الفوضى القاتلة

Discussion dans 'Info du bled' créé par imadici, 4 Novembre 2006.

  1. imadici

    imadici Pr. Ìpşø Fąċŧǿ...

    J'aime reçus:
    14
    Points:
    18
    المغاربة على متن الحافلة
    الفوضى القاتلة
    رغم أن البشرية عرفت من التطور ما أوصلها مند سنين الى الميترو و الترامواي، ظل المغاربة الى اليوم، أوفياء للحافلة كوسيلة نقل يومية؛ مكرهين أم مخيرين؟ المهم أن جلهم يقضي جزءا من حياته في انتظار الحافلة، و جزءا آخر منها معلقا بداخلها في ما يشبه نقل اللحوم أو البهائم.

    و هي تتجول بين شوارع و أزقة مدننا، تشكل الحافلة قطعة مركزة من المجتمع المغربي، فيحضر الجنس و التسوّل و الجريمة، بما يعبر عن تربيتنا و نظرتنا الى الآخر، الدي نجد أنفسنا مجبرين على الالتصاق به.
    الترمينوس، الهدوء الذي يسبق العاصفة

    قرب حمام "الشيكا" بحي المسيرة 2، الذي ينعته سكان مدينة تمارة بالصين الشعبية لكثرة ساكنته، يتكسر هدوء الليل في ساعة مبكرة من فجر كل يوم، على أصوات محركات حافلات تؤلف تشكيلة متنوعة، من "لافيراي" إلى "الدوبلفي". بمجرد ما تصل الحافلات الى خط الانطلاقة، يترك سائقها مقعده في تثاقل بيّن، حاملا في يده قطعة كارطون، يفترشها في الممر الذي يتوسط الحافلة، ليكمل شخيره في انتظار صافرة المراقب الذي يحدد لكل حافلة توقيت انطلاقها.

    أما الجباة (الروسوفور)، فيتحلّقون حول مائدة محلبة تدين بوجودها الى هذه الحافلات المصطفة أمامها، كل منهم يجري تحضيراته الخاصة، الأول يعدّ بعض الدريهمات التي أعدها كذخيرة يتسلّح بها في مواجهة بعض ممن يحلو لهم إشهار الورقة المالية من فئة مائة أو مائتي درهم و هم يغمغمون، بعد أن جرّدتهم زوجاتهم من الدراهم و القطع النقدية من فئة عشرة أو خمسة دراهم عند مغادرته البيت؛ و الثاني يتفقّد دفتر التذاكر مدققا في ما إذا كانت ناقصة أو بها خطأ في الترقيم...

    أما زوجة السائق و الجابي، فحظها أكثر تعاسة، إذ عليها أن تستيقظ قبل بزوغ الفجر كي تحظر لزوجها بعض المسمن أو الحرشة و براد شاي، يبدأ في ارتشافه قبل أول رحلة كما لو كان يملأ الخزان بالوقود، بينما يحتفظ بالباقي إلى أن يطلع النهار. هؤلاء هم المحظوظون، أما المتاعيس، فيصرفون نصف الأجرة عند محماد و مي يامنة، حيث كوب من الشاي و بعض الفطائر تسلبه خمسة دراهم قبل أن يبدأ عمله.

    أما ركاب هذا الوقت المبكر فهم أولائك الذين يسبقون الآخرين من موظفين و طلبة و عمال، و الذين سوف يتبعونهم بعد ساعة أو ساعتين، و جلهم من عمال الحراسة و النظافة و البستنة. تعرفهم بملامحهم و أيديهم الخشنة المقهورة، ووزراتهم الزرقاء والبيضاء الملطّخة بالأوساخ في بعضها، أو المبرقعة في بعضها الآخر.

    أولى العبارات التي يتفوه بها السائق أو الجابي، تكون إما الصباح لله أو سير على الله؛ إما لأن حظه أوقعه في زميل لا يطاق، أو حافلة لا تحمل من هذا الاسم سوى الهيكل الذي يذكر بدور الصفيح، أو على العكس من ذلك، "صباح زين هذا" حيث السائق و الجابي صديقان حميمان والحافلة ما زالت "دوبلفي".

    بعض الحافلات تنطلق وهي ممتلئة عن آخرها، فكل السكان المجاورين للترمينوس يفضلون التوجه إليه حتى و إن كانت هناك محطة أخرى أقرب إليهم، فالحصول على مقعد أمامي وفي الجانب البعيد عن أشعة الشمس، أمر يستحق العناء.

    المصارعة من أجل الركوب و المقعد للأقوى

    "ثقافة الطوبيس" المغربية تبدأ مقدماتها عند باب الحافلة، بعض الأذكياء يتمتعون بقدرات ذهنية عالية، حيث يجرون عمليات حسابية و هندسية قبل توقف الحافلة، حيث يخمنون مكان توقفها بالضبط، ويأخذون مكانهم قبالة الباب مباشرة. و ما إن تفتح حتى يشمر كل عن ساعده و يستعمل المرفق و الذراع. حافلات الوكالة المستقلة للنقل الحضري التي تعيش فترة احتضار حقيقي، وحدها كانت تخصص الباب الخلفي للصعود و الباب الأمامي للنزول، ليس بهدف التنظيم، بل فقط لأن الجابي هنا جالس قرب الباب الخلفي، و ما إن يصعد الراكب حتى يبادر الى النقر على الزجاج المحيط بمقعده داعيا إياه الى أخذ تذكرته.

    كثيرون هم أولائك الذين تبدو عليهم علامات التحضر والأدب، خاصة إذا تعلق الأمر برجل متأنق أو تتدلّى تحت معطفه ربطة عنق، أو فتاة تبدو عليها آثار أيادي محترفي التزيين، و بوجه أخص عندما تكون المحطة في أحد أرقى أحياء العاصمة كحي الرياض أو أكدال، و ما إن تتوقف الحافلة حتى يصبح الجميع كمن يصارع من أجل البقاء، على أمل الحصول على مقعد. فلا أهمية هنا لا للجنس و لا للسن، و في حالات عديدة، تجد الشيوخ و المسنات يتراقصون على إيقاع اهتزازات الحافلة، ويقفزون كلما هوت عجلاتها في إحدى الحفر، أو علت أحد الحواجز التي لم يعد غيرها من علامات المرور، يصلح لإجبار السائقين على التقليل من السرعة.

    من تيرمينوس "حمام الشيكا" الى حسان أو باب الأحد بمدينة الرباط، قد تدوم الرحلة أكثر من أربعين دقيقة. و إذا علمنا أن الحافلة غالبا ما تلعب دور سيارة الإسعاف، وهي تنقل مرضى مستشفى ابن سينا أو مستشفى الاختصاصات و غيرهما، فإن القيام بالرحلة وقوفا يعتبر مأساة.

    في المرات القليلة التي يتفضل فيها أحدهم أو إحداهن بالتنازل عن مقعده لرجل مريض أو امرأة مسنة، فنظرات الاستغراب تطارده، بل و"تعاليق من قبيل "العياقة" و "باغي يبان على الدريات"" يقول سمير الجابي بإحدى الشركات الخاصة.

    السرقة و التسوّل و أشياء أخرى

    الحافلة صندوق مغلق يجمع بداخله العشرات من الناس، و جلهم يولي وجهه نحو الأمام (القاعدون منهم) وضعية لا تتيحها سوى المسارح و قاعات الندوات و الأفراح. لكن حافلاتنا لا تحتاج الى إذن أو ترخيص أو مقابل من أجل الوقوف أمام "جمهورها" و مخاطبته بما نشاء من خطاب.

    أول المقبلين على استثمار هذا التجمع البشري هم أبطال رياضة الأصابع، شفرة حلاقة حادة تحت اللسان أو بين الأصابع، ومهارة عالية في الاندساس ومد اليد داخل الجيوب والحقائب؛ تلك مواصفات اللص الناجح على متن الحافلة. والغنيمة غالبا ما تكون محفظة أحد الركاب المهملين، أو الهاتف المحمول لإحدى الفتيات المغلوبات على أمرهن.

    لصوص حافلات العاصمة عرفوا تطورا كبيرا و اتخذوا "نيولوك"، حيث لم يعد اللص بالضرورة ذاك الذي تبدو عليه علامات الشقاء و الملامح القاسية و الهندام الرث، بل إن جلهم أصبح أنيقا أناقة الإطار أو الأستاذ و في يده محفظة محترمة أو دفتر جديد، و أنت تقف في محطة الحافلات السويسي المجاورة لمدينة العرفان الجامعية، لن تميز بين اللص و الراكب العادي.

    يكفي أن يكون المستهدف في حالة سهو ليقوم اللص بمهمته دون أي إزعاج، حتى إذا كانت عيون باقي الركاب كلها ترمقه، فصديقنا لا تهمه سوى الضحية. "و اللي زغبو الله يدوي معاه"، تقول حليمة التي تستعمل الحافلة يوميا.

    النوع الثاني من مستغلي هذا الفضاء المجتمعي، هم المتسولون، هؤلاء تختلف أشكالهم و حالاتهم و طرقهم. "الناس تايكونو شادين الطريق و طالبين السلامة، داكشي علاش كايرطاب قلبهم" يقول جليل، متسول يعتمد على ذراعه المعوجّة لاستجداء شفقة ركاب الحافلات.

    و أنت تقوم برحلة قصيرة في إحدى الحافلات القادمة من وإلى العاصمة الرباط، تتفرج على تشكيلة من العاهات و الإعاقات، و يتألم قلبك من شدة تأثير خطابات الشكوى والتذلل وسرد قصص المعاناة من يتم أو زوج مهمل أو حادث مروع.

    ما بين "السلايتية" و عديمي الأخلاق

    نظام صارم تفرضه كل شركات النقل على مستخدميها بخصوص أداء التذكرة، فهم مستعدون لأخد الحافلة بركابها الى أقرب كوميسارية في حال رفض أحدهم أداء ثمن تذكرته. وإلا فإن العقاب الذي سينزل بهم سوف يكلفهم أجرة أزيد من أسبوع.

    "إنها جهنم" تقول السعدية الجابية بإحدة شركات النقل، معبرة عن مدى صعوبة العمل الذي فرضته عليها الظروف، فبين لص و"راكب سري"، وآخر متعجرف أو متحرش، تبقى السعدية و زملاؤها في وضعية جد صعبة. منذ بضعة شهور، ألقت مصالح الأمن القبض على شخص كانت هوايته اقتناص عاملات إحدى شركات النقل، وهن يبحثن عن وسيلة توصلهن الى بيوتهن بعد الانتهاء من عملهن ليلا، ثم يأخدهن بسيارته الى مكان خال يغتصبهن فيه.

    قد يكون كل هذا سبب تلك الغلظة التي يتسم بها مستخدمو الحافلة. "يلا جيتي تكون ظريف تخرج على راسك" يقول خالد الجابي بشركة أخرى. مما يجعل سلوكهم عنيفا ويومهم مليئا بالمشادات والمضايقات. أما السائقون فأمزجتهم دائمة التعكر، و لن تجد سائقا واحدا لا يضع بالقرب منه هراوة غليظة لا يتردد في استعمالها.

    نوفل طالب لم يحصل بعد على إجازته، إلا أنه يصف نفسه بالطالب الباحث لكثرة بحثه عن حافلة الوكالة، يحكي كيف تطور الأمر في أحد أيام رمضان المنصرم، بين روسوفور و شرطية الى تبادل اللكمات، حيث كانت الشرطية بلباس مدني فطالبها الجابي بإشهار بطاقتها، "زعما بغا يدير ليها بحال اللي كادير هي للناس" يعلق نوفل.

    هذا الجابي المستعد للعراك من أجل تذكرة، لا يحرك ساكنا أمام لص يعبث بأغراض الركاب، أو مجموعة من المراهقين أو البالغين لكنهم "ناشطين"، يحيلون رحلة الركاب الى جحيم بفعل شغبهم واستعمالهم للكلام الساقط.

    أما بعض النساء اللواتي تصبح أجسادهن هدفا يلتصق به بعض الشواذ جنسيا، فلا تملك سوى الصبر متمنية أن يتركها جارها الحميمي جدا، تنزل من الحافلة دون ظهور آثار سائله الدافئ على ملابسها. وكم هي عديدة المرات التي تنفجر فيها إحدى الراكبات بالصراخ والبكاء ممطرة أحدهم بأقبح النعوت والصفات: "الكلب، الخنزير، قليل الحيا، نت راجل نتا؟..."

    على متن الطوبيس، مجتمع مغربي صغير

    سلوك الركاب على متن الحافلة يمكن إخضاعه لقواعد التحليل النفسي لسلوك الجماعات، و هي القواعد التي تبين كيف تختفي شخصيتنا و فردانيتنا عندما نكون ضمن جمع غفير، و يصبح تعبيرنا جميعا مرتكزا على وعينا الجماعي وتركيبتنا الفكرية، و تطفو بالتالي على السطح مكبوتاتنا وعقدنا. فما انحرافات تعاملنا على متن الحافلة سوى تعبير مصغّر عن اختلالاتنا الثقافية والفكرية.


    http://www.alalam.ma/article.php3?id_article=16849
     

Partager cette page