الدمشقية

Discussion dans 'Nouvelles (9issass 9assira) & Chroniques' créé par kochlok03, 2 Janvier 2007.

  1. kochlok03

    kochlok03 Visiteur

    J'aime reçus:
    114
    Points:
    0
    مقامات الحريري
    المقامة الثانية عشرة ـ الدمشقية ـ

    [​IMG]

    قالَ الحارث : سافرت عن العراق إلى الشام وقصدت مدينة دمشق، ولها ضاحيةٌ جميلةٌ اِسمها الغوطة، يحيط بها النخيل والأعناب، ويتخللها الورد والفُلُّ والياسمين، وبها المقاهي الفاخرة والمطاعم الشهية، والأندية الرحبة الفسيحة، وهناك طاب ليَّ المقام، ونسيت الوطن والأهل ورفقاءَ الصبا والشباب. ولما قضيتُ أربي من المتعة والنزهة، أخذت أحن إلى بلدي وأهلي، فوجدت جماعة قد أعدُّوا رواحلهم للسفر إلى العراق فاِنضممت إليهم، ثم بحثوا عن خفيرٍ يحرسهم، وبينما هم في البحث إذْ برز شخصٌ منهم مظهره مظهرَ الشباب، وحقيقته أنه كهلٌ قد جاوز الخمسين، فقال أنا أحرسكم بما يؤمِّنُكم ويُطمَئنَ بالكم، أَدُلُّكُم على كلماتٍ يقولها كلٌ منكم في الصباح والمساء، عرَّفنيها شخصٌ لقيته في المنام، ولقد جرَّبتها وسرتُ بها في الصحراء الليل والنهار، وركبت البحر وقطعت الصَخرَ، وسرتُ في كلِّ ذلك وأنا مطمئن، ـ وساُصاحبكم على أن تقرأوها ـ لتصِلوا بسلام.
    ليقل كلٌّ منكم بلسانٍ خاضعٍ وصوتٍ خاشعٍ، اللهم يا مُحيي الرَّفات ويا دافع الآفات حُطني في تُربتي وغربتي وغيبتي وأوبتي واحفظني في نفسي وعِرضي وعَرَضي وعَدَدي وسكني ومسكني وحولي وحالي ومالي ومآلي ولآ تُلحق بي تغييراً ولا تسَلط عليَّ مغيراً واجعل لي من لَدُنك سُلطاناً نصيراً، اللهم اُحرسني بعينك وعونِكَ واخصصني بأمنك ومَنِّكَ وتَوَلني باِختيارك وخيرك...
    فقال الحارث : فصدقناه في كلامه ثم سِرنا وسار معنا، إلى أن وصلنا مساء يومٍ إلى مدينةٍ عانة فطلب منا الأجرة والإعانة، فأعطى كلٌ ما عليه، قضينا ليلتنا، وفي الصباح بحثنا عنه فلم نجده، ثم حدثتني نفسي أن أبحث عنه، وفتشتُ عليه في كلِّ مكانٍ حتى وجدته في خمَّارة متنكراً ويلبس ثوباً قشيباً، وعلى مائدةِ الخمرِ وحوله النُدماء تدور عليهم السُقاة ، وهو يَتَرَنح من نشوةِ الخمر يميناً وشمالاً، فقلت له : ما هذا يا ملعون ؟ فضحكَ مستغرقاٌ وأجاتني مستغرباً، وأنشَدَ شِعراً، عرفت منه أنه أبو زيدٍ صاحبَ المقامات وأخو المفاجآت فقُلتُ : ومتى تتوب وترجعْ إلى الرُشد ؟ فتأَفف متضجراً، وقال : بِرَبِّك اُتركني، هذا الوقتُ وقتَ البهجة عندي والمرح، وليس وقتَ اللومِ والتأنيب. فعلِمتِ أنه لن يرجِعَ عماَّ فيه، فتركته مع الشيطان، ورجعت إلى قومي نستأنف المسير

    موجزٌ من كتاب [فن الواسطي من خلال مقامات الحريري] للدكتور ثروت عكاشة


     

Partager cette page