الذين يسكنون في المغرب والذين يسكنهم المغرب

Discussion dans 'Nouvelles (9issass 9assira) & Chroniques' créé par jijirose, 21 Mai 2010.

  1. jijirose

    jijirose this is my life

    J'aime reçus:
    390
    Points:
    83
    كثيرا ما يعاتبنا أصدقاؤنا المتفائلون على نظرتنا الموضوعية والواقعية إلى الأشياء، والتي من فرط تفاؤلهم تبدو لهم غاية في السوداوية. إنهم لا يفهمون، مثلا، لماذا لا نهلل ونملأ الدنيا طربا لمجرد أن «دومينيك ستروس كان»، مدير «صندوق النقد الدولي»، قال إن المغرب يعتبر نموذجا للبلد الذي نجح في تخطي آثار الأزمة بفضل تنوع اقتصاده، أو لأن التصنيف العالمي الأخير للتلوث العالمي وضع المغرب في مرتبة أحسن من أمريكا على مستوى النظافة.
    المصيبة ليست هي أن المغرب استطاع تجاوز آثار الأزمة العالمية، وإنما هي أن آثار الأزمة العالمية لم تصل بعد إلى المغرب، واليوم فقط وصلت وهي تدق على الأبواب من ناحية إسبانيا.
    والمصيبة ليست هي أن المغرب احتل رتبة أحسن من أمريكا في مجال النظافة، ولكن المصيبة هي ماذا يصنع المغرب بالقرب من أمريكا في الترتيب العالمي للتلوث. فنحن بلد فلاحي وليست لدينا صناعة بترولية ثقيلة تلوث الجو وليست لدينا مفاعلات نووية كتلك التي في أمريكا. لذلك فعوض أن يفرح البعض ويقدموا هذا الترتيب بوصفه إنجازا حضاريا كبيرا ويكتبوا في جرائدهم أن «المغرب أنظف من أمريكا»، عليهم أن يخجلوا من هذه الرتبة التي تضع بلدا فقيرا مثل المغرب إلى جانب الدول الصناعية الكبرى في مجال التلوث. بلد لازال يعاني من تلوث مياه الشرب ومشاكل تصريف مياه الواد الحار واستعمالها في ري الخضر على هوامش المدن، وحرق مخلفات الأدوية عشوائيا في المزابل.. هذا هو التلوث الذي يعاني منه المغرب، لا التلوث النووي والصناعي والبترولي الذي تعاني منه أمريكا.
    وهؤلاء معذورون، فهم ينسون أن مهمة الصحافي هي الاهتمام بالقطارات التي لا تصل في موعدها، لأن القطارات التي تصل في موعدها ليست خبرا، بل تحصيل حاصل. وهناك أيضا من يعاتبنا على تخصصنا فقط في استعراض المشاكل والمساوئ، دون اقتراح الحلول المناسبة لهذه المشاكل. وهنا أيضا لا بأس من التذكير بأن مهمة الصحافي ليست هي اقتراح الحلول المناسبة للمشاكل التي يطرحها، وإنما استعراض مكامن الخلل وإخبار الرأي العام بها. أما البحث عن الحلول فهناك دولة ومؤسسات حكومية وهيئات سياسية وبرلمان ندفع لهم جميعا أموالا طائلة من ضرائبنا لكي يفكروا في الحلول ويجدوها. وإذا كان مطلوبا من الصحافي أن يدلنا على مكمن الخلل ثم بعد ذلك يقترح الحلول المناسبة لهذا الخلل، فإننا حقيقة لا نعرف ماذا يصنع الوزراء ودواوينهم والمنتخبون وبرلمانهم.
    وحتى لا نكون السوداويين الوحيدين في هذه البلاد دعونا نستعرض أمام هؤلاء المفرطين في التفاؤل التقرير الأخير لبرنامج الأمم المتحدة للتنمية، والذي وضع المغرب في الرتبة الـ130 بعدما كان خلال 2008 في الرتبة الـ126.
    ومن الغرائب المدهشة في تقرير الأمم المتحدة أن فلسطين المحتلة حصلت على رتبة أحسن من المغرب الذي حصل على استقلاله منذ أكثر من نصف قرن. والمصيبة أن معدل الأعمار في فلسطين المحتلة، حيث الغارات الجوية الإسرائيلية المتكررة على المدنيين وعمليات اقتناص الأطفال أصبحت هواية الجيش الإسرائيلي، يصل إلى 72 سنة. أما في المغرب فإن معدل الأعمار لا يتعدى سبعين سنة. وهذا طبيعي بالنظر إلى أن المغاربة يعيشون حربا يومية طاحنة مع محتل غاشم اسمه الفقر، لديه حلفاء أقوياء في الطبقة البرجوازية التي ترعاه لكي تبقي تحت سيطرتها كل هؤلاء الملايين من المغاربة الذين يعيشون تحت عتبته.
    ويبدو أنه ليس الفقر وحده الذي حقق ارتفاعا ملحوظا في المغرب هذه السنة، بل الجريمة أيضا صعدت إلى منصة التتويج. وعندما نتحدث عن ارتفاع معدل الفقر وارتفاع معدل الجريمة، فإن جميع المؤشرات السلبية تسير في الاتجاه نفسه. ولذلك، فلا غرابة أن تكتشف وزارة العدل أن نسبة الطلاق ارتفعت مقارنة بالسنة الفارطة، وأن تكتشف المندوبية الجهوية لوزارة الصحة بمدينة الدار البيضاء أن نسبة الوفيات ارتفعت هي الأخرى مقارنة بالسنة الفارطة، وأن يكتشف وزير النقل كريم غلاب أن نسبة حوادث السير سجلت ارتفاعا بنسبة عشرين في المائة مقارنة بالعام الماضي.
    وحتى نتعلم النظر إلى النصف المملوء من الكأس عوض التركيز فقط على النصف الفارغ، كما ينصحنا بذلك أصدقاؤنا المتفائلون، فلا بأس من الإشارة إلى أن هناك مغاربة آخرين لديهم مغربهم الخاص الذي تتحسن فيه مؤشرات النمو، خصوصا نمو أرصدتهم البنكية، وتتقدم فيه التنمية، خصوصا تنمية رؤوس أموالهم، بخطوات «حثيثة» كما يقول معلقو نشرات أخبار الأولى كلما تحدثوا عن مغرب الخير والنماء.
    ومن يريد أن يتأكد من وجود هذا المغرب، فما عليه سوى أن يراجع لائحة مبيعات السيارات في المغرب، وسيلاحظ أن شركات السيارات التي تسوق «الكات كات» لديها لائحة انتظار طويلة من الزبائن الذين يطلبون هذا النوع من السيارات الباهظة. وأمام الطلب المتزايد على «الكات كات» في المغرب، هناك شركات تضطر إلى جعل زبائنها ينتظرون لأسابيع طويلة قبل أن يصل دورهم في الحصول على واحدة.
    والذين يقرؤون الصحافة الاقتصادية لا بد أنهم صادفوا مقالات وأخبارا تتحدث عن سوق المسابح في المغرب، والذي يعرف انفجارا غير مسبوق. فقد أصبح بناء المسبح مع الفيلا موضة الطبقات المرفهة في المغرب. وبفضل هذه الموضة، ضاعفت شركة «مسابح وترفيه»، مثلا، رقم معاملاتها خمس مرات بين 2005 و2007، وشيدت شركة «واتر إير» منذ استقرارها في المغرب سنة 2001 حوالي 500 مسبح، وسجلت عائداتها نسبة ارتفاع بحوالي عشرين في المائة.
    ولكي نزيد من جرعات التفاؤل لا بأس من تذكير المواطن اليائس -الذي يجد نفسه هذه الأيام أمام اختيارين مصيريين لا ثالث لهما، إما اقتراض ثمن العطلة من البنك أو تحمل انقلاب عائلي مسلح في البيت- بأن ثمن تشييد مسبح في المغرب يتراوح ما بين سبعة ملايين وخمسة عشر مليون سنتيم، يعني أن ثمن شقة في السكن الاقتصادي ينفقه البعض في المغرب على «شاريج ديال الما» يغطس فيه جسده مرة أو مرتين في السنة.
    المغرب الذي صنفه تقرير الأمم المتحدة في «قزيبة» الترتيب، إلى جانب الدول التي تعرف الحروب الأهلية والمجاعات والأوبئة، ليس بكل هذه السوداوية والقتامة، فالأمم المتحدة لا ترى من المغرب سوى تسعين في المائة الغارق نصفها في الفقر ونصفها الآخر في الديون، أما عشرة في المائة التي تعيش بمقاييس التنمية البشرية الأوربية فلا تتحدث عنها الأمم المتحدة.
    والذين يمثلون هذه النسبة يوجدون متفرقين على منتجعات وأشرطة ساحلية ومدن سياحية بحيث لا تخطئهم العين. ويكفي أن يذهب الواحد منا إلى «ماريناسمير» أو منتجعات «كابيلا» في الشمال أو «بوزنيقة باي» وشريطها الساحلي في الوسط، ومراكش وضواحي أكادير في الجنوب، لكي يكتشف قصور وفيلات هؤلاء المغاربة الذين يمكن أن تلتقي ذرية بعضهم في علب ليل مراكش وأكادير وكازينوهات طنجة. والذين ليست لديهم الإمكانيات المادية لرؤيتهم في هذه الأماكن الباهظة يمكنهم رؤية بعضهم في موقع «فايس بوك» العالمي حيث تعود أبناء «الألبة» في المغرب على وضع صورهم التي تعرض سهراتهم «الخالدة» في المعاهد العليا التي درسوا بها وفي العلب الليلية المشهورة حيث يقضون وقتهم «الثالث».
    هذا الصباح وأنا أستعد لامتطاء القطار، استوقفني أحد الشباب وقدم نفسه كواحد من العبيد الجدد في المغرب، وعندما سألته عن مهنته قال لي إنه يعمل مستخدم حراسة.. يشتغل من السابعة صباحا إلى السابعة مساء بحوالي أربعين درهما لليوم.. غير مسجل في صندوق الضمان الاجتماعي ويعمل بدون عقد.
    الشركة التي تشغله تحصل على خمسة آلاف درهم من المؤسسة التي تتعاقد معها لتأمين حراسة منشآتها عن كل حارس. عندما أنهى كلامه فهمت لماذا قدم نفسه كواحد من العبيد الجدد في المغرب، وفهمت لماذا يلتحق البعض بسرعة بنادي الأغنياء في المغرب. فأمثال مدراء هذه الشركات كثيرون في المغرب، من النسيج والضيعات الفلاحية مرورا بالصناعات الاستهلاكية، مئات الآلاف من المغاربة يتم استعبادهم في المصانع والمعامل براتب شهري لا يكفي لإعالة كلب مدلل من كلاب هؤلاء البرجوازيين الجدد.
    وطيلة اشتغالي في هذه المهنة خرجت بقناعة واضحة، وهي أنه ليس هناك ما هو أسهل من أن تصبح مليونيرا في هذه البلاد إذا أردت ذلك.. يكفي أن تكون مرتشيا وفاسدا أو صاحب نفوذ.
    أما إذا قررت أن تكون عفيفا وشريفا وصاحب مبادئ، فما عليك سوى أن تعد نفسك جيدا للضربات التي ستأتيك من كل حدب وصوب، ومن أصدقائك قبل أعدائك​
    .
    http://www.almassae.press.ma/node/1812

     

Partager cette page