بين "يا رب" و"الحمد لله" نفس مطمئن

Discussion dans 'Nouvelles (9issass 9assira) & Chroniques' créé par Psy, 13 Février 2008.

  1. Psy

    Psy Visiteur

    J'aime reçus:
    71
    Points:
    0
    محمود سعيد مهدي

    ما من إنسان فينا إلا ويعيش الأمرين المتناقضين هذا فترة وهذا فترة أخرى، كالفقر والغنى، كالحزن والفرح، كالضعف والقوة، كالعزة والمذلة، كالطاعة وما يتبعها من نور في القلب وكالمعصية وما يلحقها من عتمة فيه، وأحسب أن من قال: "وبضدها تُفهم الأشياء"، أحسبه لم يقلها دون سابق تجربة؛ ذلك أنه لا يعرف قيمة الشمعة المضيئة إلا مَن تخبَّط في دياجير الظلام.

    وكلنا تتبادله الأدوار في دنيا المتناقضات؛ فنجد أنفسنا أحيانًا وقد ارتسمت على وجوهنا علامات الحزن والغم وأثقل الهمُّ صدورنا، وضاقت علينا الأرض بما رَحُبَت، وأوصدت كل الأبواب في وجوهنا فأعجزنا الضعف وأضعفنا العجز، فإذا بنا في مشهد بسيط دون تكلف فيه نرفع أيدينا إلى السماء ونقول "يا رب".

    وأحيانًا أُخرى تنفتح علينا الدنيا مطيعة لأمرنا فينقلب الغم إلى فرحة، وتتحول علامات الحزن والأسى إلى ابتسامات جميلة، وينشرح الصدر بعد ضيق فنذكر أيامنا التي ولّت وأيامنا هذه فإذا بنا بكل تواضع نقول "الحمد لله".

    مشهد من الطفولة


    وما بين "يا رب" و"الحمد لله" نفس مطمئنة القلب، عالية الهمة، قوية الإرادة، عظيمة الاحتمال، وعند هذه اللحظة لا تقف تفاعلات الحياة بل تمتد أيدينا إلى من هم الآن في مثل حالنا بالأمس فجوعهم رغم شبعنا يؤلمنا، ومرارة حرمانهم رغم كفايتنا نتجرعها، فنسعى بأنفسنا لمساعدتهم كما ساعدنا بالأمس غيرُنا، ونحاول رسم البسمة على وجوههم ونسكنها في قلوبهم كما فعل السابقون معنا.

    أذكر مشهدًا من حياة الطفولة أسير ذاكرتي رغم مرور السنين الطوال عليه:

    خرجت وأبي المريض رَحِمه الله من عند الطبيب وليس معه ثمن أدوية علاجه فعدنا إلى البيت وهو يُصارع المرض، ورحت أنا في جوف الليل أتوجه إلى السماء باكيًا وأقول: "يا رب"، ثم أذكر أيامي هذه التي أقل ما فيها أنني أملك قوت يومي ولساني ينطق ويقول: "الحمد لله".

    الآن تنطلق من قلوبنا كلمات الشكر والحمد وبالأمس كنا من المبتلين فصبرنا بفضل الله وحده، وهكذا دون دوام، نتبادل الأدوار في مسرح الحياة الكبير وفي دنيا المتناقضات دون أن ندري غدًا مَن فينا يكون مكان مَن؟! وصدق الحقُّ إذ يقول: {وَتِلْكَ الأيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ} [آل عمران:140].
     
    1 personne aime cela.

Partager cette page