى كل الوقت . ضحك بقية الصحفيين ولكن الدكتور مولر عاد ينقر بإصبعه قائلا بجدية تكاد تصل إلى التأنيب : كما ذكرت لكم فأن هذه الشهادة تهم منظمتنا بصفة خاصة لأنها تمس
    أيضا رجال الطب ، ولكنى أفضل أن تستمعوا بأنفسكم . ثم أشار إلى الرجل كي يتكلم .

    و لأول مرة تحولت ببصرى من بريجيت إلى الجالس على يمينها . ولم أستطع من مكانى أن أتحقق من وجهه فقد كان يحنى رأسه بشدة حتى اقترب من ذراعيه اللتين كان يشبكهما أمام صدره ولم أر بوضوح غير شعره الأسود الناعم . بدأ يتكلم بصوت خافت ويبدو أن بريجيت طلبت منه أن يرفع صوته فقد كرر كلماته ولكن دون أن يرفع رأسه وبدأت هى بعد كل وقفة فى كلماته تترجم إلى الانجليزية التي يتعامل بها المراسلون الصحفيون فى البلد .

    قال إن اسمه بيدرو إيبانيز ، عمره 39سنة ويعمل سائق تا**ى فى العاصمة سانتياجو . فى بداية السنة كان يقف بعربته فى موقف التا**يات أمام المحطة الرئيسية منتظرا دوره . رأى شخصا يخرج من المحطة وبيده حقيبة يتوجه نحو الموقف وقبل أن يصل إليه تقدم منه سائق لم يره بيدرو من قبل محاولا أن يأخذ الحقيبة وهو يشير إلى سيارة فى الموقف . ولكن الراكب رفض أن يعطيه الحقيبة أو أن يذهب معه ، وتوجه إلى سيارة بيدرو التى كانت أقرب عربة أمامه . وبعد أن تحرك فى اتجاه العنوان الذى أعطاه له الراكب لاحظ أن سيارة تا**ى أخرى
    تتبعه . رأى فى المرآة السائق نفسه الذى حاول أن يأخذ الحقيبة ورأى معه أشخاصا أخرين ، وانتبه الراكب أيضا وأخذ ينظر للخلف . بدا مرتبكا وبدا أنه يحاول التغلب على خوفه . وخاف بيدرو أيضا والراكب يقول له أسرع .. أسرع وهو ينقل بصره إلى الخلف والى الأمام باستمرار . ثم قال لبيدرو فجأة اسمع إنهم يريدوننى إنهم من إدارة الأمن الوطنى . فاشتد خوف بيدرو لأنه يعرف ما هي إدارة الأمن الوطنى . فكر أن يوقف السيارة وأن ينزل الراكب ولكنه لم يطمئن لعواقب ذلك ، وحين طلب منه الرجل أن يترك الشارع الرئيسى وأن يدخل
    في طريق فرعى سمع كلامه . قال بيدرو إنه ندم بعدها وانها كانت فكرة سيئة -

    فقد كان من الصعب على ركاب السيارة المطاردة أن يفعلوا شيئا فى الشارع المزدحم ولكنهم انفردوا بهما فى الطريق الفرعى القليل الحركة . أسرع قدر استطاعته ليهرب منهم ولكن سيارتهم كانت جديدة وسريعة . ولاحظ ذلك فلم يعد يتلفت وراء واضطجع فى مقعده قائلا لبيدرو بهدوء : اسمع ... أنا اسف لأنى زججت بك فى هذه الحكاية ، لم يعرف بيدرو أبدا مع ذلك ما هى الحكاية . ولكن عندما حاذتهما السيارة فى إحدى إشارات المرور فتح الراكب
    الباب فجأة من الناحية الأخرى ثم قفز وبدأ يجري فى الشارع . جرى خطوتين فحسب . وقال بيدرو إنه لما بدأ إطلاق الرصاص انزلق فى مقعده ليحتمى ولكنه شعر بالرصاصة التى دخلت فى جنبه فى اللحظة نفسها ورأى الراكب وهو يسقط فى الطريق والدم ينفجر من رأسه .

    كان بيدرو يحكى بصوت رتيب و بريجيت تترجم بلهجته الرتيبة نفسها وهى تنقل بصرها بينه وبيننا فى القاعة ، ولكنى لاحظت وجهها يتصلب بالتدريج وصوتها يرتفع قليلا بينما كان بيدرو يشير بإصبعه إلى الموضع الذى دخلت فيه الرصاصة فى جنبه . واستحثه الدكتور مولر بحركة من سبابته أن يسرع قليلا وهو يشير إلى الساعة فهز بيدرو رأسه كالمعتذر . كان قد نسى خجله وراح يتطلع نحونا ، لاحظت عينيه الواسعتين وتحتهما هالتان سوداوان عريضتان
    كحاجبين مقلومين . وسألت نفسى إن كان هذا هو الأرق .

    وتغيرت لهجة بيدرو منذ اللحظة التى استحثه فيها مولر . أخذت الكلمات تخرج من فمه متدافعة ومتقطعة . وكانت بريجيت تجد صعوبة فى متابعته وتعتذر لنا أحيانا وتسترجعه بعض ما قال . ولم تعد الحكاية مرتبة . عاد يشرح مشيرا. هذه المرة إلى صدره وقال دخلت الرصاصة فى صدرى .. وأنا بالطبع لم أكن أعرف الراكب .. أسف . أقصد أن الرصاصة دخلت فى جنبى واستقرت فى صدرى كما قالوا فى المستشفى .. فى هذا المكان .. ولكن أنا لم أر هذا الرجل قبل أن يركب التا**ى وأعتقد أنه مات .. لا .. أنا متأكد أنه مات لأننى رأيت
    بعينى الدم ورأيت أجزاء من مخه على الرصيف قبل أن أفقد الوعى .. ولما سألنى الضابط فى المستشفى كنت أشعر بعطش شديد هززت إصبعى هكذا (( لا أعرفه )) فنزع الضابط من ذراعى حقنة الدم الذى كانوا ينقلونه ونزع أنبوب الأو**جين من أنفى .. قال الضابط سأتركك تموت لأنك صديقق كابتيللو لماذا اختارك بالذات من بين سائقى التا**ى؟. . طبعا كان الطبيب واقفا لما حدث ذلك والضابط كان والضابط كان من الأمن الوطنى. . وبعد أن انتزع أنبوب الأو**جين بدأت بالفعل أموت بالفعل أقصد ضاع النفس تماما وكانت هذه أول مرة أسمع فيها اسم كابتيللو .. لم اسمع باسمه ولم يسمع أخى باسمه . . وحين حاولت أن أقول هذا للضابط اندفع دم كثير من فمى وفقدت الوعى مرة أخرى . . ولكن فى اليوم التالى بدأوا استجوابي أيضا حين أفقت . كانوا فى ذلك اليوم ثلاثة من إدارة الأمن الوطنى وسألونى عن اسرتى هل نحن اشتراكيون ؟ هل نحن من حزب الليندى ؟.. أنا فى الأصل من الريف ولكننا حتى لم نأخذ أرضا عندما وزعوا أراضى الأغنياء على الفلاحين فى الريف ، لا أنا ولا أخى . . لهذا لم يحدث لنا شىء عندما رجع الأغنياء بعد الانقلاب واستردوا أرضهم ، أقصد لم ندخل السجن مع الفلاحين الذين كانوا قد أخذوا الأرض ولكنى لم أستطع أن أقول ذلك . لم أستطع أن أرد .. كنت متعبا جدا . . فمد واحد من الضباط يده وأغلق اسطوانة الأ**جين وشعرت مرة أخرى بالدم فى حلقى وفى فمي، اسمع غرغرته فى حلقى ولكنى لا أستطيع أن ألفظه من فمى فجاء الطبيب بجهاز وضعه فى حلقى وبدأ يسحب الدم . . ملاء منه زجاجات كثيرة . قال الطبيب إنه ينصحنى أن أتكلم لكى أعيش ولكنه لم يفتح اسطوانة الأو**جين . كل ما قاله للضابط هو أننى لابد أن أتكلم . وبسط بيدرو يديه أمامه وقال لنا نحن الصحفيين فى القاعة بصوت مرتفع وعينين متسعتين : كيف يمكن للإنسان أن يتكلم دون أو**جين ؟.

    ضحك مراسل صحيفة الوطن وتطلع نحوه بقية الصحفيين فى غضب وقال له أحدهم هس ! ولكنه ظل ينظر أمامه دون مبالاة ودون أن يلتفت إلى أحد، وأحس بيدرو أنه ارتكب غلطة غير محددة فزاد ارتباكه وتشتته وعاد يحكى محني الرأس :

    أظن هذا فى اليوم الثالث .. لا، فى اليوم الرابع .. عندما جاءوا بأخى فريدى.. وقالوا إنهم اكتشفوا أن فريدى اشتراكى وأننى كذاب .. هل قلت إن أخى طالب فى الجامعة ؟ صرخوا فى وجهى لابد أن تقول كل ما تعرفه عن كابتيللو.. ولكن إذا لم أكن أعرف كابتيللو فماذا يمكن أن أقول عنه ؟.. يومها أيضا لم أكن أقدر على الحركة . ورأيتهم وأنا راقد على سريري يخلعون ملابس فريدى .. رأيتهم يضعون منشفة كبيرة فى فمه .. أوثقوه من قدميه ومعصميه على سرير معدنى بجوار سريرى .. كل ما كنت أستطيع أن أحركه هو عينى .. وصرخت أقول فريدى لا يعرف كابتيللو و أنا لا أعرف كابتيللو .. صرخت ولكن لم يخرج من فمى أى
    صوت .. ورأيتهم يضعون على جسم فريدى الأشياء الكهربائية .. ووضع الطبيب سماعته على صدر فريدى لحظة ثم هز رأسه للضابط وانسحب .. ولكن الطبيب ظل واقفا لما شغلوا الكهرباء .. وسمعت شهقة فريدى برغم المنشفة التى فى فمه .. ورأيت جسمه العاري يرتفع عاليا ومقوسا ومثسودا حتى تحرك معه السرير كله واستطعت لحظتها أن أتكلم فقلت ..

    ولكننا نحن ، فى المؤتمر ، لم نستطع أن نعرف ما الذى قاله بيدرو إيبانيز لحظتها . فجأة توقفت بريجيت شيفر عن ترجمتها السريعة اللاهثه .. فجأة ظلت تتطلع إلينا وقد اتسعت عيناها واستطال وجهها بينما راحت شفتاها ترتجفان .

    وفى البدء لم يلاحظ بيدرو الذى كان يتكلم خافض الرأس و واصل الحديث بأسبانيته المتوترة .. ولم أميز من أقواله غير كلمات فريدى .. إدارة الأمن الوطنى.. كابتيللو .. الطبيب .. بينما ظلت بريجيت تحدق فينا وهى تزم شفتيها . كانتا تنفرجان بالرغم منها فتزمهما من جديد . لم تبك ولم يصدر عن&#16
     

Partager cette page