الكانيبالية الامبريالية العالمية وعملية افتراس الشرق الاوسط الكبير

Discussion dans 'Nouvelles (9issass 9assira) & Chroniques' créé par HANDALA, 19 Novembre 2008.

  1. HANDALA

    HANDALA Bannis

    J'aime reçus:
    91
    Points:
    0

    الازمة المالية العالمية:
    الكانيبالية الامبريالية العالمية وعملية افتراس الشرق الاوسط الكبير


    جورج حداد*


    تبذل الدوائر الامبريالية العالمية، ولا سيما الاميركية والصهيونية، جهودا مستميتة، للايحاء بأن الازمة المالية التي انفجرت مؤخرا في اميركا وانتشرت منها في بقية مناطق العالم الرأسمالي، لا ولن تخرج عن هذا النطاق المالي، وسيتم السيطرة عليها بالوسائل المالية. وقد ضخت اميركا وغيرها من الدول الرأسمالية الكبرى الوف مليارات الدولارات، حتى الان، في شرايين الدورة المالية العالمية المتآكلة، من اجل ترميمها وانعاشها، ومحاولة حصر الازمة ضمن النطاق المالي فقط. وبهذه المحاولات تريد الدوائر الامبريالية التوصل الى ثلاثة اهداف:

    ـ1ـ تخدير ضحاياها المباشرين انفسهم، اي المودعين الاغبياء (وعلى رأسهم المودعين العرب)، الذين تم التلاعب والمغامرة بودائعهم، وبالاخير سرقتهم المفضوحة، عن طريق المضاربات في الاسواق المالية؛ وايهام هؤلاء المودعين بأن "كل شيء على ما يرام" و"كل شيء تحت السيطرة"، وإبقاء رقابهم تحت سكين المضاربين النصابين "الجزارين" الذين سلخوا جلودهم، وهم على استعداد الان لسلخ فروة رؤوسهم، كما كانوا فيما مضى يفعلون بالهنود الحمر المساكين.

    ـ2ـ تمكين القيادات الجماهيرية والنقابية المباعة، من تضليل الجماهير العمالية والشعبية، في اميركا والعالم الرأسمالي كله، بأن الازمة لا تعدو كونها مقامرات مالية فيما بين الرأسماليين انفسهم، ولن تجد طريقها الى الانتاج والاجور واسعار السلع والخدمات الاجتماعية، بقصد منع او الحد من تحركات الجماهير للدفاع عن حقوقها ومستوى معيشتها وحياتها المهددة.

    ـ3ـ اطلاق الكثير من الدخان لتعمية الابصار عن الجوانب السياسية للازمة، وخصوصا نتائجها الكارثية على المنطقة العربية ـ الاسلامية التي تشكل اليوم الهدف الرئيسي للهجمة الامبريالية ـ الصهيونية العالمية، على كل المستويات: الاقتصادية و"الثقافية" والاعلامية والسياسية والامنية والعسكرية.

    ولكن الوقائع كلها تشير ان هذه الازمة ليست ازمة مالية وحسب، بل هي تعبير عن ازمة اقتصادية ـ سياسية ـ عسكرية شاملة للنظام الامبريالي ـ الصهيوني العالمي. وما الازمة المالية سوى نتيجة للازمة العامة، وان كانت ستساهم في تعميقها، بعد ان قامت بكشفها، تماما كما يكشف ظهور او انفجار دمل ما في جسم مريض، وجود مرض عضال.

    وفي رأينا المتواضع ان "الشرق الاوسط الكبير" كما سبق وسماه الرئيس الاميركي جورج دبليو بوش، يدخل في صميم هذه الازمة، وهو المستهدف الاول، في المرحلة التاريخية الراهنة، للكانيبالية الامبريالية الاميركية ـ الصهيونية العالمية، التي تطمع في افتراس هذا "الشرق الاوسط الكبير" كمقدمة وكشرط ضروري للهيمنة او على الاقل لمحاولة الهيمنة على العالم.

    ونحاول فيما يلي ان نستعرض مقدمات ومسار هذه العملية، وصولا الى الازمة المالية الاخيرة:

    في الازمنة الحديثة، اصبحت الحكومات الرأسمالية، وبرغم كل التبجحات "الدمقراطية"، لا اكثر من "واجهات" للكتل المالية الكبرى، التي تدير العملية السياسية برمتها. والكتل المالية الدولية هي اقوى من الدول الكبرى ذاتها، بل هي التي تحرك الدول الكبرى، ناهيك عن الوسطى والصغرى.

    والصراع بين الكتل المالية "الوطنية" لاجل اعادة اقتسام المستعمرات والاسواق المالية هو السبب الجوهري والرئيسي لاندلاع الحربين العالميتين الاولى والثانية.

    وبعد الحرب العالمية الثانية، وبسبب الدمار الهائل الذي ادى الى اضعاف جميع الدول في اوروبا، كانت الكتلة المالية اليهودية ـ الانغلو/ساكسونية هي المستفيد الاكبر من "اعادة الاعمار". ولكن بالرغم من ان هذه الكتلة نالت حصة الاسد، الا ان ضخامة ورشة اعادة الاعمار، أعطت لجميع الكتل المالية الاخرى فرصا كبيرة للتوظيفات، وللتوسع الرأسمالي العامودي في المنطقة الاوروبية الغربية ـ الاميركية ذاتها. ومن ثم شهدت هذه الفترة مرحلة "شهر عسل" في ما بين الكتل المالية المختلفة. وهو ما ساعد في خلق الاجواء المناسبة لتكوين "الحلف الاطلسي" بزعامة اميركا المتصهينة، ولتشكيل "الاتحاد الاوروبي" الذي لم يكن بعيدا عن النفوذ الاميركي، ضد "الكتلة السوفياتية" السابقة، كما وضد بقية اجزاء العالم.

    وفي النطاق الاقليمي العربي ـ الاسلامي، تميزت هذه المرحلة بمعلمين:

    الاول ـ "ارتياح" الممالك والامارات والمشيخات والجمهوريات العربية ـ الاسلامية النفطية للنوم في "الحضن" الغربي، ولا سيما الاميركي؛ ومن ثم تكديس عائدات النفط في البنوك الاميركية بشكل رئيسي.

    والثاني ـ إعطاء اسرائيل فسحة طويلة من الوقت، كي تشن الحروب "الوقائية" المظفرة، وتتقوى، وتتوسع على حساب العرب، حيث ان اميركا واوروبا الغربية لم تكونا تحسبان اي حساب جدي لأي ممانعة او معارضة في "السوق المالية ـ النفطية" العربية ـ الاسلامية. فحتى حينما عمد الملك السعودي الراحل فيصل بن عبدالعزيز الى استخدام سلاح النفط في حرب تشرين 1973، كان ذلك بشكل "مسيطر عليه" (يقال ان الملك فيصل حينما سئل لماذا لم يترك سعر برميل النفط يرتفع اكثر حينذاك، اجاب انه لا يريد المساعدة في نشر الشيوعية في العالم!!). ومع ذلك دفع الرجل حياته ثمنا لهذا "الازعاج المحدود" لحسابات وخطط الكتل المالية العالمية المسيطرة (تم اغتياله على يد احد الامراء السعوديين في يوم الثلاثاء 25 اذار 1975، ولم يكشف رسميا ـ ايضا ـ حتى الان، عن الدافع الحقيقي الى قتله. ولكن غالبية التحليلات تميل الى القول بأن الاميركيين والانكليز هم الذين يقفون خلف اغتياله، بسبب الاستخدام الجزئي والموقت لسلاح النفط لصالح الجانب العربي). وفي هذه المرحلة بالذات تحولت اسرائيل الى معسكر حربي ضخم، يسمى مجازا دولة، يوجد فيه ثالث او رابع اقوى جيش في العالم، ويمتلك احدث واخطر الاسلحة، وعلى رأسها اسلحة الدمار الشامل، الذرية والكيماوية والجرثومية، واقماره التجسسية الخاصة، والصواريخ متوسطة وبعيدة المدى التي تطال كل النقاط الحيوية في المنطقة واي نقطة اخرى في العالم اجمع بما في ذلك اميركا نفسها، التي هي ايضا ـ كبلد ـ رهينة في قبضة الكتلة المالية اليهودية ـ الانغلو/ساكسونية التي تعتبر اسرائيل "دولتها الخاصة الوحيدة" بالمعنى الحرفي للكلمة.

    وفي هذه "المرحلة المريحة" بالذات استفادت دول ما يسمى "النمور الاسيوية" من "انشغال" و"تغاضي" الكتل المالية الاميركية ـ الاوروبية، كي تحقق ما سمي "معجزات" اقتصادية.

    Xxx

    وبعد الحرب العالمية الثانية، وبالتزامن مع ومن ثم بعد عملية اعادة الاعمار، عبر مشروع مارشال والنقطة الرابعة، والقروض والمساعدات لبناء الجيوش واجهزة القمع في الدول الناشئة، قدمت "الحرب الباردة" الظروف الضرورية للتوظيف والاستثمار على نطاق واسع.

    اذ انه خلال الحرب الباردة شكل سباق التسلح وآخره ما سمي "حرب النجوم" اكبر حقل للتوظيف وجني الارباح الاسطورية.

    ولكن الحرب الباردة كانت تشكل عامل ازعاج معنوي وسياسي كبير للدول الامبريالية، خصوصا انها كانت تحمل مخاطر التفجيرات الثورية والحروب التحررية.

    وقد سجلت الامبريالية على هذا الصعيد افشالا عديدة اهمها واخطرها ثلاثة كبيرة وهي:

    ـ1ـ الهزيمة الاميركية في الفيتنام.

    ـ2ـ العجز عن القضاء على الثورة الكوبية، حيث بقيت هذه الشعلة مضيئة في اميركا اللاتينية حوالى نصف قرن حتى الان.

    ـ3ـ بالرغم من كل الانتصارات الاسرائيلية، العسكرية والسياسية، عجزت الامبريالية والصهيونية العالمية حتى الان عن فرض الاستسلام و"السلام" الاسرائيلي على الشعب الفلسطيني والامة العربية، وبالتالي عجزت عن فرض تطبيع وجود اسرائيل على العرب، بكل ما كان ولا يزال ذلك يحمله من مخاطر وضع الشعب الفلسطيني والامة العربية والشعوب الاسلامية في خندق معاد للصهيونية العالمية والامبريالية الاميركية الداعمة الرئيسية والحليفة الستراتيجية لاسرائيل.

    Xxx

    ولكن بعد ان تمت دورة اعادة الاعمار الاوروبية، توقفت حكما دورة التوسع الرأسمالي العامودي في اميركا واوروبا الغربية، وانتهت مرحلة "شهر العسل" بين الكتل المالية، وبدأت الحرب الضارية من جديد فيما بينها، وبدأت مرحلة "التوسع الافقي" للتوظيف وتصدير الرساميل، والتفتيش المحموم عن "اسواق مالية" جديدة، خارج نطاق اوروبا الغربية واميركا. وقد تمخضت هذه المرحلة عن نتيجتين رئيسيتين، وان كانتا ليستا في المستوى ذاته من الاهمية:

    النتيجة الاولى، الاقل اهمية: قيام الضواري المالية الغربية، ولا سيما اليهودية ـ الانغلو/ساكسونية (لنتذكر "طيب الذكر" النصّاب الدولي جورج سوروس)، بـ"افتراس" "النمور الاسيوية" بين ليلة وضحاها، كما يفترس الذئب او الثعلب بعض الغنم او الدجاج. فانهارت البورصات والاقتصادات الوطنية في اندونيسيا وماليزيا والفيليبين وغيرها كبناء من كرتون. وقد جنبوا (حتى الان!) كوريا الجنوبية وجزيرة فورموزا (تايوان) الصينية من المصير نفسه، من اجل استخدامهما كمتراسين اماميين وكقاعدتين اماميتين بوجه التنين الصيني الصاعد.

    ولكن هذه الفريسة الصغيرة لم تكن طبعا لتشبع نهم الرأسمال الغربي المتكدس المأزوم الذي اصبح يحسب بمئات الوف مليارات الدولارات، والذي يتحول بسرعة الى وحش اسطوري ضار لا يسعه اي قفص، ولا يضبطه اي قيد، في سعيه لافتراس الفرائس (الاسواق المالية) الجديدة. من هنا جاءت "الخبطة" او "الضربة" الكبرى للامبريالية العالمية، المتمثلة في الاقدام على تدمير المنظومة السوفياتية والاتحاد السوفياتي السابقين.

    النتيجة الثانية، الاكثر اهمية هي "فتح" روسيا واوروبا الشرقية واسيا الوسطى:

    في مرحلة "الحرب الباردة" و"الثنائية القطبية الدولية" و"سباق التسلح" و"الرعب النووي المتبادل"، كان القياديون الاميركيون خاصة يسمون الاتحاد السوفياتي "امبراطورية الشر".

    ولكن بالحقيقة ان الاتحاد السوفياتي ومنظومة دول اوروبا الشرقية التي كانت تابعة له، بموجب "اتفاقات يالطا"، لم يكن كله "شر"، من وجهة نظر مصالح الامبريالية الاميركية والصهيونية العالمية بالذات. بل ان وجود المنظومة السوفياتية والاتحاد السوفياتي، بقيادته الستالينية ومن ثم النيوستالينية، كان يمثل نوعا من "صمام الامان" لوجود النظام الرأسمالي والامبريالي العالمي.

    فمنذ الانقلاب الستاليني (البيروقراطي ـ الصهيوني) المعادي للاشتراكية في 1924، اخذت تحكم وتسود وتستبد في الاتحاد السوفياتي شريحة (شبه طبقة) بيروقراطية مؤلفة من جناحين: "قومي شوفيني روسي" و"يهودي صهيوني كوسموبوليتي".

    وكانت هذه الشريحة الطبقية المختلطة والملتبسة تلتقي، وتختلف، على نقطتين:

    أ ـ تعظيم الدور "الامبراطوري" لروسيا؛

    وـ ب ـ التعاون وتقاسم المصالح وتبادل الخدمات، ضمن الاختلاف، مع الدول الامبريالية الغربية الكبرى وعلى رأسها اميركا.

    وعلى هذه الارضية العامة فان الشريحة الطبقية الحاكمة في "امبراطورية الشر" السوفياتية، التي كانت تدعي الاشتراكية والشيوعية، كانت تقدم خدمتين كبيرتين لـ"المعسكر الامبريالي"، المسمى حينذاك "العالم الحر":

    اولا ـ لجم الثورات التحررية، ايا كانت، في "منطقة النفوذ الغربية" (بموجب اتفاقات يالطا، التي التزم بها ستالين والبيروقراطية السوفياتية من بعده). وذلك عبر النفوذ الذي كانت القيادة السوفياتية، وخاصة بواسطة مخابراتها وبوليسها السياسي، تمارسه على الاحزاب الشيوعية وحركات التحرير، كي لا تذهب تلك الثورات "الى نهاية الشوط". وهذا ما يقتضي اجراء مراجعة نقدية شاملة لتاريخ الحركة الشيوعية في العالم، وهو ما تتقاعس عن القيام به الاحزاب الشيوعية التقليدية. ونكتفي هنا بتقديم المثالين التاليين:

    أ ـ كانت القيادة الانتهازية السوفياتية، منذ ايام ستالين، تلتزم بـ"مبدأ" المحافظة على اميركا اللاتينية كمنطقة نفوذ اميركية، وعدم دعم اي حركة ثورية فيها معادية لاميركا. وبالمقابل، فإن المخابرات الاميركية كانت تعمل، ومنذ تسهيل تصفية تروتسكي جسديا في 1940، على مساعدة المخابرات السوفياتية لمنع نشوء "جيوب" شيوعية تروتسكية وغيرها "معادية للقيادة الانتهازية السوفياتية، المزورة والمعادية للشيوعية" (وهو ما كان يسمى زورا "معاداة السوفيات" و"معاداة الاتحاد السوفياتي").

    وعملا بهذا "المبدأ"، حاولت القيادة السوفياتية، عبر قيادة الحزب الشيوعي الكوبي السابق بزعامة بلاس روكا، ان تقف ضد ثورة كاسترو في 1956، ولكن حينما اشرفت الثورة على الانتصار في 1959، فإن الحزب الانتهازي لبلاس روكا انضم الى الثورة كي يمارس التأثير عليها من اجل لجمها "من الداخل". وبعد الانتصار، طرح ارنستو تشي غيفارا فكرة تحويل كوبا المحررة الى قاعدة ثورية لممارسة الكفاح المسلح واشعال ثورة تحررية في اميركا اللاتينية بأسرها؛ فاختلف في هذه النقطة مع كاسترو ـ ذي الميول الاكثر محافظة؛ فدعمت القيادة السوفياتية و"شيوعيوها" الكوبيون كاسترو ضد غيفارا. وغادر غيفارا كوبا. وبدأ نشاطه الثوري في "الحوش الخلفي" لاميركا، مما يعتبر تحديا للتفاهم الاميركي ـ السوفياتي بموجب "اتفاقات يالطا". وحينذاك تحركت "آلية اتفاق يالطا". وحينما "اكتشفته" المخابرات الاميركية والسوفياتية في بوليفيا، تعاون الطرفان على اصطياده: فقامت القيادة الشيوعية البوليفية المسوفتة بتحديد مكانه لفرق الموت الاميركية، التي قامت على الفور بتصفيته جسديا. وحينما قتل غيفارا، فإن جريدة "الاخبار" الشيوعية اللبنانية، التي كانت تمولها المخابرات السوفياتية، نشرت بضعة اسطر عن مقتله، واصفة اياه بشماتة، وبكل خسة ستالينية، بأنه "الثائر المغامر الجوال"!!!

    ب ـ بعد طرد قوات منظمة التحرير الفلسطينية من لبنان في اعقاب الاجتياح الاسرائيلي للبنان في 1982، كانت القيادتان الاميركية والاسرائيلية (ليس بدون "معرفة" القيادة السوفياتية) تخططان لتحويل لبنان الى محمية اميركية مشتركة (اسرائيلية ـ سورية). ولكن دينامية الصراع على الساحة اللبنانية ومستوى الوعي والصلابة النضالية المتراكمين لدى الجماهير الشعبية اللبنانية حتـّما ظهور "جبهة المقاومة الوطنية اللبنانية" بقيادة الشيوعيين، ومن ثم "المقاومة الاسلامية" بقيادة حزب الله، ضد اسرائيل. وان مجرد بروز الشيوعيين في المقاومة كان بحد ذاته يمثل عنصر ازعاج كبير للمخططات الاميركية ـ الصهيونية ـ "النظامية العربية"، في المنطقة ككل، وفي العالم اجمع. لان إعطاء وجه عصري، لاديني، تقدمي وذي بعد اشتراكي، للمقاومة الشعبية العربية لاسرائيل، كان من شأنه التأثير على الشارع والرأي العام التقدمي في العالم بأسره، بما في ذلك في النطاق اليهودي وداخل اسرائيل بالذات. وهذا لا ينتقص ابدا من اهمية دور المقاومة ذات البعد والوجه الاسلاميين. بل على العكس انه يشكل إضافة نوعية، فكرية وسياسية، طبقية واجتماعية، وطنية وقومية واممية، الى المقاومة الشعبية العربية لاسرائيل. وهذا في حين ان اميركا والصهيونية تجدان ان "اهون الشرين" بالنسبة لهما هو امكانية حصر المقاومة في الاطار الاسلامي، وذلك للاسباب التالية:

    ـ التمكن من عزلها عن الرأي العام التقدمي العالمي.

    ـ منع تأثيرها في عملية خلخلة "المجتمع الاسرائيلي" ذاته من الداخل، وتأليب اليهود المضللين حول الصهيونية التي تتلطى خلف "الطابع الديني" ("الحضاري"، بالقاموس الاميركي: هنتنغتون) للصراع.

    ـ واخيرا، التمهيد لشق المجتمع العربي ذاته على الاساس الديني ـ المذهبي، وحرف المقاومة عن طريقها الصحيح.

    وامام هذا الخطر النوعي، اي خطر بروز وجه شيوعي، وطني وقومي علماني للمقاومة، طلب الاميركيون من "طابورهم الخامس" في القيادة السوفياتية، عبر "الخط الاحمر" بين البيت الابيض والكرملين، استخدام النفوذ السوفياتي المباشر لدى العناصر المسوفتة في قيادة الحزب الشيوعي اللبناني، ولدى النظام السوري، لالغاء مشاركة الشيوعيين في المقاومة. وكانت هذه آخر خدمة قدمتها زمرة غورباتشوف للبيت الابيض، قبل تفكيك الاتحاد السوفياتي. وفي هذه الاجواء التآمرية، جرى توريط شباب حزب الله والحزب الشيوعي اللبناني في قتال اخوة غير مبرر على الاطلاق، وتم اغتيال المفكر الشيوعي العربي الكبير حسين مروة، وعدد من المثقفين البارزين والكوادر والمناضلين الشيوعيين، نذكر منهم حسين حمدان (مهدي عامل)، سهيل الطويلة، خليل نعوس، سليم يموت وغيرهم. ولكن قمة هذه الاجواء العدائية ضد الشيوعيين، لمنعهم من المتابعة في خط "جبهة المقاومة الوطنية اللبنانية"، كانت تتمثل في القمع والحصار والمضايقات التي مارستها ضدهم الاجهزة الاستخبارية التابعة للنظام السوري الدكتاتوري العميل "مزدوج" بل "متعدد الوجوه".

    واذا كان النظام السوري نظاما دكتاتوريا ـ مكيافيليا عميلا وخائنا، عن سابق تصور وتصميم، ومسلكه لا يدخل في باب "التجربة والخطأ". فالامر ليس كذلك بالنسبة لحزب الله، الذي اثبت تاريخيا وطنيته واخلاصه وصدقيته. وهذا ما يدفعنا الى القول بأنه، اي حزب الله، مطالب تاريخيا بتقديم نقد ذاتي واضح وجريء حيال تلك الاخطاء الفادحة. واقل ما يقال في هذا الصدد ان حزب الله، بالتصدي لمشاركة الشيوعيين في المقاومة الوطنية، ساهم من حيث لا يريد في تنفيذ السياسة والخطط الاميركية والصهيونية، التي قام هو لمحاربتها.

    ولكن كل الظروف السلبية التي واجهت "جبهة المقاومة الوطنية اللبنانية" لم يكن بمقدورها وقف نشاطها، ولا تبرر ابدا اقدام القيادة الشيوعية اللبنانية المسوفتة على التراجع عن خط المقاومة. فهذا التراجع يعود في الاساس، الى النفوذ السوفياتي على تلك القيادة، وبالتالي الى انتهازيتها الذاتية. ويكفي ان نعطي مثلا الان بشخصية سياسية مثل السيد الياس عطالله، الذي كان ـ من خلال موقعه الحزبي الشيوعي السابق ـ يشغل مركزا قياديا في "جبهة المقاومة الوطنية اللبنانية"، والذي تحول بقدرة قادر الى نائب ـ اجير وبوق صغير في المافيا السياسية للتروست المالي المافياوي لعائلة الحريري، وهو "يناضل" اليوم لاجل "السيادة والاستقلال!!" في المساحة السياسية الضيقة بين السفارة الاميركية والسفارة الفرنسية والسفارة السعودية. واقل ما يمكن ان يقال في هذا "التحفة البشرية" انه خائن لدماء شهداء المقاومة، كان ولا يزال "سوفياتيا" بامتياز.

    والخدمة الاساسية الثانية التي كانت "امبراطورية الشر السوفياتية" تقدمها للمعسكر الامبريالي الغربي بزعامة اميركا، هي ان المنظومة السوفياتية كانت تستخدم كحجة وكمبرر لسباق التسلح بين القطبين. وصناعة التسلح كانت هي حقل التوظيف الرئيسي للكتل المالية الامبريالية ولا سيما الكتلة المالية اليهودية ـ الانغلو/ساكسونية. ولذلك فإن هذه الكتلة كانت، من خلال مصالحها التوظيفية، بأشد الحاجة لوجود "العدو السوفياتي".

    ولقد حقق المعسكر الامبريالي الغربي التفوق في سباق التسلح، ليس لان الرأسمالية هي النظام الافضل كما تدعي ابواقها المشؤومة، بل كأنعاكس او كتجسيد لتفوق الامبريالية في تكديس الرساميل في الغرب، وهو التكديس الناشئ عن النهب الامبريالي المضاعف لشعوب الشرق خاصة. ولكن سباق التسلح، بحكم طبيعته المعادية للوجود البشري بأسره، وصل منذ وقت بعيد الى اللحظة الحرجة التي اصبح فيها عبثا ولا معنى ولا جدوى له. اذ ان كل من "المعسكرين" السابقين تكدس لديه من اسلحة الدمار الشامل ما يكفي لتدمير الكرة الارضية بأسرها مرات عدة، بحيث انه في حال اندلاع حرب شاملة لا سمح الله لم يعد هناك فسحة لوجود منتصر. وبفضل النهب المضاعف لشعوب الشرق، وعن طريق التنازل عن جزء من الارباح الاسطورية للمحافظة على مستوى معيشة في الغرب، ارقى نسبيا من مستوى المعيشة المزري في الشرق، فإن الامبريالية الغربية نجحت بتبليد المجتمع المدني الغربي وتحويله الى مجتمع استهلاكي يتلهى عن الحقائق الجوهرية للمجتمع الانساني بما فيها المجتمع الغربي ذاته. ومع ذلك، فإن المجتمع المدني في الغرب، بما في ذلك في اميركا، بدأ يشعر بالخطر على وجوده بنتيجة سباق التسلح، وبدأ يمارس الضغط بالاتجاه المعاكس، اي باتجاه النزع التدريجي للتسلح، ولا سيما الاسلحة النووية والاسلحة المابعد ارضية، التي تدخل ضمن مفهوم "حرب النجوم" العبثية.

    وهكذا، دخلت الامبريالية العالمية وعلى رأسها الاميركية ـ الصهيونية في تناقض وجودي:

    ـ فمن جهة كانت حاجة الكتل المالية الى التوظيف تزداد وتتفاقم، بسبب تقلص دورة اعادة الاعمار الاوروبية؛

    ـ ومن جهة ثانية ، فإن الادارة الاميركية كانت حريصة على عدم تعريض مصير الامبريالية للخطر، وان لا تعطي المجتمع المدني الغربي حجة لـ"قلب اللعبة"، وتهديد المجتمع الاميركي والغربي الراكد بالدخول في "مرحلة اعاصير" سياسية غير متوقعة النتائج. ولذا، فهي كانت مضطرة لتوقيع اتفاقيات نزع السلاح مع الاتحاد السوفياتي السابق، الامر الذي نتج عنه التقليص الكارثي لفرص التوظيف في صناعة التسلح ايضا.

    Xxx

    امام هذا الوضع الحرج جدا للكتل المالية العالمية، وقفت هذه الكتل على المفترق الصعب بين الخيارين:

    ـ اما انفجار الاوضاع الاقتصادية ـ الاجتماعية ـ السياسية، داخل المجتمعات الغربية وعودة "شبح الشيوعية" لتهديد الرأسمالية الغربية في عقر دارها. وتمثلت بعض نذر هذا الخطر في ما يسمى "ربيع باريس" في 1968، وفي اندلاع عدة نزاعات عنصرية، سببها الرئيسي الفقر، في اميركا ذاتها.

    ـ واما الانقضاض على "الحلقة الضعيفة": روسيا وبلدان الكتلة السوفياتية السابقة، ونهبها والاستيلاء على خيراتها وتحويلها الى حقل استثمار جديد للتوظيفات المالية النهمة.

    وهكذا وجدت الامبريالية والصهيونية العالمية نفسها مضطرة لـ"التنازل" عن الخدمات التي كان يؤمنها لها وجود القيادة السوفياتية المنحرفة، كـ"صمام امان" واقعي للنظام الرأسمالي والامبريالي العالمي، وتم الايعاز الى "الطابور الخامس" المرتبط بالامبريالية العالمية داخل الشريحة الطبقية الحاكمة في الاتحاد السوفياتي والكتلة السوفياتية السابقين، لتحضير وتنفيذ الانقلاب الغورباتشوفي تحت الشعارات الدمقراطية الكاذبة، لاسقاط القلعة السوفياتية من الداخل.

    لقد بدأت الحرب العالمية الثانية باستيلاء هتلر على "الحلقتين الضعيفتين": تشيكوسلوفاكيا (بموافقة "الدمقراطيات" الغربية عبر "اتفاق ميونيخ" المعيب)، وبولونيا (بموافقة "ابي الشعوب" الخائن الاكبر للشيوعية ستالين، عبر "اتفاق مولوتوف ـ روبنتروب"). وبالطريقة ذاتها، بدأت عملية الانقضاض على الكتلة السوفياتية ايضا بـ"الحلقتين الضعيفتين": تشيكوسلوفاكيا وبولونيا.

    ونجح الطابور الخامس في قلب الاوضاع في الاتحاد السوفياتي وبقية بلدان الكتلة الاوروبية الشرقية بشكل سلمي وشبه سلمي، باستثناء رومانيا ويوغوسلافيا.

    ففي رومانيا، التي كانت بعيدة نسبيا عن النفوذ السوفياتي المباشر، اضطرت الكا جي بي والسي آي ايه والموساد للتعاون فيما بينها لاجراء "عملية استئصال جراحية" لنظام تشاوشيسكو واعتقاله هو وزوجته و"محاكمتهما صوريا" واعدامهما بطريقة جبانة وخسيسة تفتقر الى الحد الادنى من القانونية والشرعية.

    ولكنه من المعبر جدا بهذا الصدد، ان الحلقة الوحيدة التي بقيت مستعصية على السقوط امام الهجوم الغورباتشوفي، هي الدولة اليوغوسلافية التي، ومنذ الاختلاف بين ستالين وتيتو في 1947 وتطهير الطابور الخامس الستاليني في يوغوسلافيا، كانت تتمتع باستقلالية نسبية كبيرة عن نفوذ القيادة السوفياتية (التي كانت تضطلع بدور العدو الشكلي، ولكنها بالواقع الحليف الضمني والعميل السري الكبير للامبريالية الغربية والصهيونية). وعبرت القيادة اليوغوسلافية في حينه، اي في سنة 1947 عن استقلاليتها بأن الدولة اليوغوسلافية كانت الدولة الشيوعية الوحيدة التي عارضت قرار ستالين بالموافقة على تقسيم فلسطين واقامة دولة اسرائيل. ولاجل القضاء على الدولة اليوغوسلافية، اضطرت الدوائر الامبريالية العالمية، بمعاونة عملائها و"اصدقائها" في الانظمة الرجعية العربية والحركات "الاسلامية!!" المشبوهة والغبية، للتآمر من اجل تفجير النزاعات والحروب الداخلية في يوغوسلافيا بهدف كسر "الحلقة الصربية" المستعصية بالدرجة الاولى. وحينما تعذر ذلك، اضطرت اميركا والحلف الاطلسي لشن الحرب الظالمة على الشعب الصربي في 1999، واجتياح واحتلال يوغوسلافيا بالقوة. ومن ثم اسر الرئيس الشرعي للبلاد وتحويله الى "المحاكمة الدولية" الصورية، حيث تم قتله غيلة في السجن على يد المخابرات الاميركية التي احترفت الاجرام الدولي المنظم.

    ХХХ

    ان "الجائزة الكبرى" التي كانت الكتل المالية الغربية تنتظر الحصول عليها هي طبعا: روسيا، ومن ثم الجمهوريات "السوفياتية" السابقة الاخرى ولا سيما الاسلامية، لما تمثله جميعا من حقل واسع للتوظيفات الرأسمالية.

    ولكن القيادة البيروقراطية السوفياتية، التي كانت تتشكل من مزيج من العناصر المنحرفة والخائنة والعميلة، ومن ورائها الشريحة الطبقية المتسلطة التي تمثلها، انقسمت بشكل واضح على نفسها الى جناحين، تمحورا حول مكوّنيْها الرئيسيين:

    ـ الجناح الشوفيني، البيروقراطي الروسي.

    ـ والجناح الكوسموبوليتي، اليهودي الصهيوني والروسي المتصهين.

    لقد اتفق هذان الجناحان على قلب ما يسمى "النظام الاشتراكي"، والاستيلاء على الملكية العامة، الدولوية والتعاونية الخ، واعلان اعادة الرأسمالية الى روسيا علنا وعلى المكشوف.

    ولكنهما اختلفا على نقطة مفصلية وهي:

    ـ هل تتجه روسيا الى السير في الطريق الرأسمالي "القومي" الخاص بها.

    ـ ام تتجه نحو التحول الى شبه مستعمرة غربية وحقل توظيف للرساميل الغربية، تستحوذ على حصة الاسد فيه الرساميل اليهودية؟؟؟

    وكان الخائن غورباتشوف يمسك العصا من وسطها ويحاول التوفيق بين الجناحين، خوفا من مضاعفات احتمالات الوعي الشعبي لماهية المؤامرة الكبرى التي تعرض لها الاتحاد السوفياتي وخصوصا روسيا.

    وفي احداث اب 1991، حاول الجناح الشوفيني الروسي البيروقراطي ان يمسك بزمام الامور. ولكنه كان يخشى من جماهير الشعب الروسي اكثر مما يخشى من الجناح الاخر، الصهيوني المرتبط بالغرب الامبريالي. ولهذا لم يحسم الجناح الاول امره لجهة استعمال السلاح، والتصفية الجسدية الفورية او اعتقال ومحاكمة الخونة عملاء الامبريالية الغربية غورباتشوف، يلتسين، تشيفارنادزه واضرابهم. الا ان الجناح الاخر، الذي كان على صلة مباشرة بالبيت الابيض الاميركي ويتلقى الاوامر منه دقيقة بدقيقة، فقد كان اكثر حسما، حيث صعد السكير يلتسين الى ظهر دبابة (تقليدا للينين حينما صعد الى ظهر دبابة في 1917 وهتف: تحيا الثورة الاشتراكية! حقا ان التاريخ يعيد نفسه، في المرة الاولى كدراما، وفي المرة الثانية كمسخرة!)، وامر يلتسين بقصف البيت الابيض الروسي، اي البرلمان، بالمدفعية الروسية، وتم اعتقال "الانقلابيين" وسوقهم الى السجون "الدمقراطية" على الطريقة الاميركية.

    وفي عهد حكم يلتسين سيطر الجناح الكوسموبوليتي، الصهيوني والمتصهين، على روسيا. وبدا حينذاك وكأن "العصر الذهبي" الجديد للكتل المالية العالمية، وعلى رأسها اليهودية ـ الانغلو/ ساكسونية، قد بدأ. وفي هذه المرحلة، ظهرت روسيا وكأنها اصبحت اشبه شيء بمستعمرة تحكمها وتتحكم بها المافيات المالية اليهودية. ولتسهيل مهمتها، عمدت هذه المافيات لتحريك "حليفها الستراتيجي"، المتمثل في المعارضات والحركات "الدمقراطية!!" و"القومية!!" و"الاسلامية!!" العميلة والمشبوهة، في جورجيا واوكرانيا والشيشان وآسيا الوسطى وغيرها.

    وبعد سقوط المنظومة السوفياتية وتفكيك الاتحاد السوفياتي، أملت الامبريالية الاميركية والصهيونية العالمية في تحويل روسيا، باتساعها وثرواتها الهائلة، الى "مدى حيوي" ومستعمرة عالمثالثية، وجني الارباح الاسطورية التي تعوض تقلص الارباح الناشئة عن سباق التسلح والمساعدات الخارجية. ولكن هذا التوجه الاستغلالي تعارض على خط مستقيم مع مصالح الطبقة الرأسمالية الروسية الناشئة، التي تنظر الى نفسها كوريثة للقوة العظمى الثانية في العالم، والتي يوجد تحت تصرفها قطاع عام (رأسمالية دولة) ربما هو الاغنى بالمقارنة مع اي دولة رأسمالية اخرى في العالم، بما فيها الولايات المتحدة الاميركية ذاتها. ومع ان الرساميل اليهودية والغربية فرضت سيطرتها لفترة على القطاع المصرفي والاعلام، وحاولت تجزئة وخصخصة قطاع الطاقة (النفط والغاز) في روسيا، الا ان الطبقة الرأسمالية الروسية اعترضت بشدة على هذا التوجه، ووضعت يدها بعنف وشراسة على القطاع البنكي وقطاع الطاقة. وقد تمت التصفية الجسدية للعشرات من ملوك المصارف والاعلام المرتبطين بالصهيونية، باللجوء الى "خدمات" المافيا الروسية ذاتها، التي وضعت تحت سيطرة الاجهزة السرية الروسية، كما تم ابعاد الماليين اليهود عن قطاع النفط والغاز. واليوم فإن شركة "غازبروم" الروسية هي شركة احتكارية بكل معنى الكلمة، وهي اكبر شركة رأسمالية في العالم، وهي تعمل بالتنسيق التام مع الدولة الروسية ومع القطاع البنكي الذي ينسق معها ومع الدولة اتم تنسيق، والمخططات والمشاريع الاقتصادية التي تقوم بها غازبروم هي محمية بكل قوة الجيش الروسي واسلحته التقليدية وغير التقليدية، بما فيها الاسلحة الصاروخية والذرية. وليس من الصدفة ان رئيس الجمهورية الاتحادية الروسية الحالي دميتريي ميدفيدييف هو الرئيس السابق لشركة غازبروم.

    فامام هذه المخاطر التي كانت تهدد روسيا بالزوال من الخريطة، بالمعنى الحرفي للكلمة، بدأت "عودة الروح" الى الوطنية الروسية والى الحركة الشيوعية الروسية، تماما كما حدث ضد هتلر والصهيونية معا خلال الحرب العالمية الثانية. وعلى هذه الخلفية تحرك الجناح البيروقراطي الروسي الشوفيني، من جديد، لاخذ دوره واحتلال الواجهة الوطنية الروسية. وكان الانقلاب الابيض لفلاديمير بوتين، وتمت ازاحة يلتسين وعصابته بدون اراقة دماء، مقابل الوعد له بعدم المساس به وبافراد عائلته الغارقين حتى الاذنين في الفساد والعمالة.

    وبعد ان كانت العصابات الصهيونية المرتبطة خاصة باميركا، على وشك ان تضع يدها نهائيا على قطاع النفط والغاز والقطاع المصرفي والاعلام في روسيا، بدأ هجوم "روسي" مضاد، بقيادة بوتين، الذي اعتمد بشكل مباشر على قطاعات اجهزة الامن والجيش والصناعة الحربية، كما على الدعم الضمني من قبل التيارات "القومية" و"الشيوعية". وتطورت بالتدريج عملية كف يد تلك العصابات الصهيونية المرتبطة بالغرب والمعادية لروسيا، واخذ يتضح اكثر فأكثر اتجاه روسيا نحو شق طريقها الرأسمالي "القومي" المستقل. وبدلا من ان تصبح روسيا مابعد الشيوعية "مدى حيويا" وسوقا للكتل المالية الغربية، اخذت تبرز كمزاحم رأسمالي كبير جديد للامبريالية الغربية وخاصة لاميركا والصهيونية العالمية. وهذا العامل الجديد على المسرح الدولي من شأنه ان يقلب اللعبة السياسية الدولية رأسا على عقب، في مستقبل غير بعيد، يرتبط بتبلور كتلة مالية روسية دولية تتألف من الطبقات البرجوازية الجديدة في دول المنظومة السوفياتية السابقة وتتمحور حول البرجوازية الروسية الجديدة ذات الامكانات والاحتياطات الاقتصادية والمالية الهائلة المقرونة بالقوة العسكرية الجبارة، المتطورة والمخيفة، والنفوذ السياسي التاريخي للدولة الروسية.

    وبشن الحرب على العراق والرفع الصاروخي لاسعار النفط، قدمت اميركا مكرهة خدمة كبرى لا تريدها لروسيا. فبفضل زيادة عائدات النفط، تمكنت روسيا من تعويم ميزانية الدولة التي كانت العصابات الصهيونية قد نهبتها وافلستها واغرقتها في الديون بعد انهيار الاتحاد السوفياتي. وبالاعتماد على مداخيل النفط والطاقة، يعمد الحكم الروسي الجديد الى تنشيط القطاعين الاقتصاديين ـ السياسيين ـ العسكريين اللذين يعتمد عليهما: الجيش وصناعة الاسلحة، بالاضافة الى اجهزة المخابرات التي جاء منها بوتين وغالبية الكادر القيادي المحيط به. وقد بدأت نتائج النهج الاقتصادي ـ العسكري ـ السياسي الجديد لروسيا تنعكس بسرعة ووضوح في السياسة الخارجية، حيث عادت روسيا، ولكن من مواقع غير ايديولوجية، للتصدي لسياسة الهيمنة الدولية الاميركية ـ الصهيونية. واخذت روسيا تتحرك من جديد، وبقوة، على الجبهات الاوروبية والآسيوية والعربية ـ الاسلامية. وأي تحليل موضوعي سيقود الى الاستنتاج بأن روسيا هي التي تقف الان خلف، او على الاقل تدعم، تحريك ازمة امتلاك السلاح الذري من قبل كوريا الشمالية، وامتلاك الطاقة الذرية (وضمنا وسرا القنبلة الذرية) من قبل ايران. كما تقف خلف تزويد حزب الله (الشيعي اللبناني) بالمعلومات الاستخبارية الضروروية والاسلحة الصاروخية والالكترونية المناسبة، التي اسهمت في هزيمة اسرائيل على يد مقاتلي حزب الله الابطال في حرب تموز 2006. هذا ناهيك عن التعاون مع الصين وكوريا الشمالية وايران وغيرها على صعيد الصواريخ وغيرها من الاسلحة المتطورة. وليس من المستبعد، في حال قيام اي مواجهة عسكرية كورية شمالية ـ اميركية، او ايرانية ـ اميركية، او ايرانية ـ اسرائيلية، او اسرائيلية ـ لبنانية، ان تنطلق بعض الصواريخ من الاراضي او السفن الحربية الروسية نفسها لتصب حمولتها غير الحميمة على القواعد الاميركية والاسرائيلية وربما المدن الاميركية ذاتها، وهي ـ اي هذه الصواريخ ـ تحمل اعلام كوريا الشمالية وايران (واذا دعت الحاجة: وعلم حزب الله) بدلا من العلم الروسي، في الوقت الذي تكون فيه الحكومة الروسية تتظاهر بالوقوف على "الحياد" وتضطلع رسميا بدور "وسيط" في النزاعات القائمة وتستنكر صوريا استخدام العنف و"الارهاب" من هذا الطرف او ذاك.

    في الحرب العالمية الثانية خدع هتلر نفسه حينما شن "عملية بربروسا" ضد الاتحاد السوفياتي، بهدف السيطرة على اراضيه الشاسعة وثرواته غير المحدودة، والانطلاق منه للسيطرة على العالم اجمع. وبالاضافة الى جيشه العنصري، الحديث والضخم، كان هتلر يعتمد على عنصرين "حليفين" له داخل الاتحاد السوفياتي:

    الاول ـ بعض العناصر والجيوب الخيانية المكشوفة، المرتبطة بالنازية (كحزب "الطاشناق" الارمني، وبعض "القوميين" الاوكرانيين، وبعض "الاسلاميين!!!" المزيفين والحمقى، وطبعا بعض بقايا انصار القيصرية البائدة).

    والثاني، وهو الاهم ـ الطبيعة الخيانية الاساسية، المعادية للشيوعية، للقيادة الستالينية التي لم يكن قد جف بعد حبر توقيعها على اتفاقية "مولوتوف ـ روبنتروب"؛ وكان ـ اي هتلر ـ يعتقد ان الجنراليسيموس ستالين، من اجل الاحتفاظ بسلطته جنبا الى جنب هتلر، سيتبع خطى المارشال بيتان في فرنسا.

    ولكن النتيجة كانت معكوسة: إذ انطلق المارد الشعبي الروسي والسوفياتي، وحطم النازية في عقر دارها، ووضع العالم بأسره على حافة انتصار الاشتراكية، لولا الخيانة المستمرة لستالين الذي حول تحالفه من هتلر الى روزفلت وتشرشل، فوقع "اتفاقات يالطا" التي قدم بموجبها الضمانات بأن القيادة السوفياتية ستدعم بقاء الرأسمالية والامبريالية والصهيونية العالمية.

    ولعله ليس بعيدا اليوم الذي ستأخذ فيه الكتل المالية الغربية والاميركية وخصوصا الصهيونية، بإبداء الندم العميق على تدمير النظام السوفياتي، بالاعتماد على "الطابور الخامس" في القيادة السوفياتية والشريحة الطبقية الحاكمة في الاتحاد السوفياتي السابق. لأن "عملية بربروسا" الجديدة هذه لم تؤد الى تحقيق هدف السيطرة على روسيا وبلدان الاتحاد السوفياتي السابق وتحويلها الى مستعمرات وشبه مستعمرات اميركية ـ صهيونية. بل ـ وبفعل سقوط المسخرة الايديولوجية، "الشيوعية" او "الاشتراكية" المزيفة، التي كانت تتقيد بها القيادة السوفياتية البيروقراطية المتحالفة مع الصهيونية منذ عهد الفرعون ستالين ـ فإن المارد "القومي" الروسي قد انطلق مجددا، وإن بقالب رأسمالي، متحررا من ذلك القمقم الايديولوجي، الذي كان يخفي التآمر بين القيادة السوفياتية والامبريالية والصهيونية العالمية. فتلك القيادة المنحرفة والخائنة كانت تستخدم المسخرة الايديولوجية، لخداع واخضاع الشعوب السوفياتية والحركة الشيوعية العالمية، لمصلحتها الطبقية الضيقة ولمصلحة الامبريالية والصهيونية العالمية. وفي الوقت نفسه كانت هذه العملية المعقدة تلجم الرأسمالية "القومية" الروسية من الانطلاق بحرية وبكل طاقتها وجبروتها في مواجهة الكتل الرأسمالية الغربية والصهيونية، وبأساليبها الملتوية ذاتها. وهو ما بدأنا نشهده في هذه الايام.

    Xxx

    وبعد ان عجزت الكتل المالية العالمية عن افتراس الدب "القومي ـ الرأسمالي" الروسي الذي ابرز لها مخالبه المخابراتية والمافياوية وكشر عن انيابه الصاروخية، الموروثة من العهد السوفياتي، بدأت تتراجع امامه مكرهة. وفي هذه الحالة التقهقرية الواقعية ، التي تتناقض تماما مع كل مظاهر القوة التي تدعيها وتمارسها ضد الجماهير العزلاء والفقيرة في افغانستان والعراق وفلسطين ولبنان والصومال والسودان وغيرها، عادت تلك الكتل الى دفاتر الاستعمار القديمة، لـ"تكتشف" من جديد "العالم القديم" الذي انطلقت اليه، وترعرعت ونمت فيه ظاهرة الفتوحات الاستعمارية، منذ الاسكندر المقدوني، وامبراطورية روما، الى الحملات الصليبية، الى الحملة الشرقية لنابوليون الاول، ومغامرة رومل الفاشلة، والاستعمار التقليدي الاسباني والبرتغالي والهولندي والعثماني والايطالي والفرنسي والانكليزي، واخيرا اسرائيل والصهيونية والامبريالية الاميركية. ونعني بهذا "العالم القديم": الشرق العربي ـ الاسلامي، الذي يسمى بالمصطلحات الغربية ـ الصهيونية: الشرقين الادنى والاوسط وافريقيا الشمالية، او ـ كما سماه مؤخرا جورج بوش ـ "الشرق الاوسط الاكبر".

    Xxx

    وكما يتضح من الاجتماعات الاقتصادية الدولية بخصوص الشرق الاوسط، التي عقدت في قطر والاردن، بحضور اسرائيل طبعا، فإن المشروع المالي ـ التجاري الاول الذي تزمع الشركات والكتل المالية الغربية والعالمية تنفيذه هو تحويل حوض البحر الابيض المتوسط الى منطقة تجارية موحدة، هي مرشحة لان تصبح ليس اهم منطقة مالية ـ تجارية في العالم، بل المحور الرئيسي لحركة التبادل والبورصات والمضاربات وألعاب القمار والتهريب والتزوير وتجارة المخدرات في العالم اجمع. وفي هذا الاطار العام، يدخل إنشاء شبكة طرقات سريعة وسكك حديدية عابرة للقارات، تلف جميع شواطئ البحر الابيض المتوسط، وترفدها شبكة شاملة من خطوط الطيران والمواصلات البحرية. وكل ذلك تحت عنوان "الاجواء المفتوحة" كما وصفها الشيخ رفيق الحريري رحمه الله حينما استلم رئاسة الوزارة اللبنانية لاول مرة بعد توقيع اتفاق الطائف في المملكة السعودية.

    وانطلاقا من ذلك تطمح الكتل المالية العالمية الى تحويل الشرق العربي ـ الاسلامي الى "مزرعة" كبرى لتوظيف ورعاية الرساميل التي اخذت تختنق في سراديب البنوك الاميركية والغربية، بحيث بدأت بعض البنوك تمتنع عن دفع فوائد عليها مهما كانت متدنية، بل ان بعضها أخذ يفرض "فائدة معكوسة" على تلك الرساميل، وهو ما يسمى "فائدة خدمة الودائع".

    وعلينا ان نشير هنا، وبالخط العريض، ان توظيف الرساميل لا يعني البتة التنمية ورفع معدلات الانتاج ومستوى المعيشة. بل ربما يكون الارجح هو العكس؛ اي ان التوظيفات المالية تهدف الى ضرب قطاع الانتاج (الصناعة والزراعة والتكنولوجيا المتطورة) وتحويل الشرق الاوسط الكبير الى منطقة خدمات كبرى ومزرعة مخدرات و"جنة" لكل انواع التهريب والتزوير والدعارة وغسيل الاموال القذرة، طبعا الى جانب سباق اليخوت والسيارات والجياد والهجن والحمير، ولا ننسى طبعا قطاع السينما والمسرح والاعلام (خصوصا الترفيهي) لشراء ضمائر المثقفين وتحويلهم الى مداحين ومنظفي مراحيض لدى ملوك النفط والمال والقوادين. فاللعبة الاقتصادية المالية هي شيء مختلف تماما عن التنمية، الانتاجية والاجتماعية والعلمية والثقافية، ومختلف بالاخص عن عملية الانتاج. وذلك يعود الى طبيعة التوظيفات المالية والاهداف المرسومة لها. ويكفي ان نعطي مثالا الوضع اللبناني الحالي. فاذا نظرنا الى الوضع الاقتصادي اللبناني من الجانب المالي، لوجدنا ان مختلف المؤشرات المالية الرئيسية: وضع الليرة اللبنانية، القطاع المصرفي، ميزان المدفوعات، نسبة الفوائد، ميزانية الدولة وخدمة المديونية العامة... هي بألف خير، كما يقال تقليديا، بل وفي تقدم وتحسن. ولا شك ان المافيات المالية ـ السياسية، وعلى رأسها مافيا الحريري وشركاه، هي طبعا بألف خير (رئيس وزراء سابق من مافيا الحريري، اصبح احد المليارديرية وفي لائحة اغنى اغنيار العالم. اما رئيس الوزراء "الحريري" الحالي فهو اشهر من ان يعرّف في عالم الفساد والاثراء غير المشروع). وتحاول هذه المافيات ان تضحك على بعض اللبنانيين المغفلين، بالادعاء ان الوضع الاقتصادي للبنان هو بخير طالما ان وضعه المالي هو بخير. ولكن اذا نظرنا الى الوضع الاقتصادي من الجانب الانتاجي والاجتماعي والانساني ومستوى المعيشة ومستوى الخدمات الصحية والتعليم العام ونسبة البطالة ونسبة الهجرة لوجدنا ان وضع الشعب اللبناني هو في منتهى السوء وفي حالة من التردي المتزايد. ومن هذا التناقض الصارخ بين تحسن الوضع المالي وتردي الوضع الاقتصادي والانساني للشعب اللبناني يمكن حتى الاستنتاج وكأن الهدف المقصود من التوظيفات المالية في لبنان هو تحديدا، وعن سابق تصور وتصميم، تدمير الاقتصاد الوطني، والتخريب السياسي والامني والانتاجي. ويمكننا ببساطة تسمية ذلك حربا اقتصادية حقيقية ضد الشعب اللبناني، تأتي في تساوق مع الحرب المستمرة (بالمعنى العسكري والامني)، والمتمثلة بالعدوان الدائم الذي يتعرض له لبنان على ايدي الجيش الاسرائيلي والنشاط المتواصل لشبكات التخريب "الداخلية". واذا كان من اهم اهداف الحرب العسكرية والامنية: قتل وطرد اكبر عدد ممكن من اللبنانيين، فإن هذه الحرب الاقتصادية تهدف ايضا الى اجبار اكبر عدد ممكن من اللبنانيين على الهجرة، وفي الوقت ذاته تثبيت وتحسين وضع فئة معينة من اللبنانيين المنضويين في اطار مؤسسات الدولة وبعض قطاعات الخدمات، لا سيما منها الخدمات الترفيهية و"الخدمات" المشبوهة المتعلقة بالجريمة المنظمة والدعارة والمخدرات والتزوير والتهريب واخيرا لا آخر المنظمات الارهابية (كفتح الاسلام) التي تضافرت على تمويلها وتسليحها ودعمها: المملكة السعودية والمملكة الاردنية والنظام الدكتاتوري السوري ومافيا الحريري. ان غالبية المواطنين اللبنانيين الشرفاء اصبحوا يعانون الامرين كي يستطيعوا الاستمرار في العيش في لبنان. وفي هذه الظروف الصعبة جدا، اصبح من المشاهد المألوفة ان تجد اعدادا متزايدة من الاشخاص "العاديين"، وعائلاتهم، ليس لهم اي دخل انتاجي او وظائفي مشروع واي دخل آخر معروف، ومع ذلك فهم يعيشون في مستوى جيد وتبدو عليهم كل آثار "النعمة" والغنى. وتشير كل الدلائل ان الخطة المالية ـ الاقتصادية "الناجحة" في لبنان تهدف الى فرز اللبنانيين العاديين الى: اقلية من المرتزقة وخدم الرأسمال المالي والحثالات والتافهين والاوباش والزعران واللصوص والقتلة المحترفين، كي يبقوا في لبنان الذي يصبح "لهم". اما اكثرية الشعب العنيد فيتم التضييق عليها بمختلف الاشكال ولا سيما المعيشية كي تترك لبنان و"تطفش" في اربع زوايا الارض.

    ولكن للوصول الى هدف تحويل الشرق الاوسط الاكبر الى مزرعة توظيف رساميل مالية، فإن الكتل المالية العالمية اصطدمت وتصطدم بعقبة الصراع العربي ـ الاسرائيلي. وهذا ما يظهر في الوضع العربي ـ الاسلامي بشكل عام، وفي الوضع اللبناني والفلسطيني بشكل خاص. وهكذا انتقلت السياسة الاقليمية (الشرقأوسطية) للكتل المالية العالمية من مرحلة زرع اسرائيل وتثبيتها وتوسيعها في المنطقة، بما كانت تقتضيه من حروب عدوانية وتوسعية "ضرورية"، الى مرحلة فرض "السلام الاسرائيلي" على المنطقة، القائم على "مبدأ" الاعتراف بوجود اسرائيل، كقوة موازية بل ومتفوقة على الكيانات العربية اجمعين، وتطبيع العلاقات معها على اساس مثل هذا الاعتراف. وجاءت المبادرات "السلمية" العربية، وآخرها مبادرة الملك السعودي عبدالله، لتستجيب لمتطلبات هذه المرحلة.

    ومن اجل التوصل الى فرض السلام الاسرائيلي على الفلسطينيين والعرب، كان لا بد من افتراس منطقة الشرق الاوسط الكبير، كما سماه جورج بوش. ونستخدم تعبير "افتراس" ليس بالمعنى المجازي، بل بالمعنى الحرفي، العملي والواقعي. وهو ما سنتاوله فيما يلي. لانه بدون هذا الافتراس، فإن الامبريالية والصهيونية العالمية ستفشل وتضطر للتراجع، كما فشلت في المواجهة مع روسيا.

    Xxx

    وكشرط مسبق لمحاولة فهم عملية افتراس "الشرق الاوسط الكبير" الجارية على قدم وساق، وضرورة وامكانيات التصدي لها ورد اصحابها على اعقابهم وهزيمتهم، لا بد اولا ان نلفت النظر الى حقيقة اساسية وهي: ان الامبريالية، بصفتها المرحلة العليا من الرأسمالية، كما وصفها لينين، ليست عملية حسابية مجردة (بضعة بنوك وشركات عالمية عملاقة تملك الاف الاف مليارات الدولارات، تهيمن على الاقتصاد العالمي وتديره بجرة قلم او كبسة زر)، بل هي ـ اي الامبريالية ـ حالة مجتمعية، بكل ما لكلمة مجتمع من معنى. وبكلمات اخرى، فإ، الامبريالية ليست "حالة ذهنية" او "حالة رياضية" مجردة، بل هي "حالة بشرية" من لحم ودم. وبحسب لينين ايضا، فإن الامبريالية، الناشئة عن الرأسمالية، لا تستطيع ان تغير الطبيعة الاساسية للرأسمالية، القائمة على المزاحمة والصراع الطبقي، بكل ما ينتج عنه من اشكال الصراعات الاخرى (النزاعات القومية والاتنية والمذهبية والدينية). لقد كان يوجد نازية المانية، وفاشية ايطالية، واستعمار هولندي، واسباني، وفرنسي وانكليزي الخ.، وقد قامت الحروب المحلية، وحربان عالميتان، بسبب هذا التنوع والتوزع والتزاحم الرأسمالي ـ الاستعماري. وبالمثل، فإن الكتل المالية التي تشكل النواة او النوى الرئيسية للامبريالية، والكتل المالية التابعة لها، هي ايضا "كتل بشرية" من لحم ودم، ويقوم الصراع فيما بينها، في الوقت ذاته الذي تعمل فيه تلك الكتل مجتمعة لاخضاع واستغلال ونهب ثروات وامتصاص دماء مختلف شعوب العالم.

    وانطلاقا من هذه النظرة الواقعية، ينبغي التمييز بين ثلاث كتل عالمية في وقتنا الراهن:

    ـ1ـ الكتلة المالية اليهودية ـ الانغلو/ساكسونية (التي تدخل في اطارها "المافيا الايطالية"، الكاثوليكية الانتماء الديني، ولكن الاميركية والصهيونية الارتباط المصلحي والبنيوي)؛ وتضطلع الطغمة اليهودية العليا العالمية بدور المحور الرئيسي لهذه الكتلة.

    ـ2ـ الكتلة المالية الكاثوليكية ـ الاوروبية/الاميركية (التي تدخل فيها كأحد اهم الاجنحة: المانيا، نصف الكاثوليكية ـ نصف البروتستانتية، ولكنها المشبعة بروح "الثأر" من اليهود والانغلو/ساكسون)؛ ويضطلع الفاتيكان بدور المحور الرئيسي لهذه الكتلة (ماليا اولا، وسياسيا ودينيا، ثانيا وثالثا).

    ـ3ـ والكتلة المالية ـ النفطية (الفتية) العربية - الاسلامية، التي تمثل المملكة السعودية مركزها المحوري الرئيسي.

    ان هدف كل من هذه الكتل هو السيطرة (او توسيع حصة المشاركة في السيطرة) على العالم. وهي تتعاون فيما بينها، وتتزاحم، وتتحارب، في الوقت ذاته، من ضمن منطق السيطرة الآحادية او المشاركة في السيطرة العالمية.

    Xxx

    وخلال الستين سنة التي اعقبت الحرب العالمية الثانية، وبنتيجة الصراعات السياسية والاغتيالات الكبرى (مثل اغتيال جون كيندي الكاثوليكي ومحاولة اغتيال البابا في 1981) وصعود ديغول وسياسته "الاستقلالية" (عن اميركا) واخيرا لا آخرا توحيد المانيا وعودتها للاضطلاع بدور متزايد على المسرح العالمي، فإن الكتلة المالية اليهودية ـ الانغلو/ساكسونية اصبحت شبه مستأثرة بأميركا؛ في حين ان الكتلة الكاثوليكية ـ الاوروبية/الاميركية اصبحت شبه مستأثرة بأوروبا. وقد وجد ذلك انعكاسه، وتجسيده، الاهم، في طرح واعتماد العملة الاوروبية الموحدة (اليورو) الذي اصبح المزاحم الاول للدولار، الذي كان معتمدا قبلا في اوروبا نفسها اكثر من اي عملة وطنية اوروبية، حتى منها التي كانت معتمدة كعملة دولية، مثل الجنيه الانكليزي والمارك الالماني الغربي السابق. اما الكتلة الثالثة، النفطية ـ العربية/الاسلامية، فقد اصبحت اكثر تبعية والتصاقا بالكتلة المالية اليهودية ـ الانغلو/ساكسونية (الاميركية)، بالرغم من محاولات التقرب والمشاركة مع الكتلة المالية الكاثوليكية ـ الاوروبية، ولا سيما بعد توطد "الاتحاد الاوروبي" اكثر فأكثر.

    وخلال فترة "الحرب الباردة"، ثم سقوط الاتحاد السوفياتي والمنظومة السوفياتية السابقة، فإن الكتلة المالية اليهودية ـ الانغلو/ساكسونية الاميركية، هي التي استفادت اكثر من الفوائد الاقتصادية والمالية لسباق التسلح، ومن الهجمة على روسيا لنهبها واستعمارها بعد تفكيك الاتحاد السوفياتي، مع ان الكنيسة الكاثوليكية هي التي اضطلعت (خصوصا في بولونيا) بدور مخلب القط ضد النظام السوفياتي السابق، باسم "محاربة الشيوعية". والسبب هو تحفظ الدول الاوروبية من السر في خط استفزاز الروس الى مداه الاقصى، لان هذه الدول، المجاورة جغرافيا لروسيا، هي بحاجة اليها في اكثر من جانب (وخصوصا النفط والغاز)، اولا، وهي تخشى الاصطدام بروسيا على المستوى العسكري، اكثر بكثير من الخشية الاميركية (اي تلميذ ابتدائي في اوروبا يعرف ان روسيا سحقت نصف مليون جندي لنابوليون، وخمسة ملايين جندي لهتلر). اما الكتلة العربية ـ الاسلامية، فكانت تكتفي بدور التابع للكتلة المالية اليهودية ـ الانغلو/ ساكسونية الاميركية، وظهر ذلك بوضوح في افغانستان والشيشان وغيرهما. ولكن هذه الكتلة فشلت في تحريك واستقطاب الجمهوريات الاسلامية السوفياتية السابقة، لان شعوب هذه البلدان، بشكل عام، كانت ولا زالت ارفع مستوى حضاريا وثقافيا وسياسيا من اي دولة اسلامية اخرى، بما فيها الدول النفطية الغنية كالسعودية ودول الخليج، ولم يكن بامكان اي سلطة سياسية في اي من الجمهوريات الاسلامية السوفياتية السابقة ان تقبل بأن تدخل الى بلدانها نظما اجتماعية ـ سياسية شبيهة بالنظم السائدة في السعودية وامثالها. وبمقدار ما كانت تجربة افغانستان تجربة "ناجحة" جدا (لمصلحة اميركا واسرائيل) على صعيد توريط وهزيمة الاتحاد السوفياتي السابق، فقد كانت تجربة "فاشلة" جدا على صعيد استقطاب بلدان اسيا الوسطى غير المستعدة بتاتا لادخال نظم سياسية ـ اجتماعية على الطريقة "الطالبانية" وما اشبه. فسيطرة "الطالبان" على افغانستان، بدعم من الاميركان، نفـّر البلدان الاسلامية في آسيا الوسطى، ودفعها للانفتاح من جديد على روسيا "المسيحية"، اكثر من انفتاحها على السعودية "الاسلامية". وبمقدار ما ان الحرب الافغانية ـ السوفياتية السابقة، قربت وقوت العلاقات بين الكتلة اليهودية ـ الانغلو/ساكسونية الاميركية والكتلة النفطية ـ العربية/الاسلامية؛ فإن الفشل الذريع للكتلة المالية النفطية ـ العربية/الاسلامية في دول اسيا الوسطى الاسلامية السوفياتية السابقة، دفع الكتلة المالية اليهودية ـ الانغلو/ساكسونية لنفض يدها اكثر فأكثر من "الطالبان" و"القاعدة" وللشروع في توجيه الانتقادات الى السعودية والدول الاسلامية الاخرى، بحجة فقدان الدمقراطية والاصولية وما اشبه. ومع ان الكتلة المالية النفطية ـ العربية/ الاسلامية طرحت ما يسمى "مشروع السلام" العربي للتطبيع الكامل والشامل مع اسرائيل، فإن اسرائيل ردت برفض هذه المبادرة مع انها كانت ولا زالت افضل هدية تقدم لاسرائيل منذ نشوئها الى اليوم.

    Xxx

    في الساعة 12 في منتصف الليل في 31 كانون الاول 1999 قدم بوريس يلتسين استقالته من رئاسة الجمهورية الاتحادية الروسية، وسلم مقاليد الحكم الى فلاديمير بوتين، مقابل عدم التعرض له ولعائلته وعدم تقديمه للمحاكمة. وكانت تلك اللحظة لحظة تحول ليس في التاريخ الحديث "ما بعد الشيوعي" لروسيا، بل في تاريخ العالم اجمع. ففي تلك اللحظة ادركت الكتلة المالية اليهودية ـ الانغلو/ساكسونية و"حليفتها" الذيلية الكتلة المالية النفطية ـ العربية/ الاسلامية، انه "قضي الامر!" وأغلق الباب تماما امام امكانية الغزو المالي، الاقتصادي، المافياوي، السياسي والعسكري لروسيا واستعمارها ونهبها، وحل الازمة الرأسمالية الامبريالية على حساب الدولة والشعب الروسيين. ونشأت اللوحة العالمية القاتمة التالية:

    ـ1ـ الرساميل تتكدس وتفيض وتسد شرايين الاقتصاد الاميركي الى درجة الانفجار.

    ـ2ـ الكتلة المالية اليهودية ـ الانغلو/ساكسونية تستطيع نظريا، وبالحسابات المالية ـ الاقتصادية ـ المافياوية ـ السياسية، ان تغزو اوروبا الغربية، وتسحق الكتلة المالية الكاثوليكية ـ الاوروبية في عقر دارها وتحل الازمة الرأسمالية الامبريالية على حسابها الى حين؛ ولكنها (اي الكتلة المالية اليهودية ـ الانغلو/ساكسونية، وحليفتها الذيلية الكتلة المالية النفطية ـ العربية/الاسلامية) كانت تدرك تماما ان اوروبا الغربية تعج بالاحزاب الاشتراكية الدمقراطية والاحزاب الشيوعية السابقة التي تحولت هي الاخرى الى الاشتراكية الدمقراطية ودفعتها خطوات نحو اليسار، كما وتعج بالاحزاب الشيوعية اليسارية الجديدة والتروتسكية والغيفارية والماوية وغيرها من الاحزاب والتيارات اليسارية المضادة للعولمة الاميركية والمعادية للرأسمال اليهودي واسرائيل والصهيونية، وبالتالي انها ـ اي اوروبا الغربية ـ تقف "على شفير هاوية" الاشتراكية واليسار والشيوعية، وان اي حل للازمة الرأسمالية العالمية على حساب اوروبا سيدفع "شبح الاشتراكية" و"شبح الشيوعية" كي يتحول من جديد الى كابوس فعلي وواقعي على الارض؛ وان اوروبا غربية "اشتراكية" ويسارية يمكن ان تتحالف مع روسيا الجديدة، اقتصاديا وسياسيا وعسكريا، بكل التبعات العالمية لمثل هذه الاحتمالات، التي اقلها سيكون تفجير اميركا اللاتينية "الكاثوليكية" بوجه اميركا الانغلو/ساكسونية، وتفجير الشرق الاوسط بوجه اسرائيل والصهيونية وحليفتهما الستراتيجية اميركا.

    ـ3ـ يعتمد الاقتصاد الاميركي الى درجة كبيرة على اقتصادات البلدان المرتبطة بالدولار، وبالاخص اليابان والصين. ولكن الكتلة المالية اليهودية ـ الانغلو/ساكسونية لا تجرؤ على تدمير اقتصاد هذين العملاقين وابتلاعهما، لان سقوطهما يعني سقوط الهند كذلك، وهذه القلاع الثلاث هي حتى الان سدود منيعة وعالية بوجه التمدد الروسي، "الشيوعي" او "الرأسمالي"، الذي يبقى الى اجل تاريخي غير منظور العدو الاساسي والخطر الرئيسي على الرأسمالية الغربية والامبريالية الغربية لا سيما الاميركية ـ الصهيونية. ولذلك اقتصر استناد اميركا على الصين واليابان في الاستيراد المكثف للسلع الصينية الرخيصة والتكنولوجيا اليابانية الرفيعة، وزيادة الديون المتوجبة على اميركا لهذين العملاقين، و"اقناعهما" بتحويل الديون التي تعجز اميركا عن سدادها الى "اسهم" في الشركات الاميركية، ولا سيما شركات المضاربة المالية في البورصات والشركات البنكية. وهذا ما ساهم في التضخم الدفتري المريع للرأسمال المالي الاميركي، في حين ان هذا التضخم الرأسمالي الاسمي ليس سوى غطاء وهمي وزائف لعجز وافلاس الدولة الاميركية، التي تحولت الى لص عالمي واكبر نصاب دولي في تاريخ البشرية عامة، وتاريخ الرأسمالية خاصة.

    ـ4ـ من بين كل الاحتمالات الممكنة، لحل الازمة المالية الرأسمالية الاميركية ـ العالمية، بقيت منطقة "الشرق الاوسط الكبير"، التي تمتلك اكبر قدر من "الاغراءات" واقل ما يمكن من "المخاطر" على مصير النظام الرأسمالي الامبريالي العالمي. فأصبح افتراس هذه المنطقة امرا محسوما، لاجل استمرار النظام الرأمسالي والامبريالي العالمي.

    Xxx

    وهنا علينا ان ننظر الى ثلاث صيغ، او ثلاثة مشاريع او آفاق تطور، كانت كل من الكتل المالية العالمية الثلاث، التي سبق وأشرنا اليها، تريد التوصل الى تحقيق احداها لـ"مستقبل" "الشرق الاوسط الاكبر" (حسب تسمية القاموس الاميركي):

    الاولى ـ هي الصيغة التي كانت تريدها الكتلة المالية اليهودية ـ الانغلو/سكسونية: وهي تنطلق من التفوق العسكري (وبالتالي السياسي) الكاسح الذي تمتعت به اسرائيل حتى الان، مقابل تهافت جامعة الدول العربية وتفكك منظمة المؤتمر الاسلامي، والاتفاقات الاستسلامية في كامب دايفيد واوسلو ووادي عربة، والسقوط الاقتصادي المخزي للنمرين الاسيويين الاسلاميين (ماليزيا واندونيسيا)، وحروب الخليج وصولا الى احتلال العراق وتمزيقه اربا؛ ـ استنادا الى كل ذلك كانت هذه الكتلة تطمح الى تحويل "الشرق الاوسط الاكبر" الى منطقة نفوذ ومصالح اميركية ـ صهيونية، لا يشاركها فيها اي شريك بأي شيء كان، الا ما تتنازل هي عنه للاخرين كفتات المائدة.

    ونظرا للنفوذ الاميركي ـ الصهيوني الخاص على تركيا (التي وضعوها في الخلا ّط الاميركي ليطلـّعوا منها خلطة غريبة عجيبة: اتاتوركية ـ اسلامية! ولا نستغرب ان تفتح هذه الخلطة الطريق، في افق منظور، لحرب اهلية تركية لا تبقي ولا تذر)، فإن الكتلة المالية العالمية اليهودية ـ الانغلو/ساكسونية كانت تطمح الى العمل لجعل "الشرق الاوسط الاكبر" بالاضافة الى تركيا (الاسلامو ـ كمالية) "كتلة اقتصادية وسياسية وعسكرية" واحدة ذات ميزات خاصة (بحر من النفط، بحر من "الاسلام!!!" الرسمي و"الارهابي" المدجن اميركيا، بحر من الرساميل الفائضة، سوق كبيرة، كتلة هائلة من اليد العاملة الرخيصة القادرة على مزاحمة الصين ذاتها، تكنولوجيا رفيعة، مناطق غير قانونية محمية قانونيا تمارس فيها جميع انواع التزوير واعادة انتاج جميع الماركات المشهورة في العالم، شبكة مواصلات قارية، جيشان محليان من اقوى جيوش العالم هما: الاسرائيلي والتركي، معززان بوحدات من "المرتزقة الاجانب"، من جهة، و"المجاهدين الاسلاميين!!!"، من جهة اخرى، من جميع انحاء العالم)، بحيث تشكل هذه الكتلة رمحا طويلا وصلبا موجها الى روسيا والصين، من جهة، والى قلب "الاتحاد الاوروبي" بالذات، من جهة ثانية، ويمكن ان تكون قاعدة "شرقية" اميركية عملاقة تضطلع بدور بديل للحلف الاطلسي ذاته، للتخلص من "اعباء" اي شراكة اميركية ـ اوروبية اذا دعت الحاجة.

    ولكن مع الانسداد التام لافق السيطرة الغربية على روسيا، والخطر الذي اصبحت تشكله روسيا "القومية ـ الرأسمالية" على اقتصاد الرأمالي الغربي، ومن ثم انفجار الازمة الامالية والاقتصادية الراسمالية الغربية بهذا الشكل المريع، فإن الكتلة المالية اليهودية ـ الانغلو/ساكسونية اصبحت تتوجه نحو الافتراس التام لمنطقة الشرق الاوسط الكبير، وتحويلها الى قاع صفصف. ولاجل السيطرة التامة على القدرات المالية ـ النفطية للدول العربية والاسلامية المنتجة للنفط، تمتلك الكتلة المالية اليهودية ـ الانغلو/ساكسونية الرافعات الاقتصادية التالية:

    أـ البنك المركزي الاميركي (الذي يسيطر عليه اليهود) يستطيع رفع سعر الفائدة على الودائع، او خفضها، كما يشاء، مما يعني جذب الودائع او "طردها" وتوجيهها في اتجاهات اخرى (البورصة، العقارات، الخ).

    ب ـ الدولار ليس له تغطية ذهبية. وبالتالي فإن البنك المركزي الاميركي يستطيع ان "يطبع دولارات" بالمقدار الذي يشاء، لتخفيض سعر صرف الدولار بالقدر الذي يسمح له بتخفيض القيمة الحقيقية للدولارات التي يدخرها "الاخرون".

    ج ـ تمتلك الكتلة المالية اليهودية ـ الانغلو/ساكسونية "احتياطيا ستراتيجيا" هائلا من النفط، مما يجعلها هي اولا، قبل واكثر من الاوبك، تتحكم باسعار النفط في السوق العالمي، فتستعيد نهب اثمان النفط التي تكون الدول النفطية قد قبضتها. وهذا ينطبق على الدول العربية والاسلامية النفطية، لان غالبية مصدراتها وميزانية دولها تعتمد على النفط، ولذلك فهي حينما ينخفض سعر النفط تضطر الى البيع اكثر؛ ولا ينطبق ذلك على روسيا لانها لا تعتمد على النفط الا كمكمـّل اقتصادي، ولهذا فإن روسيا تبيع حينما يكون السعر العالمي مرتفعا، وتقلص البيع حينما يكون السعر منخفضا.

    الثانية ـ وهذا ما تطمح اليه الكتلة المالية الكاثوليكية ـ الاوروبية/الاميركية: ان يكون شرق وجنوب البحر الابيض المتوسط والشرقين الادنى والاوسط (حسب مفردات القاموس الاوروبي) مدى حيويا و"حوشا خلفيا" للاتحاد الاوروبي (كما هي اميركا اللاتينية "حوشا خلفيا" للولايات المتحدة الاميركية)، وجسرا افروآسيويا للتواصل والتعامل مع عوالم الشرق الاقصى (الهند والصين واليابان)، من جهة، واوربا الشرقية وروسيا من جهة اخرى، بهدف خلق سوق عالمية كبرى يمثل الاتحاد الاوروبي قلبها ومحركها، وهو ما يمكن ان تستند اليه الكتلة المالية الكاثوليكية لتحريك اميركا اللاتينية، والعودة للتحرك من جديد داخل الولايات المتحدة نفسها، على الاقل من اجل كشف القتلة الحقيقيين والاسباب الحقيقية لقتل جون كينيدي في 1963، ولمحاولة قتل البابا يوحنا بولس الثاني في 1981(!!!)، و"رد التحية" للقتلة، الصهاينة ـ الانغلو/ساكسون، ومن ثم استعادة النفوذ والهيمنة الكاثوليكية على الولايات المتحدة ذاتها.

    والصيغة الثالثة ـ وهذا ما كانت تسعى اليه بهدوء وسلاسة الكتلة المالية ـ النفطية العربية/الاسلامية، بزعامة المملكة السعودية: استنادا الى النجاح النسبي حتى الان لتجربة "مجلس التعاون الخليجي"، التحويل التدريجي للشرق العربي ـ الاسلامي الى ما يشبه "الاتحاد الاوروبي"، بالاستفادة من الامكانات الاقتصادية والمالية للدول العربية ـ الاسلامية النفطية بالاخص، ومن التواصل الجغرافي، والتقارب الروحي المتمثل في الرابطة الدينية، من جهة، وبالاستفادة، من جهة ثانية، من العلاقات الجيدة او المقبولة التي تمتلكها هذه الكتلة مع جميع الدول الاوروبية واميركا، وغيرها من القوى الكبرى في العالم، كروسيا والصين واليابان والهند. وضمن هذا السياق يأتي التحرك النشيط للمملكة السعودية في اطار السياسة الخارجية، والعمل الحثيث لتفعيل جامعة الدول العربية ومنظمة المؤتمر الاسلامي، ومحاولة الدخول بقوة على خط السعي لايجاد تسوية "سلمية" للنزاع العربي ـ الاسرائيلي، بحيث اصبحت "المبادرة السلمية السعودية" هي المزاحم الاول لـ"الوساطة" الاميركية على هذا الصعيد.

    وهنا لا بد من وضع علامة تشديد سميكة على وجود "مشروعين": يهودي ـ انغلو/ساكسوني، وكاثوليكي ـ اوروبي، لـ"فلسطين" ما بعد اقامة "السلام":

    ـ فالكتلة المالية اليهودية ـ الانغلو/ساكسونية، الاكثر "براغماتية" و"عقلانية" و"عملانية"، تريد ان تنزع عما يتبقى من "فلسطين" التاريخية (اي "الدويلة الفلسطينية" الموعودة) اي بعد "وطني" و"قومي" و"ديني" و"ثقافي" و"حضاري". وان تستغل الاصل "الفلسطيني ـ العربي" و"العربي ـ المسلم" و"العربي ـ المسيحي" لبقايا الفلسطينيين، المغلوبين على امرهم والمسحوقين، ليعملوا كسماسرة ـ واجهة، وكخدم ـ واجهة، في خدمة الرأسمال اليهودي ـ الانغلو/ساكسوني، لدى بقية العرب والمسلمين، تماما كما يعمل بعض الخدم في الفنادق الكبرى في بعض البلدان، الذين يتم إلباسهم اللباس التقليدي "العربي" لتقديم النارجيلة او القهوة العربية وما اشبه، او تماما كما يعمل حامد قرضاي او زلماي خليل زاده كرجلين اميركيين من اصل افغاني، او كما كان يعمل فيليب حبيب، كرجل دبلوماسي اميركي من اصل لبناني. وتخطط الكتلة المالية اليهودية ـ الانغلو/ساكسونية لتحويل "الدويلة الفلسطينية" الى "منطقة حرة" لاقتصاد الظل: مغسلة كبيرة للاموال القذرة، منطقة حرة لنوادي القمار الدولية، عاصمة دولية لشبكات التهريب، برا وبحرا وجوا، عاصمة دولية للمافيات على مختلف اشكالها، "مشغل دولي" لتزوير العملات والتحف الفنية والجواهر الثمينة، "سوق" او "مصرف دولي" للمسروقات الثمينة من كافة ارجاء العالم، وغير ذلك من اشكال والوان "البيزنيس" المافياوي. وانه لمن المعبر جدا انه ما ان وقعت اتفاقية اوسلو الخيانية، وقبل ان تنشأ "الدويلة الفلسطينية" رسميا، وقبل ان تنجح حماس في الانتخابات التشريعية وقبل ان تسيطر على غزة، بدأت اندية القمار تنتشر في الاراضي الفلسطينية، وبدأت المافيات ترفع رأسها بشكل واضح، واصبح لها وجودها المكشوف داخل "السلطة الوطنية الفلسطينية"، وهذا اول الغيث.

    ـ اما الكتلة المالية الكاثوليكية ـ الاوروبية/ الاميركية )ونواتها ما يمكننا تسميته ماليا "شركة الفاتيكان الدولية" بكل ما تمتلكه من اموال منقولة وغير منقولة(، فإن المؤشرات تشير الى انها تهيئ لفلسطين مستقبلا "ماليا" لا ينفصل عن البعد "الروحي"، على طريقة دور مكة المكرمة بالنسبة للمسلمين. ويقوم هذا المشروع على تحويل فلسطين التاريخية بشكل تدريجي ومتوازن (القدس التي يريد الفاتيكان ان يجعل لها وضعا دوليا خاصا، اراضي "الدويلة الفلسطينية" و"اسرائيل") الى مشروع سياحي هائل، يكون هو الاضخم في العالم وفي التاريخ، تحت عنوان "الحج الى الاماكن المقدسة" و"السياحة الى الاماكن التاريخية"، بكل ما يرتبط بهذه الصناعة من حرف ومهن ثانوية ولكنها ذات مداخيل خيالية (ماذا يمنع ان تنشأ صناعة وتجارة عالمية لبيع زجاجات ملونة صغيرة تحوي قطرات من مياه الاردن التي اعتمد فيها السيد المسيح، او مياه طبريا المقدسة التي سار عليها السيد المسيح. وصناعة وتجارة لبيع قارورات حجرية صغيرة تحوي بضع حبات من تراب مهد المسيح او قبر المسيح. الخ. الخ.).

    فيما مضى حينما طالب دهماء اليهود، بايعاز من قادتهم المتعاونين مع روما، بإطلاق اللص باراباس وصلب السيد المسيح، صرخوا قائلين: "ليكن دمه علينا وعلى ذريتنا". ومهما بلغ من تسامح الفاتيكان وصفحه عن اليهود، بصفته الدينية، وانطلاقا من المواقف السياسية الممزوجة بالمشاعر الانسانية، فإنه، اي الفاتيكان، بصفته الرأسمالية، "لا يستطيع" ان يسمح بأن تسيطر اسرائيل على مثل هذه التجارة المسيحية "المقدسة"، لأن صلب المسيح وابادة الفلسطينيين هو خطيئة انسانية "حسابها عند الله" ويجوز دينيا غفرانها؛ اما انتزاع الارباح الخيالية المفترضة للتجارة بالمقدسات المسيحية، من الكتلة المالية الكاثوليكية، فهو شيء آخر تماما، يرتبط بالمصالح الوجودية للنظام الرأسمالي، الذي لا دخل له ولا مكان فيه للمشاعر الانسانية والاعتبارات السماوية من قريب او بعيد. اي ان الفاتيكان يمكن ان يسامح اليهود على صلب المسيح، ولكن الراسمالية "الكاثوليكية" لا يمكن ان تسامح شركات السياحة الاسرائيلية على المتاجرة (تنظيم الرحلات السياحية) الى مهد المسيح وكنيسة القيامة وقبر المسيح.

    ومن المؤشرات الدالة على هذا المشروع الكاثوليكي (الفاتيكاني ضمنا واساسا) للقدس والدويلة الفلسطينية وفلسطين التاريخية ما يلي:

    أ ـ المشروع القديم للفاتيكان حول الوضع الدولي الخاص للقدس كمدينة سلام مفتوحة. وهو المشروع الذي لم يتخل عنه الفاتيكان الى الان، بل يعمل بكل هدوء لتمريره، وهو يستفيد لهذه الغاية من مأزق السياسة الاميركية وغبائها وعجزها عن ايجاد الحلول "السلمية"، المرضية لمختلف الاطراف في الصراع العربي ـ الاسرائيلي.

    ب ـ رعاية الفاتيكان لما يسمى "حوار الاديان" ولا سيما "الحوار المسيحي ـ الاسلامي".

    ج ـ الدور السياسي المعتدل، لبنانيا وعربيا، للفاتيكان وللبطريركية المارونية في لبنان، المتميز عن مواقف الجماعات المسيحية المتعصبة وخصوصا المرتبطة باسرائيل، مثل عصابات "القوات اللبنانية" وجيش لحد السابق في لبنان الجنوبي.

    د ـ القرار التاريخي للفاتيكان بالسماح بأن يحتل مركز البطريركية اللاتينية في فلسطين احد رجال الدين من سكان البلاد الاصليين، اي العرب، وهو ما لم تسمح به الى الان الكنيسة الارثوذكسية، للاسف، حيث لا يزال من المحتم ان يكون البطريرك اغريقيا.

    هـ ـ تبني الفاتيكان للمطران المناضل ايلاريون كبوجي، بعد اعتقاله في اسرائيل بتهمة مساعدة المقاومة.

    و ـ اشراك رجل دين كاثوليكي بارز، هو البطريرك ميشال الصباح، في قيادة منظمة التحرير الفلسطينية.

    ز ـ الدفاع عن الاماكن المقدسة المسيحية وحمايتها من التعديات الصهيونية.

    ح ـ واخيرا لا آخر يمكن الاشارة الى الدور المباشر للفاتيكان في زواج المرحوم ياسر عرفات من السيدة المسيحية الفلسطينية سهى الطويل عرفات.

    Xxx

    وان كل تاريخ المنطقة في العقود الاخيرة، يجسد الصراع بين الكتل المالية الثلاث: اليهودية ـ الانغلو/ساكسونية، والكاثوليكية ـ الاوروبية، والنفطية ـ العربية/الاسلامية.

    وعلى هذه الخلفية ينبغي النظر الى النزاع العربي ـ الاسرائيلي الذي يتميز بتعقيدات شديدة، سياسية ـ اقتصادية ـ دينية، تاريخية وراهنة. وللتقرب من فهم طبيعة هذا النزاع وتعقيداته، لا يمكن سوى النظر الى الصراع الشديد بين الكتلتين الماليتين الدوليتين (اليهودية ـ الانغلو/ساكسونية، والكاثوليكية ـ الاوروبية/الاميركية)، حول: اي مستقبل تريد كل من الكتلتين للبنان، ولفلسطين، في مرحلة "السلام".

    ولا يكاد يحتاج الى التأكيد انه، في الصراع بين هذين الجبارين، فإن الكتلة المالية الثالثة، العربية ـ الاسلامية، التي هي اصغر حجما ماليا، ولكنها اعظم نفوذا اقليميا، بسبب خصوصيتها العربية والاسلامية، تميل الى تأييد ومساندة ومساعدة الكتلة المالية الكاثوليكية ـ الاوروبية/الاميركية؛ بالرغم من انها تودع غالبية اموالها النفطية في البنوك الاميركية. وقد اخذت هذه الكتلة الثالثة تعمل لتحقيق مكاسب خاصة اوسع لها، عن طريق اللعب على التناقض بين الكتلتين الكبيرتين، وخصوصا بالاستفادة من الانحياز الاميركي لصالح اسرائيل، لتسجيل نقاط اضافية لصالح الكتلة المالية الكاثوليكية ـ الاوروبية/الاميركية، وزيادة التعاون اكثر مع هذه الكتلة. وكان هذا يقتضي سياسيا:

    أ ـ تعظيم الدور الفلسطيني، وانتزاع حقوق ومكاسب اكثر للفلسطينيين ووضع افضل للدويلة الفلسطينية القادمة. وذلك طبعا ليس محبة بالفلسطينيين، بل لاستخدامهم لاجل مصالح الكتلة المالية الكاثوليكية ـ الاوروبية/الاميركية. ويدخل ضمن هذا الاطار العمل الحثيث لتوطين اللاجئين الفلسطينيين في لبنان وغيره من البلدان العربية التي يقيمون فيها، وهو ما تريده ايضا واساسا اميركا واسرائيل ولكنهما تعجزان عن تحقيقه.

    ب ـ تعظيم دور الدولة اللبنانية، على حساب المقاومة الشعبية اللبنانية وانتهاج سياسة مزدوجة "احتوائية ـ استبعادية" حيال المقاومة، ومحاولة خلق "توازن سياسي" اقليمي بين لبنان ـ الدولة واسرائيل، وذلك في محاولة "مستقبلية" لجعل لبنان هو "هونغ كونغ" الرئيسية للبلدان العربية والاسلامية، وإخضاع الدور المالي "الاسرائيلي" ذاته للدور المالي "اللبناني".

    ج ـ في حال تم فرض "السلام الاسرائيلي" على العرب، والشروع في انشاء "المنطقة المالية ـ التجارية الشرقأوسطية المفتوحة"، فإن الكتلة المالية اليهودية ـ الانغلو/ساكسونية تطمح لان تكون اسرائيل هي "هونغ كونغ" البلدان العربية والاسلامية. اما "الدويلة الفلسطينية" القزم، من جهة، ولبنان، من جهة ثانية، فهناك تخطيط ان لا يتعدّ دورهما دور "سمسارين" وموطئي قدم لاسرائيل، ومدخلين لها، ماليا وتجاريا واقتصاديا، الى العالم العربي والاسلامي الكبير. لانه، وان تم فرض "السلام الاسرائيلي" على الفلسطينيين والعرب (مع ان هذا مستبعد، بل مستحيل)، فإنه ستمر عشرات بل ومئات السنين قبل ان يبدأ المجتمع العربي والاسلامي بالاعتياد والاذعان والتكيف مع سياسة التطبيع المباشر والتعامل المباشر مع اليهود الصهاينة عموما والاسرائيليين خصوصا. ولهذا فإن "موطئي القدم" و"السمسارين" المفترضين، الفلسطيني واللبناني، بصفتهما "العربية" و"الاسلامية" هما ضروريان لما بعد "السلام الاسرائيلي"، مثل ضرورة اسرائيل، قبل هذا "السلام"، بالنسبة للكتلة المالية اليهودية ـ الانغلو/ساكسونية.

    د ـ ولكن الكتلة المالية الكاثوليكية ـ الاوروبية/ الاميركية، ومن ورائها الكتلة المالية ـ النفطية العربية ـ الاسلامية، وانطلاقا من العلاقات القديمة لاوروبا "المسيحية" بفلسطين ولبنان، فهي تطمح (وتعمل ما استطاعت) لان يتم توزيع دور "هونغ كونغ" البلدان العربية والاسلامية الى ثلاثة مراكز:

    الاول ـ اسرائيل، وتكون دائرة نفوذ ومصالح 80% او حتى 100% للكتلة المالية اليهودية ـ الانغلو/ساكسونية.

    والثاني ـ لبنان، ويكون دائرة نفوذ ومصالح 80% او حتى 100% للكتلة المالية الكاثوليكية ـ الاوروبية/ الاميركية، بدعم وتعاون الكتلة المالية العربية ـ الاسلامية.

    والثالث ـ الدويلة الفلسطينية، وتكون مركز نفوذ للكتل المالية الثلاث، بأرجحية عربية ـ اسلامية، سعودية خصوصا (اذا وافقت اسرائيل)، كي يمكن، ولمصلحة جميع الكتل المالية، تحقيق "افضل" ضبط للجماهير الفلسطينية، غير الراضية حتما عن كل ما يخطط لها حتى الان، وهو ما يجد انعكاسه في الازمة الفلسطينية المستفحلة.

    وفي حال نجاح هذا "الخيار" ذي الوجه "الاوروبي ـ العربي"، يتوقع ان يتم تحويل جنوب لبنان من منطقة نزاع الى منطقة دولية عازلة (بصرف النظر عن الصيغ القانونية، الدولية والمحلية، الشكلية) توضع تحت حماية القوات الدولية "الصديقة" ولا سيما الاوروبية، والعربية "الشقيقة"، بالاشتراك مع الجيش "الوطني" اللبناني. وبحكم الجوار الجغرافي بين منطقتي النفوذ الماليتين، اسرائيل ولبنان، يتوقع ان يتم تحويل جنوب لبنان "المعرّب ـ المدوّل" الى اكبر معرض وسوق تجاري في العالم، تتجمع فيه الوكالات والمكاتب التجارية لجميع الشركات الكبرى والوسطى في العالم اجمع.

    وعلينا ان نلاحظ هنا ان جناحا فعالا، ربما هو الجناح الاقوى في المملكة العربية السعودية، مع كل ما لها من مصالح مشتركة تاريخية مع اميركا والصهيونية العالمية، وجد ـ اي هذا الجناح ـ ان المصلحة الجوهرية ولا سيما البعيدة المدى للمملكة السعودية تقتضي السير في الخيار الثاني، اي خيار ايجاد مركزيْن للنفوذ المالي، اسرائيل للكتلة المالية اليهودية ـ الانغلو/ساكسونية، ولبنان للكتلة المالية الكاثوليكية ـ الاوروبية/الاميركية. بهذه التخريجة يمكن للكتلة المالية ـ النفطية العربية ـ الاسلامية ان تلعب "مع" او "على" الطرفين، وان تستفيد من الطرفين. كما ان هذه التخريجة تتيح او تشترط تحسين شروط "السلام" للجانب العربي، وخصوصا للبنان، كي يستطيع الوقوف على قدم المساواة مستقبلا مع اسرائيل، فيما لو تم اي انقلاب غير محسوب في الاوضاع الاسرائيلية او العربية، ونشأ عنه تعريض لبنان لاي تهديد اسرائيلي.

    وهذا ما يفسر الموقف المشروط، ولكن "الايجابي" عموما، للمملكة السعودية من وجود حركة المقاومة الاسلامية، ومن "تلزيم" حل الازمة اللبنانية، بمباركة المملكة السعودية، لاوروبا وخاصة فرنسا (باريس1، باريس 2، باريس 3، ادخال فرنسا في الهيئة المشرفة على "اتفاق نيسان" 1996، عدم ادراج اوروبا لحزب الله في قائمة المنظمات الارهابية بالرغم من حظر قناته التلفزيونية المنار في فرنسا، توسيط المانيا في المفاوضات لتبادل الاسرى بين حزب الله واسرائيل، تحسين العلاقات الفرنسية/الاوروبية ـ السورية، واخيرا لا آخر نقل مفاوضات "الحوار اللبناني" الداخلي الى الحضن الفرنسي).

    وهذا ما يفسر ايضا "العلاقة الخاصة" التي كانت تربط الشيخ رفيق الحريري مع "حزب الله" وامينه العام السيد حسن نصرالله شخصيا، من جهة، ومع فرنسا والرئيس السابق جاك شيراك، من جهة ثانية.

    هـ ـ وفي هذا السياق نأتي الى الدور الشخصي لكل من الراحلين ياسر عرفات ورفيق الحريري.

    ان المرحوم ياسر عرفات كان ممثلا سياسيا نموذجيا للبرجوازية الفلسطينية، التي وجدت لنفسها، في توقيع "اتفاقات اوسلو" للسلام من خلف ظهر الشعب الفلسطيني، فرصة "تاريخية" ذهبية كي تتهافت على التعاون مع الرأسمال اليهودي (الاسرائيلي والدولي). ولكن البرجوازية الفلسطينية ليست مجموعة من المغامرين حديثي النعمة، الذين يمكن ان تذهب بهم كل ريح في كل اتجاه. بل هي طبقة قديمة وعريقة وذات "تاريخ" خاص، ولا تستطيع ان تنسلخ عن "سوقها"، وبالتالي عن تاريخها وعن جذورها القومية و"الدينية"، ليس بالمعنى السياسي والايماني والمعنوي فقط، على اهمية هذه المعاني، بل وبمعنى حساب المصالح الطبقية الاقتصادية ايضا واساسا. فالبرجوازية الفلسطينية لا يمكن ان تنسى انه حينما ازاحتها اسرائيل و"سحقتها" وشردتها وطردتها شر طردة من فلسطين، كما سحق هتلر اليهود وطردهم من المانيا، فإنها ـ مع كل المرارات ـ وجدت ملاذا لها في البلدان العربية (الاردن، سوريا، لبنان، مصر، الخ) وخصوصا في المملكة العربية السعودية. وياسر عرفات نفسه كان، في الحساب الاخير، "رجل المملكة السعودية" المخلص. (ويقال ان عرفات ارسل قوات فلسطينية لمساعدة قوات الامن في المملكة السعودية في تطهير المسجد الحرام يوم احتله المتمرد والمهووس الديني جهيمان العتيبي وجماعته في تشرين الثاني 1979). ولهذا كان من الطبيعي ان يدعم ياسر عرفات الخط الذي تسير فيه المملكة السعودية. فمع انه "غض النظر" او ساهم في التعاون الرأسمالي الفلسطيني ـ اليهودي (الاسرائيلي والعالمي)، الا انه في الوقت ذاته لم يخضع تماما للشروط الاستسلامية الاميركية ـ الصهيونية، وتحول الى عقبة كاداء امام محدلة السياسة "السلمية" التي كانت ولا تزال الكتلة المالية اليهودية ـ الانغلو/ساكسونية تريد ان تفرضها على منظمة التحرير و"السلطة الوطنية" الفلسطينية.

    وهذا هو السبب الرئيسي الذي تم لاجله تطويق ياسر عرفات، وعزله، واخيرا "ازاحته" والقضاء عليه بهذه الطريقة الخسيسة، من اجل المجيء باطراف اكثر تساهلا للحلول محله والسير في الخطة الاميركية ـ الاسرائيلية. وتبدو عملية اغتيال عرفات مفضوحة الى درجة الاسفاف، بحيث انه يجري حتى الان استبعاد ليس فقط اي تدخل دولي للتحقيق في هذه الجريمة النكراء، كما جرى بالنسبة لجريمة اغتيال الشيخ رفيق الحريري، بل انه يستبعد ايضا اجراء اي تحقيق محلي من قبل "السلطة الوطنية" الفلسطينية ذاتها، ومن قبل "رفاق عرفات التاريخيين"، ومن قبل عائلته ذاتها. ونظرا لان "الحجم الفلسطيني" لعرفات هو اكبر من حجمه الدولي، او ان حجمه الدولي هو متأت بشكل رئيسي من "حجمه الفلسطيني" فإن ما يسمى "المجتمع الدولي" وعلى رأسه اميركا، وبما في ذلك "الامم المتحدة" وحتى "جامعة الدول العربية"، لم تعط الاهتمام الكافي لاغتيال عرفات، اكثر من مسرحية تظاهر فرنسا بمحاولة انقاذه في اللحظات الاخيرة وبعد فوات الاوان. وهكذا تـُركت جريمة اغتيال عرفات تتدحرج في دهاليز الازمة الفلسطينية المتفاقمة ومؤامرة تمزيق وتفتيت المجتمع الفلسطيني.

    وبكلمات مختصرة: فإن اغتيال عرفات تم، لاجل ازاحته من الطريق، بقرار من الكتلة المالية العالمية اليهودية ـ الانغلو/ساكسونية، ولكن اغتياله تم "تحت السقف الفلسطيني" وضمن متاهة تعقيدات الازمة الفلسطينية.

    ولقد سبق للصهيونية العالمية ان استخدمت نفوذها لمنح ياسر عرفات "جائزة نوبل للسلام"، مقابل خدماته الطويلة لمخططات "التسوية" الصهيونية، باسم خدمة القضية الفلسطينية، والتي توجها بتوقيع اتفاقات اوسلو. ومع ذلك فإنه حينما اصبح عرفات يمثل عقبة امام السير الى النهاية بهذه المخططات، لم تكتف الصهيونية بقتله، بل انها لم تسمح بـ"ترف" تشكيل لجنة تحقيق شكلية في مقتله، حتى على مستوى قطاع رام الله للهلال الاحمر الفلسطيني.

    ان المصير المفجع لياسر عرفات هو تأكيد اضافي جديد على لاجدوى السير في خط "التفاهم" مع الامبريالية والصهيونية، وان "إرضاء" الامبريالية والصهيونية هو اصعب من "إغضابهما".

    اما الشيخ رفيق الحريري فهو، على خلاف عرفات، كان "رجل دولة (ومال)" دوليا، قبل واكبر من وفوق كونه "رجل دولة (ومال)" لبنانيا. وتحت هذا العنوان، وبالتحديد عنوان الانتماء القطري العربي، فهو اقرب لان يعتبر "رجل دولة (ومال)" سعوديا قبل واكثر مما كان "رجل دولة (ومال)" لبنانيا. وهذا لا ينتقص البتة، بل يزيد ويضاعف حجمه واهميته كـ"رجل دولة (ومال)" لبناني.

    انطلاقا من هذا الفهم لشخصية ومكانة ودور الشيخ رفيق الحريري، نرى ان اغتياله لا يمكن فهمه بشكل صحيح الا ضمن اطار الصراع الضاري بين الكتل المالية العالمية، وبالاخص الكتلة المالية اليهودية ـ الانغلو/ساكسونية والكتلة المالية الكاثوليكية ـ الاوروبية/الاميركية، وسعي الكتلة المالية العربية ـ الاسلامية "للعب" على الصراع بين هاتين الكتلتين الجبارتين ولشق طريقها الخاص فيما بينهما، وخصوصا لسعي المملكة السعودية للخروج من تحت مظلة الوصاية "التقليدية" الاميركية. وهو ما ينعكس في التحرك المكثف لسياسة المملكة السعودية في الحقبة الاخيرة.

    وهذا التحرك للمملكة السعودية، بخلفيته واهدافه "العربية ـ الاسلامية"، هو الذي يصبح اكثر فأكثر مصدر "الازعاج" الاول والاخطر للسياسة الاميركية ـ الصهيونية ـ الاسرائيلية، التي تحركها وتديرها الكتلة المالية العالمية اليهودية ـ الانغلو/ساكسونية.

    ان المزاحمين المحتملين الآخرين للامبريالية الاميركية وحليفتها الستراتيجية الصهيونية العالمية يمتلكون اوراق قوة مثل: السوق الواسعة والقاعدة الانتاجية القوية واخيرا العملة الموحدة القوية (الاتحاد الاوروبي)، والتكنولوجيا المتطورة جدا (اليابان)، و"مدفعية" السلعة الرخيصة الإغراقية (الصين)، و"الشيوعية" سابقا، والكتلة الرأسمالية الهائلة والغاز والنفط والصواريخ المرعبة وشحناتها الاكثر إرعابا سابقا وحاليا (روسيا). اما المملكة السعودية خصوصا والكتلة المالية العربية ـ الاسلامية عموما فهي تمتلك اوراق قوة، تزاحم بها العملاق الاميركي ـ الصهيوني في عقر داره، اي في قلب اميركا واسرائيل وفي العالم اجمع، لا يمتلكها اي مزاحم آخر. وهذه الاوراق القوة العربية ـ الاسلامية الخاصة هي: الامدادات والاحتياطات النفطية والطاقية، الودائع المالية المودعة في البنوك الاميركية (والتي كان يمكن اذا سُحبت ان ينهار الاقتصاد الاميركي كبناء من كرتون وان تعود اميركا الى ايام كريستوفر كولومبوس)، واخيرا لا آخر: "الاسلام" (الفكرة تتحول الى قوة مادية حينما تتبناها الجماهير ـ ماركس). وحول ورقة القوة "الاسلامية" نقول: لقد وقفت المملكة السعودية "رسميا" جنبا الى جنب اميركا قبل، اثناء وبعد احداث 11/9/2001، ولكن هذا لا يعني "الاطمئنان" الكامل من قبل اميركا. فإذا "حمي وطيس" التناقضات في اي لحظة، واذا ـ لأي سبب كان، يمكن او لا يمكن رصده مسبقا ـ صدرت اي فتوى "غير مرغوب فيها" من قبل اي مرجعية سعودية او بتأثير منها، فإنه سيكون من الصعب جدا لاي طائرة اميركية ان تطير ولا اي باخرة اميركية ان تبحر، بأمان، في اي مكان في العالم، بما في ذلك داخل اميركا، ولا اي سفارة اميركية ان تفتح ابوابها او تغلقها، بأمان، وسيكون من المشكوك فيه ان يستطيع الرئيس الاميركي ذاته ان ينام مرتاحا في اي بقعة داخل اميركا ذاتها. ولا يبقى امامه، كي يطمئن تماما على سلامته وصحته الغالية، الا طلب "الضيافة" (حتى لا نقول اللجوء) لدى العائلة المالكة ذاتها في المملكة السعودية.

    وبكلمات اخرى، فإن الكتلة المالية النفطية ـ العربية/الاسلامية كانت هي القوة الوحيدة القادرة على مضايقة وتهديد الكتلة المالية اليهودية ـ الانغلو/ساكسونية في قلب اميركا بالذات. وفي الوقت ذاته فإنها ـ اي الكتلة المالية العربية/الاسلامية ـ بما تملكه كانت تمثل فريسة دسمة للكتلة المالية اليهودية ـ الانغلو/ساكسونية، يمكن لافتراسها ان يشبع نهم الامبريالية الاميركية ـ الصهيونية المنفلتة من عقالها، وأن يحل الازمة الرأسمالية العالمية لاجل طويل نسبيا.

    ولذلك فإن الوجهة الرئيسية للهجوم الذي تشنه اميركا والصهيونية العالمية في المرحلة التاريخية الراهنة، لاجل الهيمنة على العالم، هي موجهة اولا ضد الكتلة المالية العربية ـ الاسلامية وعلى رأسها المملكة السعودية ودول مجلس التعاون الخليجي.

    وبالرغم من كل تاريخ الصداقة الاميركية ـ السعودية التقليدية، خصوصا منذ ايام اجتماع روزفلت مع مؤسس المملكة عبدالعزيز آل سعود في 14 شباط 1945م تحت "الخيمة العربية!!!" الشهيرة التي دخلت في التاريخ حينما رفعت على متن الطراد الحربي الاميركي كوينسي. وبالرغم من كل الشعارات المرفوعة، ضد "الارهاب" و"العرب ـ الارهابيين" و"الاسلام الارهابي"، والتمييز بينه وبين "الاسلام المعتدل"، فإن الحملة انما تصب في هذا المنحى. وهذه الحملة العنصرية، المعادية للعرب والمسلمين، "اخذت في طريقها" حتى الان نظام طالبان في افغانستان، الذي لم يكن سوى "صنيعة اميركية"، ونظام صدام في العراق، الذي كان نظاما "متعاونا كليا" مع اميركا، اولا في محاربة الشيوعية، وثانيا في محاربة الاكراد والعمل لاجل اخضاعهم وتطويعهم اميركيا، وثالثا في محاربة "الاسلام الايراني ـ الشيعي" المعادي لاميركا.

    ولكن بالرغم من كل هذه "النجاحات الاميركية!!!"، فإنه من الواضح تماما ان الهدف الاخير لهذه الحملة هو المملكة السعودية ذاتها. ذلك ان اميركا لن يطمئن لها بال الا بأن تحكم المملكة السعودية حكما مباشرا لا لبس فيه، ولا "يشاركها!!!" فيه اي "شريك ملتبس!!!"، بما في ذلك العائلة المالكة ذاتها، كما كان "الرئيس" صدام في العراق، او "الشيخ" أسامة بن لادن و"امير المؤمنين" الملا عمر اثناء حكم طالبان في افغانستان. فالمملكة السعودية، وعلى غرار ما كان حكم طالبان في افغانستان بل وأسوأ، تحكم حكما استبداديا باسم "الدين الاسلامي!!!"، وقد حظيت على الدوام بالدعم الاميركي لهذا الحكم. ولكن اميركا اخذت تخشى ان يتم الانقلاب على هذا الحكم، من داخل النظام القائم والعائلة المالكة او من خارجهما (ايضا باسم "الاسلام!!!" او بأية ذريعة سياسية ـ قومية ـ عقائدية اخرى) وان يأتي حكم معاد لاميركا على المكشوف. ولذلك اخذت اميركا تدعم الاتجاه لاجراء "اصلاح دمقراطي!!!" مزيف، مطواع وملائم لمخططاتها الجديدة، في النظام السعودي الحالي. اي التحضير لانقلاب اميركي مكشوف في المملكة السعودية. وهذا ما يدفع هذا النظام اكثر فأكثر نحو فقدان الثقة بالحليف التقليدي ـ اميركا ـ والسير في اتجاهات سياسية "غير مقبولة" ولا تلائم تماما اميركا والصهيونية العالمية.

    ان مثل هذا التعارض في المصالح والارتباطات والاتجاهات دفع تيار اسامة بن لادن وتنظيم "القاعدة" وحتى حركة طالبان الافغانية، للدخول في تناقض تناحري مع السياسة الاميركية. والشيء ذاته ينطبق الان على النظام السعودي، بالرغم من الاختلاف بينه وبين تيار بن لادن وتنظيم "القاعدة". وهذا التعارض المصلحي ـ السياسي، الاميركي ـ البن لادني، والاميركي ـ السعودي، مثله مثل التعارض (في حينه) الاميركي ـ الصدامي، يفسح المجال للمصابين بالعمى السياسي والمغرضين والانتهازيين والمرتدين والخونة الغورباتشوفيين وامثالهم، لأن يضفوا بعض الصفات "الوطنية!!" و"القومية!!" و"الدينية!!" و"النضالية" على بن لادن، والاسرة المالكة السعودية وزبانيتها (ومنهم المرحوم الحريري)؛ كما اضفوها في حينه على الدكتاتور عميل اميركا والعدو اللدود للشعب العراقي والامة العربية: صدام حسين؛ وكما يضفيها بعضهم اليوم على النظام "الشقيق التوأم" لنظام صدام: النظام الدكتاتوري السوري، "الورقة السرية" في يد اميركا. صحيح انه في هذا الحالة ينطبق تماما المثل القائل "حينما يختلف اللصوص، يبان المسروق". ولكن هذا لا يغير ولا يلغي ابدا الطبيعة الحقيقية للصوص وقطاع الطرق لهذه الكتل الطبقية، "الوطنية!!" الداخلية، والامبريالية والصهيونية الخارجية، التي هي واقعيا وتاريخيا، مجتمعة ومتفرقة، العدو اللدود لجماهير الامة العربية والشعوب الاسلامية في كافة اقطارها. واذا كانت هذه الكتل تتحالف فيما بينها احيانا، وتتصارع احيانا اخرى، فليس لاجل "الدمقراطية" و"التحرير" و"الاصلاح" و"تحرير المرأة" و"العدالة الاجتماعية" و"التنمية" وغير ذلك من الاكاذيب، بل من اجل اولوية التسلط على جماهير الامة العربية والشعوب الاسلامية البائسة والمظلومة. ونظرة الى الواقع المأساوي الحالي للعراق (حيث تتسابق هذه الكتل على سحق وقتل ابناء الشعب العراقي المظلوم، باسم "الاسلام!!!" الاميركي، من جهة، وباسم "الدمقراطية!!!" الاميركية، من جهة اخرى) تعطينا فكرة واضحة عن الطبيعة الحقيقية لهذا الصراع.

    ان احداث 11 ايلول 2001 في اميركا كانت مؤشرا دراماتيكيا على قرار الكتلة المالية اليهودية ـ الانغلو/ساكسونية على "القطع" مع الكتلة المالية العربية ـ الاسلامية وافتراسها. وكل التطورات اللاحقة في داخل اميركا وفي المنطقة العربية والاسلامية والعالم، تؤكد هذه الحقيقة.

    وفي هذا السياق بالذات يأتي، على سبيل المثال لا الحصر، اغتيال الشيخ رفيق الحريري، رئيس الوزراء اللبناني السابق.

    وهنا علينا ان نتذكر ان الشيخ رفيق الحريري لم يكن "رجل دولة" عاديا او "رجل مال" عاديا، حتى في الاطار السعودي نفسه. بل هو كان احد ابرز اركان ومهندسي السياسة الدولية، وبالاخص "الشرقأوسطية"، للمملكة السعودية وللكتلة المالية العربية ـ الاسلامية؛ على غرار ما كان يوما، في الشأن النفطي، الشيخ احمد زكي اليماني. وهذا ما كانت تنم عنه علاقاته الدولية الواسعة، وعلى ارفع المستويات. وهو كان يمسك في آن واحد الملفين الدوليين، الاقتصادي والسياسي معا، للمملكة السعودية والكتلة المالية العربية ـ الاسلامية. وهي المرة الاولى التي يجتمع فيها هذان الملفان في يد شخص واحد كما كان الامر لرفيق الحريري. وهذا ما جعله موضوعيا "هدفا ممتازا" للكتلة المالية اليهودية ـ الانغلو/ساكسونية، لا سيما بعد ان مال الشيخ رفيق الحريري، ومعه المملكة السعودية خصوصا بشخص ولي العهد ولاحقا الملك عبدالله بن عبدالعزيز، نحو التحالف وزيادة التعاون مع الكتلة المالية الكاثوليكية ـ الاوروبية/الاميركية، وفتح الخطوط المباشرة مع روسيا والصين واليابان، من خلف ظهر الكتلة المالية اليهودية ـ الانغلو/ساكسونية.

    ان قيادة المملكة السعودية، المعروفة بالحنكة والتحفظ، بعد ان تلقت الضربة الموجهة اليها باغتيال الحريري، احتفظت بضبط النفس، لان اي رد فعل غير مدروس ربما كان سيؤدي الى قلب الطاولة ودخول "لاعبين غير مرغوبين" على الخط. وهذا ما يفسر المراوحة والمماطلة، من قبل "جميع المعنيين"" بما في ذلك القيادة السعودية، في كشف الحقيقة حول جريمة اغتيال الشيخ رفيق الحريري. وستكون "الحقيقة"، على الارجح، هي الضحية الثانية بعد رفيق الحريري. ان تشكيل المحكمة ذات الطابع الدولي يضفي الطابع الدولي الصارخ على الجريمة. الا انه في الوقت نفسه يمثل الاداة المثلى لإخفاء الحقيقة وليس لكشفها. لسبب "بسيط" جدا، وهو ان الكتل المالية العالمية التي تضع نفسها فوق جميع شعوب العالم، بما فيها شعوبها الخاصة، لا يمكن ان تسمح لنفسها بـ"الانحدار" الى مستوى التلهي بـ"الالعاب القانونية" الخاصة "بالصغار"، والخضوع لأي ميثاق او دستور او قانون، دولي او اقليمي او محلي. كما ان القيادة السعودية ذاتها، وعلى طريقة صمت صدام حسين عن فضح اميركا حتى وهو تحت اعواد المشنقة، ليست على استعداد لكشف طبيعة الصراع بينها وبين الادارة الاميركية والكتلة المالية اليهودية ـ الانغلو/ساكسونية. فالقيادة السعودية، الحليف التقليدي لاميركا، والعدو اللدود للحركة التحررية العربية، تعتبر الخلافات بينها وبين اميركا والصهيونية العالمية كخلافات "عائلية"، "داخل البيت الرأسمالي الواحد"، الذي تسعى القيادة السعودية لتحسين مكانها فيه، الا انها في الوقت نفسه تحرص اشد الحرص على ان يظل متين الاركان، وإلا أطيح بالجميع.

    وبالرغم من كل الحملات المجحفة التي شنت في اميركا وخارجها ضد السعودية والسعوديين والعرب والمسلمين، بعد احداث 11 ايلول 2001، وبالرغم من الشكوك الواقعية القوية في طبيعة احداث 11 ايلول، ومنها ـ على الاقل ـ غياب كل العاملين اليهود في مركز التجارة الدولية يوم 11 ايلول 2001، فإن السعودية والدول الخليجية الحليفة لاميركا بقيت تلزم الصمت، وبقيت تحتفظ بأموالها الطائلة في البنوك والاسواق المالية الاميركية، كـ"بادرة حسن نية" ورغبة في اعادة المياه الى مجاريها مع الكتلة المالية اليهودية ـ الانغلو/ساكسونية. ولكن هذا التصرف كان تصرفا غبيا جدا، وكما يقول المثل العربي "غلطة الشاطر بألف غلطة". ففي حين كانت الكتلة المالية العربية ـ الاسلامية تبدي الحرص على الاسواق المالية الاميركية والاقتصاد الاميركي، كانت الكتلة المالية اليهودية ـ الانغلو/ساكسونية تخطط لسلب الكتلة المالية العربية ـ الاسلامية كل ما تملك في الاسواق الاميركية. واذا كانت الكتلة المالية اليهودية ـ الانغلو/ساكسونية قد افترست فيما مضى "النمور الاسيوية" بواسطة الالاعيب المالية والسوقية، فبالطريقة ذاتها تم مؤخرا افتراس كل ودائع الكتلة المالية العربية ـ الاسلامية في اميركا، وهي تقدر بمئات الوف مليارات الدولارات. ان تباشير الازمة كانت تلوح في الافق منذ اشهر، وعشية انفجار الازمة العقارية والازمة البنكية قام المتمولون اليهود بسحب اموال طائلة من البنوك "المرشحة للافلاس"، ونقلت مئات الاطنان من صناديق الاموال الى... اسرائيل، ووضعت في المخابئ السرية التحت ارضية، تحميها قوات استثنائية بما فيها السلاح الصاروخي والنووي الاسرائيلي؛ لاخراجها واستخدامها لاحقا لتنفيذ مشروع "اسرائيل الكبرى". وفي حين كان الخبراء والسماسرة اليهود واجهزة المخابرات الاسرائيلية تحضّر لسيناريو الازمة المالية ـ العقارية ـ البنكية، ولتهريب الاموال الى اسرائيل، كان يتم خداع المتمولين العرب والمسلمين لتوجيه اموالهم نحو القطاع العقاري والبنكي والمالي بالذات، المشرف على الافلاس. ومن الملفت للنظر جدا ان ايا من المستشارين الماليين، وشركات السمسمرة التي يعمل معها المتمولون العرب والمسلمون لم تقم بتنبيههم قبل فوات الاوان عن طبيعة الاسواق وحقيقة ما يجري، بل على العكس كان هؤلاء "المستشارين" يدفعون المودعين العرب دفعا نحو الحفرة التي كانت تحفر لهم.

    ان هذه النهاية المفجعة للودائع والرساميل المالية العربية ـ الاسلامية في اميركا، هي نتيجة منطقية لوقوع الكتلة المالية النفطية ـ العربية/الاسلامية في احابيل السياسة المالية للامبريالية الاميركية ـ الصهيونية.

    فقد اعتمدت تلك السياسة شتى السبل لاغراء الرساميل العربية ـ الاسلامية المتجمعة من "فوائض" عائدات النفط، وجذبها الى اميركا، للحؤول دون استثمارها في البلدان العربية والاسلامية والمساهمة في تطويرها. ولسنوات طويلة اعتمدت اميركا سياسة الرفع التدريجي للفائدة البنكية، لجذب الودائع الخارجية، وكانت الفائدة البنكية الاميركية تقليديا ولسنوات طويلة اعلى من الفائدة البنكية السويسرية والاوروبية واليابانية الخ. وحينما انتفخ القطاع البنكي الاميركي بالودائع اصبح من المحتم ضرورة ايجاد ابواب توظيف واستثمار لتوظيف جزء متزايد من الودائع، لتأمين دفع الفوائد لها والاستفادة بجني ارباح اضافية منها. ونظرا لطبيعة هذه الودائع، بوصفها ودائع وليست رساميل توظيفية واستثمارية، جرى توجيهها في القطاعات المالية والاستثمارية التي يمكن "استرجاعها" فيها غب الطلب. ولهذا وجه توظيف هذه الودائع في ثلاث قنوات رئيسية هي:

    ـ1ـ سندات الخزينة الاميركية؛ حيث ان الدولة الاميركية، نظرا لسياستها الدولية والتزاماتها العسكرية والسياسية والامنية والاعلامية الكبرى كانت على الدوام بحاجة الى انهار من الرساميل لتغطية نفقاتها الاسطورية المتزايدة. ولمنع الاعتماد فقط على طباعة كميات متزايدة من العملة الورقية، والتعرض لخطر تضخم منفلت؛ اعتمدت سياسة الاصدارات المتواصلة للسندات على الخزينة الاميركية، بحيث اصبحت الدولة الاميركية مدينة اكثر بكثير من الدخل القومي الاميركي. وبهذه الطريقة اصبح اصحاب الودائع غير قادرين على سحب اموالهم بسهولة، الا انهم قادرين على "تسييلها" اي بيع اسهمهم، ولكن في السوق المالية الاميركية بشكل شبه حصري. اي ان اميركا كانت تضمن ان تسعة اعشار، اذا لم يكن اكثر، عائدات النفط، لن تخرج من اميركا، بل ستبقى داخل الدورة المالية الاميركية.

    ـ2ـ الباب الثاني لـ"التوظيف" هو التوظيف في قطاع الخدمات الذي لا يحتاج الى رأسمال ثابت كبير (بنية تحتية وآلات وانشاءات كبيرة ومكلفة)، كالصناعة السياحية والفندقية، ونوادي القمار والترفيه والتسلية وما اشبه، وصناعة الاعلام والتمثيل والغناء والاتصالات والراديو والتلفزيون والكومبيوتر وما اشبه.

    ـ3ـ صناعة البناء والقطاع العقاري، نظرا لاتساعه الكبير ، وقدرة التلاعب فيه، مع وجود "ضمانات" اكبر فيه، باعتبار ان العقار، ولا سيما الارض يظل اكثر مضمونية من اي "ضمانات" اخرى تقدم للقروض البنكية.

    وحصر "الاسهم" العربية ـ الاسلامية في هذه القطاعات، بالاضافة الى الودائع الاسمية في البنوك، سهل على الكتلة المالية اليهودية ـ الانغلو/ساكسونية مؤامرة شفطها وابتلاعها بضربة واحدة خلال الازمة العقارية ـ البنكية المفتعلة.

    وفي الوقت نفسه عمدت الكتلة المالية اليهودية ـ الانغلو/ساكسونية الى توجيه الضربة الاقتصادية الثانية للكتلة المالية النفطية ـ العربية/الاسلامية، عن طريق التلاعب باسعار النفط. فمن الملاحظ انه بالترافق مع انفجار الازمة المالية في اميركا، تم تخفيض اسعار النفط الى اقل من نصف السعر الذي كان قد وصل اليه. وتفكر "الاوبك" الان بتخفيض تدريجي للانتاج من اجل لجم انحدار سعر النفط. ولكن "الاوبك" الان ينطبق عليها المثل القائل "في الصيف ضيعت اللبن". فإن قرار رفع او خفض اسعار النفط، على الاقل على المدى القريب والمتوسط، قد خرج من يد "الاوبك" واصبح في يد الكتلة المالية اليهودية ـ الانغلو/ساكسونية، التي ـ في اتجاهها لافتراس واخضاع الكتلة المالية العربية/الاسلامية ـ عمدت منذ سنوات الى انتهاج السياسة التالية:

    ـ كانت شركات النفط الاميركية تخزن مخزونا استراتيجيا ضخما من النفط، في ناقلات النفط العملاقة، التي يتم تجميعها في اعالي البحار وحمايتها بواسطة الاسلحة الاستراتيجية البحرية والجوية الاميركية، ومؤخرا (بعد احتلال العراق، ونهب نفطه بواسطة البيشمركة البارزانية ـ الطالبانية وغيرها من عصابات "لصوص الوطن")، جرى ويجري نقل النفط العراقي الخام وسكبه في الابار الاميركية الجافة. وهذا "الاحتياط الستراتيجي" لم يكن يتم تجميعه بهدف الاحتياط من الكوارث الطبيعية وشح النفط الخ، بل من اجل التحكم بسياسة الاسعار، وموازنة وتخريب مخططات وسياسة منظمة الاوبك (في الاسعار والانتاج). وللتحكم بعائدات الدول النفطية، ومنعها من ان ترسم سياسة اقتصادية ثابتة ومستقرة لدولها وبلدانها.

    وباستخدام مقص: رفع وتخفيض اسعار النفط، بالتناغم مع رفع وتخفيض اسعار الدولار (الذي يسعر به النفط)، فإن الشركات المالية والنفطية الاميركية كانت "تنهب" من الدول النفطية في الحالتين: في حالة رفع اسعار النفط وانخفاض سعر الدولار (اذ ان ما تربحه الدول النفطية في رفع سعر النفط، تخسره في تخفيض اسعار الدولار الذي يشمل ليس فقط النفط المباع حديثا، بل كل كتلة الودائع والاسهم والسندات الدولارية الخاصة بتلك الدول)، (وما تربحه تلك الدول في رفع سعر الدولار، تخسره في خفض سعر النفط). ونرى اليوم هذه اللعبة بالعين المجردة، إذ انه جرى في الاسابيع القليلة الماضية رفع سعر الدولار حوالى 25%، وبالمقابل جرى تخفيض سعر النفط حوالى 50%، علما انه لا انتاج النفط ازداد 50% كي نقول ان العرض ازداد 50%، ولا استهلاك النفط انخفض 50% كي نقول ان الطلب انخفض 50%).

    وبمقابل الخسائر الكبرى التي تحملتها الدول العربية التي تمتلك ودائع ومدخرات دولارية، فلا يمكننا الا ان نأخذ بعين الاعتبار ان هذه الدول تدخل بشكل عام في ما يسمى "منطقة الدولار" والاستيراد هو من منطقة الدولار (خاصة: الولايات المتحدة الاميركية، اليابان، كوريا الجنوبية، تايوان و... الصين الشعبية). وقد حصلت طبعا بعض الفوائد عن طريق الاستيراد من هذه الدول بالدولار "المخفض". ولكن هذه الفائدة كانت ضئيلة جدا جدا، لان غالبية استيراد هذه الدول هو لسلع ومواد استهلاكية غذائية وغيرها، لا تدخل من جديد في دورة الاقتصاد الوطني لا كرأسمال ثابت (منشآت وآلات) ولا كمواد خام او مواد للتدوير الصناعي، مما يساعد على زيادة الدخل الوطني وتقوية قدرة السلع المنتجة محليا على المزاحمة في الاسواق الخارجية اذا كان تم اعادة تصدير هذه السلع.

    ان سلب الودائع والمدخرات العربية ـ الاسلامية في اميركا، ونهب النفط العربي ـ الاسلامي، بكل ما يترتب على ذلك من اضعاف القدرات المالية للسعودية ودول الخليج العربي، سيؤدي حتما الى اضعاف وتقويض مكانتها السياسية. وهذا ما يفسح المجال الان للامبريالية الاميركية ـ الصهيونية للدخول بقوة في المرحلة التالية من مخطط افتراس منطقة الشرق الاوسط الكبير، وهي مرحلة التفتيت والابتلاع.

    وقد راجت مؤخرا في اجهزة الاعلام العربي عبارة "تفتيت المفتت" و"تجزئة المجزأ". ولنلق نظرة عامة على هذا المخطط:

    حينما أنشئت دول "اتفاقية سايكس ـ بيكو"، كانت الدول الاستعمارية على عجلة من امرها، وقد حشرها حينذاك اندلاع ثورة اكتوبر الاشتراكية في روسيا، التي فضحت تلك "الاتفاقية" بين قطاع الطرق الاستعماريين والصهاينة . فتم حينذاك تقطيع اوصال الامة العربية، وتركيب الدول والدويلات القطرية "العربية" بأسرع ما يمكن. ولهذا انشئت دول منمنمة او دول عائلية، على قياس بعض آبار النفط، او على قياس عباءة او سيوف بعض شيوخ العشائر، كما جرى خصوصا في الخليج. ولكنه في الوقت نفسه انشئت، بناء على التقسيمات الادارية الموروثة من العصر العثماني، دول "كبيرة" (سكانيا) وعريقة تاريخيا مثل مصر، او متوسطة سكانيا ولكنها غنية الموارد وذات طابع روحي مثل المملكة السعودية، او كبيرة وغنية مثل العراق، او صغيرة ولكنها ذات طابع حضاري مميز مثل فلسطين ولبنان. هذا من جهة، ومن جهة ثانية، ففي مرحلة النضال ضد الاستعمار التقليدي في لبنان وسوريا ومصر والاردن والجزائر الخ الخ، وكذلك في الصراع الفلسطيني/العربي ـ الاسرائيلي، نشأت وتقوت الروح الوطنية العربية ولو في أطر وقوالب قطرية.

    وهذان العاملان:

    ـ1ـ وجود دول قطرية عربية قوية، اقتصاديا او سياسيا او عسكريا او روحيا؛

    وـ2ـ انطلاق الروح الوطنية العربية ـ القطرية؛

    لا ينسجمان بأي شكل من الاشكال مع خطة تحويل الشرق الاوسط الكبير الى منطقة مالية ـ تجارية "مفتوحة الاجواء" حسب تعبير الشيخ رفيق الحريري. ذلك ان وجود مثل هذه "المنطقة المفتوحة"، في الظروف الراهنة، وفي تقسيمات "سايكس ـ بيكو" ذاتها، لن يكون تحت السيادة الاميركية ـ الصهيونية المطلقة؛ بل سيكون في كل لحظة تحت رحمة "نزق" وتقلب اي دكتاتور او حاكم اقليمي قوي كصدام حسين او "تعالي" و"عنجهية" ملك ما كعبدالله بن عبدالعزيز، والاخطر: تحت رحمة اي حركة وطنية واسلامية نضالية صادقة كحزب الله، او ارهابية مشبوهة ومتقلبة وغدارة كالقاعدة، وغيرهما.

    ولهذا فإن الشرط الاول لتحقيق "المنطقة المالية ـ التجارية المفتوحة" في الشرق الاوسط هو: تفتيت المنطقة تفتيتا تاما، التدمير والقضاء التام على المجتمع العربي بمعناه الحضاري والتاريخي والسياسي، والمسخ التام لمفهوم المواطنة بمعناه الوطني والدولوي والحقوقي؛ وتحويل بقايا المواطنين الى "سكان" و"مقيمين" مثلهم مثل اي مقيم طارئ. وما على هؤلاء "المقيمين" الا ان يشكروا ربهم على السلامة من المجازر الطائفية والعشائرية والحزبية والسلطوية، وان يشكروا الميليشيات "التكفيرية" المشبوهة واجهزة المخابرات المجرمة العميلة، على توفير رقابهم من الذبح وجلودهم من السلخ واعراضهم من الفضح، وان يقبـّلوا ايادي اولياء النعمة (اصحاب البنوك والوكالات التجارية وفنادق الالف ليلة وليلة ونوادي القمار والمواخير الملكية، جنبا الى جنب قطيع المخنثين من ملوك ونجوم "الفن" و"الاعلام" الممسوخ) كي يقبلوا بهم ويدعوهم يعيشون "بسلام" حراسا وخدما ومنظفي مراحيض لدى الامراء والباشوات والبكوات والافندية والخواجات و"ريـّاس" المافيات والسياسيين الخونة والقوادين والعاهرات وحتى "الغلمان" المستقدمات والمستقدمين من مشارق الارض ومغاربها. وهذا يعني ان المشروع الاميركي ـ الصهيوني الجديد للمنطقة (الذي عمدوه باسم مزدوج هو: "الفوضى البناءة" و"نشر الدمقراطية") يقتضي اعادة رسم خريطة المنطقة على القاعدة التالية: ارض (جغرافيا) بلا هوية وطنية او قومية، وسكان مقيمون كافراد (لا كشعب) بلا انتماء وطني او ديني او عقائدي، وبلا شرف ولا كرامة شخصية، وبلا حقوق انسانية ايا كانت.

    وعلينا ان نعترف، بكل اسف، انه، لتحقيق هذه الخطة الجهنمية، فإن اجهزة المخابرات الغربية عامة والاميركية والاسرائيلية خاصة، وبالتعاون مع الانظمة العربية العميلة والمشبوهة و"الاسلام!!!" النفطي، استطاعت ليس فقط ان تمد اذرع اخطبوطها لدى كل المركـّبات التقليدية للمجتمعات العربية والاسلامية، بل بالاخص ان تركـّب ايضا عدة شبكات و"ادوات عمل" وحركات (اسلامية!!) (بدءا من حركة "طالبان" و"المجاهدين الافغان" وغيرهم، وانتهاءا بـ"فتح الاسلام!" في لبنان). وتقوم اجهزة المخابرات الغربية والصهيونية، بالتعاون مع هذه "الشبكات" و"الادوات"، بتحقيق المهمات الاساسية التالية:

    أ ـ الامعان في عملية تمزيق وتفتيت وتدمير المجتمع العربي والاسلامي، عن طريق "التكفير" وقتل ابناء المذاهب الاخرى، وخصوصا المثقفين والتقدميين والمسيحيين وغيرهم من ابناء "الاقليات" الدينية والقومية، وخطف وقتل المدنيين الاجانب الذين لا علاقة لهم بالاحتلال بمن فيهم اصدقاء العرب والقضية الفلسطينية والعربية، واضطهاد وقتل النساء، ونسف دور العبادة، والمدارس، والاسواق الشعبية، والذبح وقطع الرؤوس والتعذيب والتمثيل بالجثث.

    ب ـ اختراق المقاومة الوطنية والاسلامية الشريفة للاحتلال الاميركي والاسرائيلي، تسهيلا لسحقها. ولهذه الغاية، ومن اجل التضليل المخابراتي، فإن اجهزة المخابرات الاميركية والاسرائيلية تسمح في بعض الحالات للشبكات المرتبطة بها بالمشاركة ببعض العمليات المحدودة ضد قوات الاحتلال. ولكن المؤشر العام لـ"نشاط" هذه الشبكات هو على وجه التحديد توجيه الصراع في "الاتجاه الآخر"، اتجاه الاجرام والارهاب الاعمى والفتن والنزاعات الداخلية، البعيد كل البعد عن الصراع مع قوات الاحتلال ومع الامبريالية والصهيونية. ومن الامثلة الصارخة على ذلك: ان عمليات "الطالبان" ضد الاحتلال الاميركي والاطلسي لافغانستان لم تخرج الى الان عن المستوى الرمزي والفولكلوري، الذي يهدف الى الاجهاض المسبق لاي مقاومة شعبية حقيقية واسعة للاحتلال، اكثر بكثير مما يهدف الى ممارسة الضغط على الاحتلال وطرده، والذي يهدف في الاخير الى اقتسام المغانم (وخصوصا: زراعة وتجارة الافيون) والسلطة مع الاحتلال ذاته. والشيء ذاته واكثر ينطبق على شبكة "القاعدة" في العراق، التي توجه سلاحها نحو الفتنة الداخلية وضد الشيعة والمسيحيين والصابئة والشيوعيين والاكراد؛ كما انها ـ اي "القاعدة" ـ لا تزال حتى الان "تبحث" عن الاحتلال الاسرائيلي لفلسطين، ولا تستطيع ان تجده (!!؟؟). اما المجموعة المشبوهة "فتح الاسلام!!" التي ظهرت مؤخرا في لبنان (التي "جمعت المجد من كل اطرافه" حيث يرتبط زعيمها " شاكر العبسي" بالمخابرات الاردنية، وهي كانت تتلقى المساعدات التسليحية من النظام الدكتاتوري السوري والمساعدات المالية والتغطية السياسية من كتلة الحريري) فإنها لم تجد عدوا لها في لبنان سوى الجنود البسطاء للجيش اللبناني، الذين قامت بذبحهم بشكل غادر على طريقة الزرقاوي في العراق. وقد استخدمت هذه المجموعة كأداة للتحريض ضد اللاجئين الفلسطينيين ولاثارة فتنة لبنانية ـ فلسطينية.

    ج ـ اعطاء صورة سلبية قاتمة جدا عن الاسلام، تكثف وتجسد أبشع ما في التاريخ المملوكي والعثماني والامامي (اليمني) من ممارسات رجعية بشعة (باسم الاسلام!!). والهدف: اظهار الاسلام، كدين وكنظام حكم وكسلوك اجتماعي، بأنه حالة ظلامية متخلفة ووحشية لا علاقة لها بالحضارة الانسانية، وذلك بهدف تسويد وجه النضال الوطني للجماهير الشعبية الاسلامية ضد الاحتلال والاستعمار والامبريالية والصهيونية، وتبرير السياسة العدوانية والحروب التدميرية ضد الشعوب العربية والاسلامية، وإظهار سياسة الهيمنة الاميركية بمظهر "المنقذ" للعرب والمسلمين.

    د ـ واذا اخذنا العراق نموذجا، فإن هذه الخطة الجهنمية تقتضي، فيما تقتضي، كما اسلفنا، تدمير وتفتيت جميع الدول والجماعات العربية التي تمتلك حدا ادنى من القوة المالية والاقتصادية والدينية والسياسية. ويأتي على رأسها حاليا تدمير الدولة العراقية السابقة ككل، وتفتيت كل مقوماتها القومية والاتنية والدينية كل على حدة. ولا يستبعد تجزئة العراق الى دويلات "امر واقع" عدة، ولو لم تعلن رسميا (على طريقة "دولة" كوسوفو، التي يتزعمها المدعو هاشم تاجي، المتاجر بالاسلام، والذي هو في الحقيقة عميل للمخابرات الاميركية ورجل مافيا مجرم سفاح ومهرب مخدرات وتاجر نساء ومسروقات). ويمكن ان يتم تسليم المنطقة الكردية والتركمانية وبعض المناطق السنية في الشمال الى النظام الفاشي التركي الموالي لاميركا. اما الشيعة والاكراد والاثوريون فسيعمل على سحقهم وتمزيقهم شر ممزق، لان الامبريالية لا تقبل النزعة التحررية والاستقلالية والتقدمية التي تطبع التاريخ النضالي للجماهير الشعبية لهذه الفئات، بصرف النظر عن المواقف الخيانية الحالية لبعض القيادات التي ستذهب عاجلا او آجلا الى مزبلة التاريخ، "رجلها على رجل" الاحتلال مهما طال او قصر زمنه.

    هـ ـ كانت الامبريالية الاميركية واسرائيل تحضران لهجوم غادر جديد على ايران، على غرار الهجوم على افغانستان والعراق. ولكن هذا المخطط تأخر، اذا لم يكن قد صرف النظر عنه، بسبب المصاعب التي يواجهها الاحتلال في العراق وفلسطين ولبنان. ولكن الامبريالية الاميركية والصهيونية لديهما خطة بديلة، وهي تفتيت ايران من الداخل، بواسطة النزاعات الاتنية والقومية والمذهبية والسياسية، على طريقة تفتيت العراق. وهما بذلك سيستفيدان من الاخطاء التي يرتكبها النظام الايراني والصعوبات التي يواجهها.

    و ـ كما تتجه الامبريالية والصهيونية كذلك لتفتيت واضعاف دولة باكستان ذاتها. وكان اغتيال بنظير بوتو مؤشرا قويا على ذلك. فالامبريالية لا تريد اي دولة عربية ـ اسلامية قوية، باستثناء تركيا، التي اثبتت تاريخيا، منذ ايام الصليبيين، انها عدو لدود للشعوب العربية والاسلامية، على قدم المساواة مع الاستعمار الغربي والصليبية والصهيونية.

    ز ـ وبالرغم من كل المظاهر الخادعة، ستلجأ الامبريالية الاميركية للتعاون مع اكثر الجماعات رجعية وتخلفا وظلامية. وقد اعلنت الادارة الاميركية مؤخرا عن الاستعداد للتفاوض مع الطالبان. وهذا اول الغيث.

    ح ـ ان النموذج الذي تريد الامبريالية الاميركية والصهيونية تعميمه في البلاد العربية والاسلامية هو "النموذج العراقي" و"النموذج الصومالي" الحاليان؛ حيث تسرح وتمرح عصابات القتل واللصوصية والقرصنة.

    ط ـ وبحجة حماية الامن والسلام، فإن الامبريالية الاميركية والصهيونية، وخصوصا بما لديهما من نفوذ في الامم المتحدة والاتحاد الاوروبي والناتو، ستلجآن الى زيادة تواجد القوات المسلحة الاجنبية في البلاد العربية والاسلامية، بمختلف الحجج والذرائع، توصلا الى "تدويل" منطقة الشرق الاوسط الكبير. وعلى هذا الصعيد سيكون من الغباء المطلق من قبل اي كان ان يعتقد ان الجيش الاميركي سيخرج من العراق. فالخطة الامبريالية تدفع باتجاه ان يطالب "العراقيون" انفسهم بوجود الجيش الاميركي، من اجل "الحماية" من العصابات الطائفية والاجرامية الخ. والشيء ذاته بالنسبة للصومال، وربما وصل الامر الى اعلان البحر الاحمر "منطقة دولية" بحماية "قوات امن دولية"، والشيء ذاته يمكن ان يتكرر في الخليج العربي ـ الفارسي، وحتى في قناة السويس.

    ي ـ وليس من المستبعد طلب وضع "قوات سلام دولية" على الحدود اللبنانية ـ الفلسطينية المحتلة، تعد عشرات الالاف، من اجل "الحماية المتبادلة" للبنان واسرائيل. وكذلك وضع قوات دولية مشابهة على اراضي الدولة الفلسطينية العتيدة بحجة "حماية" الفلسطينيين من بعضهم البعض، و"الحماية المتبادلة" مع اسرائيل.

    ولاجل انجاح هذا المخطط الجهنمي، سيتم طبعا استخدام الوف مليارات الدولارات التي نهبت وتنهب من الكتلة المالية النفطية ـ العربية/الاسلامية، والتي تم ويتم تجميعها في اسرائيل، التي ستصبح "محجة" لشتى انواع العملاء من عصابات الاجرام واللصوصية والرجعية والظلامية، الذين يأتون ويذهبون الى اسرائيل لتلقي التوجيهات و"بدلات الاتعاب".

    وهذا هو على وجه التحديد "السلام الاسرائيلي".

    واذا كانت عبارة "السلام" قد اصبحت شعار المرحلة الراهنة في الصراع العربي ـ الاسرائيلي، فهذا لا يبشر بأي خير، ولا يعني البتة ان المنطقة ستتجه نحو الهدوء، ونحو استتباب السلام الحقيقي، القائم على العدل واعادة الحقوق التاريخية للشعب الفلسطيني في وطنه، والاتجاه نحو اعادة البناء والازدهار والتقدم الاقتصادي والاجتماعي والانساني لشعوب المنطقة. بل ان العكس هو الصحيح.

    لقد كان دخول الاستعمار التقليدي الى المنطقة، وتقسيمها الى دويلات بموجب "اتفاقية سايكس ـ بيكو" و"وعد بلفور"، وبالا على الشعوب العربية وعلى العالم بأسره.

    وان "السلام الاسرائيلي" الذي تريد الآن الكتل المالية العالمية فرضه على الشعوب والدول العربية هو أشد وبالا من اتفاقية سايكس ـ بيكو ذاتها، وهو اشبه شيء بما جرى ويجري في الكونغو وغيره من البلدان الافريقية، حيث تتم ابادة السكان بواسطة بعضهم البعض، تمهيدا للاستيلاء على اراضيهم فارغة.

    Xxx

    خلاصة:

    انفجرت الازمة الرأسمالية العالمية الدورية في 1907، وتمخضت عن الحرب العالمية الاولى؛ وتحولت الى ازمة اقتصادية ـ سياسية مستمرة. وطوال القرن العشرين، وبشكل اكثر تحديدا منذ 1918، تاريخ التدخل العسكري الاستعماري (14 دولة) ضد الجمهورية السوفياتية الفتية، ثم الهجوم الهتلري على الاتحاد السوفياتي، ثم "الحرب الباردة"، وحتى اليوم الاخير في 1999، تاريخ استقالة يلتسين من رئاسة الجمهورية الاتحادية الروسية، حاولت الامبريالية العالمية حل ازمتها المستمرة على حساب روسيا، كدولة وكشعب، بحجة مكافحة الشيوعية. ولكن الامبريالية العالمية فشلت فشلا ذريعا في تحقيق هدف استعمار روسيا، وإن كانت نجحت (اولا واساسا بفضل خيانة الستالينية والنيوستالينية) في اسقاط الحل الاشتراكي لازمات المجتمع العالمي المعاصر، وهو ما كانت دشنته ثورة اوكتوبر الاشتراكية العظمى في روسيا. بل يمكن القول (بخصوص العلاقة التناحرية الغربية ـ الروسية، التي تضرب بجذورها في عمق التاريخ) ان السحر قد انقلب على الساحر، حيث انه اصبح من الجنون المطبق اليوم ان تفكر اي دولة او حلف استعماري غربيين في غزو واستعمار روسيا. وبالعكس فإن روسيا "القومية ـ الرأسمالية" اليوم اصبحت تشكل خطرا وجوديا على مصير الرأسمالية والامبريالية الغربية والصهيونية.

    ومع انفجار الازمة الحالية للرأسمالية العالمية، التي كانت اولى واكبر ضحاياها الودائع العربية ـ الاسلامية في اميركا، ينكشف تماما التوجه الامبريالي ـ الصهيوني العالمي نحو حل الازمة الرأسمالية الامبريالية العالمية على حساب منطقة الشرق الاوسط الكبير، وفي القلب منها المنطقة العربية، ليس بتشديد درجة استغلال هذه المنطقة، بل بافتراسها بوحشية تماثل وحشية افتراس اميركا (بعد "اكتشافها") وابادة سكانها الاصليين (الهنود الحمر) والاستيلاء على ارضهم و"تغريبها" تماما. وترفع الامبريالية الغربية والصهيونية شعار "مكافحة الارهاب، والاسلام الارهابي" لتبرير هذا التوجه. ومثلما قام "يوسف" في التاريخ القديم (كما تقول التوراة) بتجويع المصريين وسلب مقتنياتهم ودوابهم وارضهم وتحويلهم الى عبيد لفرعون، كي يبقوا على قيد الحياة، ويعيشوا "بسلام"؛ فإن الامبريالية العالمية والصهيونية في توجهها لغزو وافتراس ونهب منطقة الشرق الاوسط، تضع اليوم الامة العربية، بالاخص، امام خيارين:

    ـ اما الزوال من الوجود تماما، بواسطة الاحتلال الخارجي، والاقتتال الداخلي، واستيلاء "شعب الله المختار" على الارض العربية بعد تفريغها من سكانها الاصليين.

    ـ واما التحول الى مجموعات من العبيد في خدمة الامبريالية الاميركية والصهيونية العالمية تحت شعار "السلام" مع اسرائيل.



    ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ

    * كاتب لبناني مستقل​
    http://www.arabswata.org/forums/showthread.php?t=35025
     

Partager cette page