رشيد نيني- ما وراء المنديل

Discussion dans 'Nouvelles (9issass 9assira) & Chroniques' créé par فارس السنة, 3 Septembre 2008.

  1. فارس السنة

    فارس السنة لا اله الا الله

    J'aime reçus:
    326
    Points:
    83
    ها نحن مع بداية شهر الصيام نفتح نقاشا خاطئا بالمرة حول واقع المؤسسات السجنية في المغرب.
    فقد أصر المندوب العام لإدارة السجون، حفيظ بنهاشم، على توزيع مذكرته الإدارية على كافة المؤسسات التابعة له يذكر فيها موظفيه، أو بالأحرى موظفاته، بضرورة احترام الزي الرسمي للعمل. بمعنى آخر التخلي عن وضع ما سماه بالمنديل فوق الرأس.
    وحسب الدورية التي علقتها مندوبية السجون في كل مؤسساتها فإن السيد حفيظ بنهاشم لاحظ خلال زياراته المختلفة للمؤسسات السجنية أن الموظفات يضعن المناديل فوق رؤوسهن عوض القبعات، بينما بعض الموظفين ينتعلون «البلاغي» مكان الأحذية.
    ولذلك ربما وجد حفيظ بنهاشم أن هذه المذكرة الصارمة كانت ضرورية لكي يعود النظام إلى مؤسساته السجنية.
    كنا ننتظر من السيد حفيظ بنهاشم أن يخرج بعد جولاته العديدة التي قام بها في سجونه، بقرارات صارمة في حق بعض المسؤولين بالمؤسسات السجنية، والتي حولوها إلى أسواق مفتوحة لترويج كل أنواع الممنوعات والموبقات. لكن للأسف كل ما لاحظه سعادة المندوب العام خلال زياراته الكثيرة هو تلك المناديل التي تغطي بها موظفات السجون رؤوسهن. ففي تلك القطعة الصغيرة من القماش تتجمع كل مشاكل المؤسسة السجنية بالمغرب. ولذلك يجب محاربتها ومنع ارتدائها حتى يعود النظام إلى السجون.
    وبينما كان بنهاشم منشغلا بتحرير دوريته التي يدعو فيها إلى تطبيق الصرامة في ارتداء موظفيه للزي الرسمي للعمل، كان أحد سجناء الحق العام المعتقلين بسجن عكاشة بالدار البيضاء يطلق ساقيه للريح هاربا. والسبب الرئيسي في فرار هذا السجين لم يكن هو انتعال حراس السجن للبلاغي مكان الأحذية وبالتالي عجزهم عن مطاردته، كما لم يكن السبب في فرار هذا السجين هو لف رؤوس الموظفات بمنديل وبالتالي استحال عليهن سماع وقع أقدامه وهو يتسلل خارج زنزانته، وإنما كان السبب الرئيسي لفرار السجين هو أن مدير السجن «استعاره» من زنزانته بحكم عمله السابق كنجار وأخذه ليصنع له مقابض الأبواب في فيلته الجديدة التي يتابع أشغال استكمالها عن كثب.
    ولعل مدير السجن يعرف أكثر من غيره أن استغلال السجناء للعمل في المصالح الشخصية أمر ممنوع، أما إذا كان ذلك بدون حراسة فالمصيبة أكبر. فما نصيب منديل الرأس الذي تضعه بعض الموظفات في وقوع مثل هذه الأخطاء المهنية التي تؤدي إلى فرار السجناء. بل ما ذنب منديل الرأس في فرار سجناء السفلية الجهادية من سجن القنيطرة، وما ذنب منديل الرأس في الوفيات المتكررة في سجن عين قادوس وغيره من السجون الرهيبة التي تداس فيها يوميا كرامة الآدمي وتهان فيها إنسانيته.
    لذلك يجب أن يعرف الذين أرادوا أن يحصروا مشاكل المؤسسة السجنية في مجرد رقعة من القماش، وأن يثيروا كل هذا النقاش حولها وكأنها السبب الرئيسي في انهيار النظام داخل المؤسسة السجنية، أنهم يحاولون تغطية الشمس بالغربال.
    مشاكل المؤسسة السجنية كما ورثها حفيظ بنهاشم عن أسلافه أكبر وأعقد بكثير من مجرد منديل تضعه موظفة فوق رأسها. ولعل الجميع لازال يتذكر تلك الجملة الخطيرة، والجريئة في الآن ذاته، التي نطقها وزير العدل عبد الواحد الراضي بعد فرار السلفيين الجهاديين التسعة، عندما قال أن سلطة الدولة انهارت في السجون. بعدها بأيام سيصدر قرار يسحب مديرية السجون من تحت أقدام ليديدي ويعيدها إلى أحضان رجل أمن قديم كبنهاشم صنع «مجده» المهني كاملا خلال العهد «الزاهي» لإدريس البصري. ولذلك فلا غرابة في أن نراه اليوم يوقظ دورية كانت نائمة طوال عشرات السنين لكي يشغل بها الرأي العام عن المشاكل الحقيقية التي تتخبط فيها إدارته.
    هذا طبعا لا يمنعنا من التأكيد على شيء أساسي وهو أنه في كل مؤسسات العالم العمومية والخاصة هناك قانون داخلي ينظم العلاقة بين الموظف والمستخدم وإدارته. وعندما يصدر المندوب العام لإدارة السجون دورية ما فهو لا يصنع غير ممارسة صلاحياته القانونية. لكن عندما تتعارض دورية السيد المندوب العام مع الحريات الفردية، والقناعات الدينية التي يكفلها القانون والدستور، فالأمور تأخذ أبعادا أخرى.
    وأنا شخصيا لا أفهم لماذا يسمح الجيش الإسباني وبقية الجيوش الأخرى لجنودهم بتربية اللحية فيما يمنعها القانون في الجيش المغربي. وإذا أراد جنرال أو كولونيل أو عسكري عادي تربية لحيته فعليه أن يطلب ترخيصا بحملها من المكتب الخامس. ولكي يعطيك المكتب الخامس رخصة يصدر فيها عفوا عن لحيتك فيلزمك معه ما هي وما لونها. أولا شهادة طبية تثبت أنك تعاني من حساسية جلدية تمنعك من حلق اللحية، ثانيا تجديد هذه الشهادة حسب مدة الإعفاء التي يتبرع بها عليك المكتب الخامس. وهكذا تصبح مطالبا كل شهر أو شهرين بتجديد طلبك وشهادتك الطبية. كل هذا من أجل حفنة من الزغب.
    نحن إذن أمام مؤسسات لم تتطور قوانينها الداخلية، وبقيت جامدة تنظر إلى منديل الرأس، كما يسميه بنهاشم، واللحية كعلامات خارجية دالة على التطرف والأصولية والإرهاب. في الوقت الذي أصبح فيه التطرف والإرهاب يستعملان طرقا حديثة للتمويه، والدليل على ذلك أن منفذي هجمات الحادي عشر من سبتمبر كانوا أغلبهم معروفين في علب هامبورغ الليلية أكثر مما كانوا معروفين في مساجدها.
    ولا بد أن الذين زاروا لندن لاحظوا أن شرطيات المرور المسلمات من أصل باكستاني يرتدين سترة الرأس تحت قبعة الشرطة، وهذا لم يؤثر على عملهن، كما لم نسمع أن غطاء رأس شرطيات المرور في إنجلترا ساهم في ارتفاع نسبة التطرف في هذا الجهاز.
    إن المبدأ الوحيد الذي يجب الاحتكام إليه في قضية الحجاب في أماكن العمل، هو هل يعيق هذا الحجاب حاملاته عن أداء عملهن بالشكل الذي تؤدي به عملهن الموظفات الأخريات اللواتي اخترن ألا يحملنه أم لا.
    إنه لمن الظلم للمرأة المغربية أن يتم منعها من ولوج سوق الشغل في بلدها المسلم وفق كفاءتها ومؤهلاتها العلمية والأدبية، لمجرد أنها اختارت اللباس الذي ترتاح فيه. في الوقت الذي تفتح فيه دول علمانية أذرعها لاستقبالهن في إداراتها الرسمية وشركاتها الخاصة، حيث الحرية الدينية والاختلاف والحريات الفردية حقوق يضمنها الدستور والقانون.
    لذلك كله فالزوبعة التي أثيرت حول مذكرة بنهاشم والتي وصلت إلى البرلمان، ليست سوى الشجرة التي تخفي الغابة، ولهذا لا يجب إعطاؤها أهمية أكبر منها. وفي المقابل يجب التركيز على المشاكل الحقيقية والعميقة التي تنخر المؤسسة السجنية من الداخل. وعوض أن يهتم بنهاشم بمناديل موظفاته و«بلاغي» موظفيه فالأولى به الالتفات إلى وضعياتهم المادية والمهنية التي تثير الشفقة.
    يريدون إعطاء صورة حداثية ومنضبطة ومنظمة للمؤسسات السجنية وذلك بالقضاء على أي أثر للحجاب داخلها. وكأن الحجاب أصبح مرادفا للفوضى والتسيب والتخلف. وينسون أن الحداثة والنظام في السجون هي تزويدها بأدوات الحراسة التقنية المتطورة، وتكوين الموظفين المستمر وتأهيلهم لكي يتلاءموا مع آخر التطورات في ميدان حراسة السجناء والتعامل معهم وفق مبادئ حقوق الإنسان المتعارف عليها عالميا.
    شيء آخر مهم نسيه حفيظ بنهاشم وهو يقتحم هذه الزوبعة، أن قضية منع الحجاب سبقته إليها دول كثيرة في أوربا، ومع ذلك لم تستطع القضاء عليه. بل بالعكس، زادت نسبته. وحتى في تلك الدول العلمانية شاهدنا كيف خرجت الجمعيات النسائية والحقوقية، رغم اختلافهما مع الإسلام، تدافع عن حق المرأة المسلمة في لبس ما يناسبها، ما دامت هذه الدول تسمح لليهود بلبس «الكيبا» فوق رؤوسهم والمسيحيين بحمل الصليب حول أعناقهم.
    فمتى سنسمع في المغرب جمعيات حقوقية ونسائية تدافع عن حق موظفات حفيظ بنهاشم في الاحتفاظ بمناديلهن تحت قبعاتهن الرسمية خلال ساعات العمل



    جريدة المساء
     

Partager cette page