تحريضات كيسنجر ضد الخليج

Discussion dans 'Nouvelles (9issass 9assira) & Chroniques' créé par @@@, 21 Septembre 2008.

  1. @@@

    @@@ Accro

    J'aime reçus:
    252
    Points:
    83
    عبد الباري عطوان

    22/09/08
    يحلو لبعض المسؤولين الخليجيين، والسعوديون منهم على وجه الخصوص، اتهام اي كاتب او صحافي عربي يحاول انتقاد انظمتهم، ونقاط القصور فيها، بالغيرة والحسد من الثروات التي انعم الله عليهم بها، ولكن ان يأتي الحسد هذه المرة، وفي ابشع صوره، من شخص مثل الدكتور هنري كيسنجر وزير الخارجية الامريكية الاسبق، ويأخذ طابعا تحريضيا صرفا ضد هذه الدول بسبب ما يتراكم لديها من عوائد نفطية متضخمة، فإن الامر يحتاج الى وقفة تأمل جدية، لبحث العواقب والاهداف التي تكمن خلف هذا التحريض، للعمل على التصدي لها، أو التدبر بشأنها، لتقليص الخسائر اذا لم يتأت منعها.
    العالم الغربي الرأسمالي يعيش اليوم أزمات اقتصادية هي الاضخم منذ الأزمة الاقتصادية العالمية الكبرى قبل مئة عام تقريبا، وبالتحديد في العشرينات من القرن الماضي، فالنظام المصرفي الذي هو العصب الرئيسي للاقتصاد الرأسمالي، يواجه الانهيار الكامل، الامر الذي دفع الادارة الامريكية لضخ سبعمئة مليار دولار لانقاذه، والاسواق المالية المرتبطة به، وهذا لا يعني ان الانهيار سيتوقف، حسب فتاوى الخبراء الاقتصاديين الغربيين انفسهم.
    الخطورة لا تكمن في انهيار النظام المصرفي الغربي الرأسمالي وانعكاساته على الاقتصاديات العربية المرتبطة به فقط، فهذا امر متوقع في ظل العولمة الاقتصادية، وانتصار مفهوم اقتصاد السوق، ولكنها تكمن ايضا في محاولة تحميل الدول العربية، والنفطية منها بالذات، مسؤولية هذا الانهيار، تماما مثلما حدث في اوائل السبعينات من القرن الماضي، عندما ادت حرب اكتوبر (رمضان) التي نقترب من ذكراها الخامسة عشرة، الى ارتفاع اسعار النفط عدة اضعاف بعد القرار العربي التاريخي باستخدام هذه السلعة الاستراتيجية كسلاح في الحرب، لدعم دول المواجهة العربية التي ارادت استرداد الكرامة العربية المهدورة في حرب حزيران (يونيو) عام 1967، ومحو آثار الهزيمة ولو جزئيا.
    فعندما يقول هنري كيسنجر في مقالته التي نشرتها صحيفة 'الهيرالد تريبيون' الامريكية، ان ارتفاع اسعار النفط مؤخرا ادى الى نشوء اكبر ظاهرة في التاريخ لانتقال الثروات من منطقة بالعالم (الغرب) الى اخرى (دول اوبك)، الامر الذي ستكون له آثار سياسية مستقبلية يجب التصدي لها مبكرا من خلال تشكيل تحالف من الدول الصناعية الكبرى يكسر احتكار منظمة 'اوبك' لعملية التحكم بالانتاج والاسعار، واستخدام ارصدتها المالية الضخمة للابتزاز السياسي والاقتصادي.
    عندما يقول كيسنجر هذا الكلام التحريضي، فإن هذا يعني ان هناك تيارا يتبلور لاعلان 'حرب ما' ضد الدول العربية والاسلامية التي تشكل العمود الفقري لمنظومة 'اوبك'.

    كيسنجر يُعتبر 'الاب الروحي' للمحافظين الجدد، وكان، بل ولا يزال، من ابرز المحرضين على الحروب ضد العرب والمسلمين، وكان طالب في مرحلة السبعينات بتشكيل 'قوات للتدخل السريع' من اجل احتلال منابع النفط في منطقة الخليج على وجه الخصوص، ومارس ارهابا نفسيا على الدول العربية في حينها، واستخدم العبارات الحالية نفسها، عندما انتقد بشدة تراكم الثروات العربية في ايدي 'دول ضعيفة'، وخرج بنظرية مفادها حتمية 'تدوير العوائد النفطية' اي كيفية عودتها الى الغرب على شكل شراء صفقات اسلحة او منتوجات غربية.
    لا ننسى ايضا ان كيسنجر نفسه طالب باستخدام 'سلاح القمح' في مواجهة 'سلاح النفط' لتجويع الدول النفطية، وربما يكون هذا التهديد هو الذي دفع العاهل السعودي الملك فهد بن عبد العزيز الى الاستثمار بشكل مكثف في زراعة القمح في بلاده، ودعم زراعته بمئات المليارات من الدولارات، حيث وصلت تكلفة الطن الواحد من القمح السعودي المدعوم الى حوالي الف دولار مقابل اربعمئة دولار سعر الطن في الاسواق العالمية.
    تهديدات كيسنجر تلك ادت الى ظهور مفهوم 'الأمن الغذائي' بكثافة في الحياة السياسية العربية، ولكن سرعان ما تبخر هذا المفهوم في فترات لاحقة، بعد ثبات اسعار النفط عند سقف معين ظل مقبولا بالنسبة الى الغرب، بفعل التدخلات السعودية من خلال زيادة الانتاج، وانخفاض اسعار الدولار، العملة الرئيسية لتسعير النفط، بشكل مطرد في حينه.
    التقديرات الرسمية الحالية تقول إن دول 'اوبك' سيصل دخلها هذا العام الى حوالي تريليون دولار (الف مليار دولار) معظمها سيذهب الى دول عربية ضعيفة، حسب ما ورد في مقالة كيسنجر، تستثمرها في 'صناديق سيادية' تتبع الأسر الحاكمة فيها، وركز بشكل خاص على دولة الامارات وصندوق امارة ابوظبي (تريليون دولار) حجم اصوله وودائعه.
    كيسنجر وضع خطة مفصلة لمواجهة هذه الدول وصناديقها المتضخمة، من خلال تخفيض الاعتماد على النفط المستورد، وتقليص الاستهلاك، وزيادة الاستكشافات النفطية (ألاسكا) وتشكيل جبهة من الدول المتضررة (المستهلكة حسب رأيه)، والسؤال الذي يطرح نفسه هو عن الخطط المضادة التي يمكن ان تتبناها هذه الدول الخليجية والعربية في المقابل، اذا كانت هناك خطط فعلا في هذا الميدان، او حتى التفكير بوضع خطط؟

    نشك بوجود اي تحرك عربي خليجي لمواجهة اي اخطار مستقبلية في ظل توحش الادارة الامريكية واصابتها في مقتل،، لانه لا توجد اي مؤشرات توحي بذلك، مثل عقد مؤتمر قمة، او حتى اجتماع للخبراء، فالحكومات العربية، والخليجية بالذات، مشغولة بالمسلسلات الرمضانية، وفقهاؤها اكثر انشغالا بالمسلسلات التركية 'نور' و'لميس' واضرارها المجتمعية.
    منطقة الخليج تواجه اخطارا شتى، سواء تلك المتعلقة بالبرنامج النووي الايراني وقلق اسرائيل وبعض العرب فيه، واحتمالات الضربات الجوية التي يمكن ان تستهدفه، او الاخرى المتمثلة في عمليات التحريض التي انعكست في مقالة كيسنجر وجاءت بمثابة قمة جبل الجليد المتنامي في الغرب حاليا.
    هنري كيسنجر دعا الدول الصناعية الغربية المستوردة للنفط الى تنسيق مواقفها، وحشد مواردها لتشكيل توازن اقتصادي وسياسي عالمي يخدم مصالحها من خلال تكوين تجمع بقيادة امريكا يضم الدول الصناعية السبع الكبرى زائدا الهند والصين والبرازيل، بهدف تغيير اتجاهات العرض والطلب على المدى الطويل، من اجل انهاء ما سماه 'ابتزاز' الدول الضعيفة (المنتجة للنفط) للدول القوية. ونحن ندعو الدول الضعيفة هذه الى التحرك في محيطها العربي والاسلامي والعالمثالثي لمواجهة هذا التحريض، من خلال استثمارات كبيرة تخلق الوظائف وتنهض بالاقتصاديات، ومنح نفطية لمساعدة الدول الفقيرة في مواجهة ازمات الغلاء المتفاقمة خاصة ان بعضها عائد الى ارتفاع اسعار النفط بمعدلات قياسية.
    نأمل ان يتم النظر الى هذه المقترحات بشكل جدي، وان لا نواجه بالاتهام التقليدي الجاهز لأمثالنا بـ'الغيرة والحسد' من نعمة النفط التي هبطت على اشقائنا في الخليج وغيره.
    فحسدنا، لو وجد، هو حسد غير مؤذ، اما حسد الاحباء الحلفاء الامريكان، فهو الخطير، بل الخطير جدا.



    http://www.alquds.co.uk/index.asp?f...fff&storytitleb=عبد الباري عطوان&storytitlec=
     

Partager cette page