رشيد نيني / باك صاحبي

Discussion dans 'Nouvelles (9issass 9assira) & Chroniques' créé par izeli, 25 Octobre 2009.

  1. izeli

    izeli ●[●ЖΣΨ

    J'aime reçus:
    229
    Points:
    63

    بمجرد ما تسرب إلى الصحافة خبرُ احتمال تعيين نجل الرئيس الفرنسي نيكولا ساركوزي على رأس مقاطعة «لاديفونص»، أحد أكبر أحياء الأعمال في أوربا، تعالت أصوات كثيرة في الإعلام وداخل الأحزاب، بما فيها حزب الرئيس الفرنسي اليميني، تستنكر تحويل الجمهورية الفرنسية إلى جمهورية شبيهة بإحدى جمهوريات الموز حيث الرؤساء يعينون أبناءهم وأقاربهم في مناصب المسؤولية.
    وبما أن فرنسا مشهورة بالتفاح، فقد سماها بعض الصحافيين الساخرين بجمهورية التفاح وليس الموز. فيما اكتشف بعض الشباب العاطلين طريقة جديدة للسخرية من رغبة ساركوزي في وضع ابنه على رأس حي الأعمال الباريسي الشهير، بإرسالهم طلبات عمل مع وضع اسم «جان ساركوزي»، ابن الرئيس، عليها مكان أسمائهم الحقيقية.
    آخرون ذهبوا إلى حد اقتناء حبات الموز وألصقوا عليها راية فرنسا واجتمعوا أمام قوس حي الأعمال الشهير بمنطقة «لاديفونص»، ووضع كل واحد منهم حبة الموز في أذنه وشرع يتصل عبرها بقصر «الإليزيه» طالبا من الرئيس ساركوزي أمام عدسات المصورين منصب عمل في حي الأعمال الشهير.
    المهم أن الصحافة الفرنسية صلبت الرئيس الفرنسي طيلة خمسة عشر يوما على صفحاتها الأولى، إلى الحد الذي جعل نجله يتخلى عن المنصب الذي عبد له والده الطريق إليه. ولكي يخرج من هذه الفضيحة بأقل الخسائر الممكنة، قال إنه لا يريد نصرا ملطخا بالشكوك.
    والواقع أن الولد لم يتخل عن منصبه على رأس أغنى حي في أوربا لأنه لا يريد نصرا ملطخا بالشكوك، ولكن لأن نصره كان سيكون بمثابة هزيمة سياسية نكراء لوالده. فشعبية الرئيس الفرنسي توجد اليوم في الحضيض بسبب هذه الفضيحة وفضيحة مساندته المطلقة لوزير الثقافة «فريديريك ميتران» الذي اعترف في مذكراته بتعاطيه الجنس مع القاصرين في مواخير «بانكوك» (أنظر كتاب الأسبوع الصفحة 6)، هذا الأخير الذي يساند بدوره مساندة مطلقة المخرج البولوني «رومان بولانسكي» المعتقل في سويسرا، بطلب من العدالة الأمريكية، بسبب اغتصابه لقاصر قبل ثلاثين سنة.
    الدرس الذي نستخلصه من هذه القضية هو أن الصحافة والرأي العام في فرنسا لازالت لديهما كلمتهما المسموعة. فالصحافة توجه الرأي العام، والرأي العام يؤثر على صانع القرار السياسي إلى الحد الذي يجعله يتراجع عن قراراته. ليس حبا في الرأي العام وإنما حبا في أصواته التي يمكن أن يحرمه منها خلال الانتخابات. فساركوزي عندما ساند وزيره الشاذ، قال: «باي باي» لأصوات اليمينيين المتطرفين الذين جلبهم إلى حزبه من صفوف «جون ماري لوبين». وهو عندما ساند «بولانسكي»، المتابع بجريمة اغتصاب قاصر في أمريكا، جلب عليه نقمة المسيحيين المحافظين الذين يشكلون غالبية المنتمين إلى حزبه. وبمحاولته تنصيب ابنه على رأس حي «لاديفونص»، يكون قد ارتكب الخطأ القاتل الذي يمكن أن يعصف به خارج قصر «الإليزيه»، لذلك تراجع في آخر لحظة وعاد إلى صوابه.
    عندنا في المغرب، بحت حناجر الصحافيين وهم يصرخون كل يوم منددين بتحويل جزء من حكومة عباس الفاسي إلى حكومة عائلية، يمكن أن تجد فيها الأصهار والأعمام والأخوال. وفي كل مرة يصدر فيها مقال أو تحقيق حول «الحكومة الفاسية الفهرية»، نكتشف تنصيب اسم جديد من هذه العائلة على رأس مؤسسة عمومية أو حكومية. وإلى حدود اليوم، نرى كيف يسيطر آل الفاسي الفهري على أغلب مناحي الحياة اليومية للمغاربة، فهم في الماء والكهرباء والكرة والصحة والخارجية وجزء من الداخلية والشؤون العامة للحكومة والوزارة الأولى والطرق السيارة. والكارثة أن بعض هؤلاء الوزراء عندما ينجحون في الحصول على حقيبة وزارية يصنعون المستحيل لتمكين أبنائهم وأحفادهم من مناصب المسؤولية في قطاعات قريبة منهم.
    وهكذا، رأينا كيف بدأ الجيل الثالث من «آل الفاسي الفهري» يعلن عن نفسه بشكل لافت للانتباه. ورأينا كيف أن أحد أبناء عباس الفاسي يحصل على منصب في قناة عمومية، وابنا ثانيا ينجح في مقاطعة في الدار البيضاء. ورأينا كيف أن ابن وزير الخارجية الطيب الفاسي الفهري يوضع على رأس معهد للدراسات والتفكير ويتصرف في ميزانية بمئات الملايين، ويستفيد من علاقات والده الدبلوماسية في استدعاء الأسماء العالمية المرموقة لحضور ندواته ومؤتمراته. ثم رأينا كيف وظف وزير الشبيبة والرياضة قبل أسابيع لينا الفاسي الفهري، أخت وزير الخارجية، في منصب رئيسة الموارد البشرية بالوزارة.
    ونحن هنا لا نتحدث سوى عن التعيينات التي يستفيد منها «آل الفاسي الفهري» في الحكومة والمؤسسات العمومية، لأننا إذا أردنا أن نتحدث عن المؤسسات الخاصة كالبنوك والمؤسسات المالية، فإنا سنحتاج إلى أعداد كاملة من هذه الجريدة لإحصائهم، وكأن أبناء هذه العائلة هم وحدهم من درس وحصل على شواهد في هذه البلاد. وعندما تحتج الصحافة وتنتقد هذا الاستغلال الفاضح للسلطة للاستفادة من تنصيب الأهل والأحباب في مناصب المسؤولية، تسمع احتجاجات من المقربين من «آل الفاسي الفهري» يتذرعون فيها بكون كل هذه التعيينات التي يستفيد منها أقرباؤهم وأبناؤهم ليست سوى محض مصادفات. كما أن بعضهم أصبح يهدد هذه الصحافة بالمتابعة القضائية بتهمة التحرش الإعلامي بالعائلة الفاسية الفهرية.
    وهذه طريقة بالية لتخويف الصحافة من الاقتراب من إمبراطورية «آل الفهري»، والأنسب كان سيكون هو توقف هذه العائلة عن استغلال نفوذها السياسي لتنصيب المزيد من أبنائها وأقربائها في مناصب المسؤولية.
    نحن في المغرب لا نعاني فقط من سياسية «سعدات اللي عندو جداتو فالعرس»، ولكن أيضا من سياسة «باك صاحبي». وهي سياسة متبعة في جميع القطاعات، سواء كانت عمومية أو خصوصية.
    وهذه السياسة يعمل بها المغاربة، ليس فقط داخل مؤسساتهم بل حتى مع المؤسسات الأجنبية التي تريد الاستقرار في المغرب. ومؤخرا، افتتح بنك «لاكايشا» الإسباني فرعا له في الدار البيضاء، فتقدم مرشحون كثيرون يشتغلون في وكالات هذا البنك بإسبانيا من أجل الظفر بفرصة للعودة واستثمار مؤهلاتهم المهنية في المغرب. لكن صدمتهم كانت كبيرة عندما اكتشفوا أن البنك، الذي اختار مستشارا كأندريه أزولاي لكي يكون ضمن هيئة مستشاريه الماليين، اختار ثلاثة أسماء لم تخرج عن «بناني» و«كنون» و«القادري»، مع أن بعض هذه الأسماء لم يكن مدرجا أصلا في لائحة المتبارين.
    وآخر تعيينات قامت بها المديرية العامة للوقاية المدنية لم يخرج بعضها عن قاعدة «باك صاحبي»، خصوصا عندما نرى كيف أن المديرية العامة عينت رئيسا لقسم التوثيق والإعلاميات ليست له تجربة في هذا المجال، وفوق هذا وذاك جعلت تحت إمرته مهندسين يشغل أحدهما «مصلحة تطوير واستغلال الإعلاميات»، فيما يشغل الثاني «مصلحة الإعلاميات».
    أما التعيين الذي ترك الجميع في المديرية العامة للوقاية المدنية فاغرا فمه فهو تعيين ابنة كولونيل ماجور، تربطه صداقة بالجنرال اليعقوبي، رئيسة على مصلحة «الاعتمادات والمحاسبة»، على الرغم من كون هذه الأخيرة لازالت في مرحلة التدريب.
    أما المقدم مصطفى الطويل، الذي ارتبط اسمه بمحرقة «روزامور» عندما كان يشغل منصب رئيس مصلحة الإطفاء بمنطقة «ليساسفة»، فقد تمت ترقيته إلى منصب رئيس «مصلحة تدبير الأزمات» في إطار التقسيم الجديد الذي اقترحته المديرية العامة للوقاية المدنية على وزارة الداخلية ووافقت هذه الأخيرة عليه.
    مع أن الأزمات الحقيقية التي تحتاج فعلا إلى تدبير في مصالح الوقاية المدنية هي أزمات رجال الإطفاء البسطاء نهاية كل شهر عندما يكتشفون أن تعويضات الساعات الإضافية التي انتظروها لأشهر لا يوجد أي أثر لها في ورقة الأداء. وليسوا هم وحدهم، بل حتى ضباط القوات المساعدة ينتظرون الإفراج عن تعويضاتهم التي صرفتها وزارة المالية ولازالت عالقة بأدراج مكتب الجنرال العنيكري.
    وبسبب سياسة «باك صاحبي»، أصبحت بعض المناصب والقطاعات الوزارية تتوارث بين أبناء العائلات الكريمة تماما كما يتوارث أبناء «المزاليط» أحذية وملابس الذين يكبرونهم سنا.
    ولم تفلح بعض الأسماء العائلية الشعبية في اختراق الجدار المنيع الذي تضربه بعض العائلات «العريقة» حول بعض المهن المسماة نبيلة، سوى بشق الأنفس. فبدأنا نسمع، خلال العشرين سنة الأخيرة، أسماء عائلية جديدة داخل تجمعات مهنية كالطب والصيدلة والهندسة والتوثيق، بعد أن كانت الطريق الجامعية نحو هذه المهن صعبة على حاملي الأسماء العائلية «الحرشة».
    إن المجتمع الناجح هو المجتمع الذي يفتح الطريق أمام جميع أبنائه نحو المناصب، للأكثر جدارة وموهبة وذكاء بينهم لا للذين لديهم «جداتهم فالعرس».
    إن الخاسر الأكبر في ترسيخ سياسة «باك صاحبي» هو المغرب، لأنه يفقد ثقة أبنائه في عدالته ويدفعهم إلى البحث عن هذه العدالة تحت سماوات أخرى. هناك حيث تستطيع الصحافة والرأي العام إجبار رئيس الجمهورية على التراجع عن فكرة وضع ابنه في منصب مسؤولية لا يستحقه


     

Partager cette page