سجن الأفكار

Discussion dans 'Nouvelles (9issass 9assira) & Chroniques' créé par maximo-27, 5 Janvier 2010.

  1. maximo-27

    maximo-27 Ghost

    J'aime reçus:
    224
    Points:
    63
    سلسلة الأفكار الحاكمة ( ١ )

    د. جاسم سلطان -

    يروى أن شابا كان ينوي زيارة إيطاليا، وقد حدثه صديق قبل السفر محذراً إياه من اللصوص في ذلك البلد، وشدد على ذكر منطقة معينة وصفها ببؤرة النشالين والمحتالين. وسافر الشاب لإيطاليا وهو حذر يترقب. وسأل الله أن يجنبه النشالين ومحاذراً من الاقتراب من المنطقة التي شدد عليها صاحبه. ومن سوء طالعه أو هكذا بدا له أن جاءته حوالة وكان عليه أن يتسلمها من ذات المنطقة المحظورة.
    ذهب صاحبنا لتلك المنطقة خائفا يترقب، نزل من سيارة الأجرة وضربات قلبه تتزايد، وانطلق في اتجاه العنوان وإذا به بشاب يناديه بصوت عال: - هذا هو ما تم تحذيره منه يقع ! - أسرع صاحبنا، وأسرع الشاب خلفه، جرى صاحبنا وجرى الشاب خلفه، اقترب الشاب منه ولم يعد صاحبنا قادرا على الجري. توقف متوثبا، وقبل أن يقول شيئا بادره الشاب: "سيدي، لقد سقطت منك محفظتك عند السيارة، هل تتفضل بأخذها!؟ توقف عقله للحظة، ومد يده وأخذ المحفظة، تلعثمت الكلمات في فمه، وقبل أن يقول شكرا كان الشاب قد مضى في طريقة.


    أغلبنا يعيش مثل هذه الحالة، إنه سجن الأفكار المسبقة، نظام الأفكار والتصورات، الصحيح منها والسقيم. والأفكار الظاهرة البينة يسهل تتبعها، ولكن الأخطر من ذلك هو نظام الأفكار المستترة، التي تعمل في اللاوعي فهي تعمل دون أن نستشعرها، وتقوم بوظيفتها دون أن نستطيع محاكمتها. إنها قادرة على أن تستغفلنا، وأن تجعلنا نجري ونلهث. هذه الأفكار عندما تتعلق بها صناعة النهضة لا تعود مسألة تسلية، تصبح في صميم الوجود أو العدم، وعندها لابد من الحفر عميقا للوصول لها.
    بناء النهضات حين ينطلق يبدأ من علاج عالم الأفكار، فالنبوات تبدأ بقصف أوهام الاعتقادات الفاسدة، والتصورات الاجتماعية المعيقة، ونظم العلاقات المختل، وترمم عالم القيم المتداعية. إنها تدعو الإنسان للنظر في أعماق أعماقه. تحرضه على أن يعمق النظر، تطرح عليه الأسئلة، وتقرعه بالتعقيبات.

    منظومات الحضارة الإسلامية

    هكذا انطلقت الحضارة الإسلامية ابتداء، منظومة تصلح العقل وتزوده بالمنطق، عمودها الفقري، (اقرأ) و(علم بالقلم) و (قل هاتوا برهانكم)، منظومة تحرضه على عدم الاستسلام لمقولات الأقدمين أيا كانوا ما لم يقم عليها برهان.

    ومنظومة تنظم له عالم الاعتقاد، تحاوره وتعتمد الدليل والبرهان، لا تصادر عقله أو تطالبه بالإتباع الأعمى.

    ومنظومة ترتب له عالم العلاقات البشرية وقوامها (ولقد كرمنا بني آدم)، ومنظومة قيمية كبرى، تدخله في صلب الفعل الحضاري الإنساني قوامها الرحمة والعدل والإحسان.


    هكذا كان واقترب المسلمون من هذه المنظومة وابتعدوا عنها، وبقدر اقترابهم الواعي بهذه المنظومات كانت حضارتهم تزدهر، وبقدر ابتعادهم عنها تسوء الأمور، وفق منهج رباني لا يتخلف (من يعمل سوء يجز به).


    والتخلف يبدأ من سيادة الأفكار القاتلة. ولا يكابر اثنان اليوم في أن أوضاعنا غير سارة على مستوى الأمة. وهناك جهود كثيرة تبذل لحل إشكالات الواقع. هناك من ينطلق في المشاريع الخيرية، والدعوية، والجهادية. وكلها خير، ولكنها تعالج الأعراض ولا تنفذ لعمق الأزمة، والأزمة مصيرية ومع ذلك لا يقف أحد ليتساءل: ما هي الأفكار الحاكمة التي أنشئت لنا هذا الواقع وكيّفته؟ وبالتالي أنبتت لنا هذه المشاكل ورعتها في بيئتنا؟ فكلما نجحنا في إطفاء أزمة نبتت اثنتان، ربما لأن العودة للبحث عميقا في نظام الأفكار الحاكمة عمل شاق وأحيانا صادم ومؤلم، ولكنه مع ذلك الطريق الوحيد لنفض الغبار عن مشروع الأمة.

    إن التجديد الحقيقي لن يتأتى إلا باختراق عالم الأفكار الدفينة وتمريرها على مفرزة النقد، وفصل السقف(النص القرآني والنص النبوي الصريح) المقدس عن السقيفة(فهمه وتطبيقه للنص) التي صنعها الإنسان عبر القرون، ذلك هو الطريق الأهم الذي يحتاج لرواد.

    أردت أن اكتب هذه المقدمة حيث سيتعلق بها سلسلة من المقالات تحت عنوان: "نظام الأفكار الحاكمة"، جوهرها الحفر عميقا في نظام الأفكار الذي أنتج هذا الواقع وأدامه، والذي هو مرشح ليستمر ما لم تعالج القضايا من الجذور، ولنا لقاء.

    http://www.aljazeeratalk.net/node/5402
     
  2. Rane

    Rane hamdolilah

    J'aime reçus:
    66
    Points:
    28
    salam et merci pour l partage max alah yjazik bikhir inchalah!!
    sujet trés interessant lprob ke ça m'arrive bcp et ça me fait perdre..........
    merci encore^^^
     
  3. maximo-27

    maximo-27 Ghost

    J'aime reçus:
    224
    Points:
    63
    Re : سجن الأفكار

    الخوف على المقدس
    نظام الأفكار الحاكمة 2
    كان حديثا عابرا، لم تكن ندوة، ولا محاضرة، مجرد حديث عابر في مجلس عادي جدا، روى أحد الحضور قصة تراثية، كانت تبدوا أكبر من تحمل أحد الحضور! فالمتحدث يقول: أن فلانا من السلف كان يهاجم الروم فيخترق صفوفهم بسيفه وهم ستون ألفا جيئة وذهابا! وصاحبنا الآخر يرد: هل من المعقول أن يخترق أحد ستين ألفاً مدججين بالسلاح جيئة وذهابا دون أن يعثر في الطريق بشئ!! لم يكد أحد يصدق أن هذا سينقلب لغضب وصراخ وصخب واتهامات! كيف يتجرأ ويسأل مثل هذا السؤال؟
    لم يكن الشخص الراوي يعلم المصدر، سمعها أو قراها، ولكن يكفي أنها وردت مسيجة بمهابة الماضي وجلال الأسبقية التاريخية حتى لا تسائل أو تناقش .إننا حين ندخل لمنطقة المقدس الحقيقي، أو المتوهم بمعنى الكتاب والسنة، وهما المقدس الحقيقي أو ما أنتجه البشر من افهام اقتربت أو ابتعدت عن النصوص وهو المقدس المتوهم. فنحن ندخل المنطقة الأخطر، هي منطقة الأسلاك الشائكة، والمكهربة، والمفخخات العاطفية، منطقة بكل سهولها وكهوفها ومرتفعاتها وسفوحها مشحونة بالعواطف. هي مناطق تعريف للذات وللآخر. مناطق الجاهل بها اشد تعصبا لها من العالم بها. القداسة الخفية تنسحب فيها على الأفكار والأشخاص والأشياء. كل شخص تلمسه فيها أو تذكره يحمل كمية من الطاقة الصاعقة يفجرها في محبيه! كل فكرة أو كتاب يحمل عبق الماضي له من القداسة الخفية ما له، كل اسم أو مسمى يحمل عند مشايعيه قداسة القرآن والسنة ولو بشكل مستتر، حين يفتح أي ملف من ملفات هذه المنطقة تستثار عواطف الكثير من المحبين، وعندما تستثار العواطف يتوقف العقل...تشتغل ملكة الكراهية، وتتوقف ملكة المحبة والتسامح ويصبح الخلاف في الرأي مفسد للود! كيف لا والموضوع هو موضوع المقدس ولو كان مختفيا تحت عبارات تغلف التقديس بشئ من المواراة والمواربة ؟
    هنا يقف الباحث والمهتم أمام إشكالية ومعضلة. راحته النفسية أن يحميها من الانتهاك، وبين متطلبات زمن لا يرحم يحتاج شق الطريق للمستقبل فيه لنوع من المعالجات قد تكون مرة، ولكنها ضرورية للشفاء. نهضة الأمة مرهونة باقتحام هذه العقبة، عقبة المراجعة الفاحصة لجملة أفكار لن يخلو ذكرها من ذكر قائليها أحيانا.
    مع كل ما يحمله ذلك من مخاطر استثارة مشاعر المحبين والمشايعين، أفكار ذهب قائلوها إلى ربهم تركوا ورائهم من الخير الكثير. والموضوع ليس نقد أشخاصهم، ولا نقد ما خرج من التداول من أفكارهم، بل نقد ذات الأفكار التي تشل فاعلية الأمة بغض النظر عن قائلها. هي نظرة تفحص الماضي بقدر ما يؤثر على الحاضر والمستقبل. نحن نسائل الأفكار التي تعمل في وعينا، وما هو أعمق في نظامنا المعرفي، وتتدخل في تشكيل قراراتنا واستجاباتنا. نريد أن نعري مناطق قصورنا ونعالج إمراضنا بأيدينا. ومنذ سنين طرح سؤال أين الخلل؟ الكل مستشعر الخلل ولكن نحن لا نضع أيدينا في عمق الجرح، نحن نقنع بشكله الخارجي نصفه من الخارج، دون أن نجرؤ على سبر عمقه!المبررات لمثل هذا السلوك كثيرة، يقول قائل هل تريد أن نعري أنفسنا أمام الأعداء والمتربصين بالدين؟ هل نعطيهم سلاحا ليهاجمونا به وينتصروا علينا!؟ والحقيقة أن أعداء الدين والأمة يعلمون عنها ما لا تعلمه عن نفسها! وهم بدون شك لهم الغلبة الآن واليد الطولى، ولن يجدي الصمت لإيقاف هذا التفوق. ويقول آخر لماذا نهدم الصورة المشرقة لأئمتنا ونشوه صورتهم في قلوب الشباب؟
    والحقيقة أن قامات الأئمة أكبر من أن يهدمها أحد برأي أو بقول. والخطر ليس على الأئمة اليوم، بل على الأمة أما هم فقد قالوا ما عندهم ومضوا لربهم, تركونا مع قول الله عز وجل ( الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه ) حين نستمع لمطلق القول، حين ننقد ونختار، حين لا تقسرنا السلطة المعنوية لأي شخص على مخالفة قاعدة فيتبعون أحسنه عندها فقط نكون قد بدأنا افتتاحية العصور الجديدة للأمة. ومع ذلك كله فلا مانع من الاحترام والتبجيل الواجب لسلفنا، ولا لحسن الخطاب وانتقاء الألفاظ، وهي معادلة صعبة لأن الاعتراض بطبيعته تخطئه. وتخطئة من له سلطة معنوية مغامرة بالضرورة غير محمودة العواقب، ولكن المحاولة تضل واجبه إذا لم يكن من الممكن تحرير ممكنات الإنسان إلا بكشف مناطق الخطر والأفكار القاتلة التي تعيق تقدمه.
    مهما قلنا أننا لا نستهدف أحدا من أهل العلم ومن سادات الأمة، نحن نستهدف أفكارا بعينها، منظومات معرفية أنتجت هذا الواقع المرير الذي نعاني منه جميعا، ثم لا نهتدي إلا لإجابات سطحية لا تلامس جوهر المشكل والعلل الحقيقية، وتكتفي بالإنزلاق على القشرة الخارجية. مهما قلنا ذلك سيقول قائل: هذه المقولة تفسيرها غير ما ذهبتم إليه. نسبتها للقائل ليست صحيحة، له قول آخر يشكل مرحلة نضج، هذه قولة قد رجع عنها، هذا كتاب لم تثبت نسبته له، فلنتذكر أننا هنا لا نحاكم القائل حتى ينبري أحد للدفاع عنه، نحن سنتوجه للأفكار التي تؤثر في واقعنا، والتي لو عالجناها لأزلنا من فضائنا أسباب عدم الفاعلية، تلك هي القصة باختصار.
    ما سنطرحه في هذه السلسلة هو قراءة في أفكار قاتلة لها أثرها في واقعنا المعاش وفي حال استمرارها ضمان أكيد للتخلف والخروج من دائرة الفعل الحضاري.
     
    1 personne aime cela.
  4. maximo-27

    maximo-27 Ghost

    J'aime reçus:
    224
    Points:
    63
    Re : سجن الأفكار

    العلوم غير الشريفة
    نظام الأفكار الحاكمة 3


    إذا نظرنا في فضائنا المعرفي نجد ما يلي: مدارسنا تعلم، جامعاتنا منتشرة، ميزانيات التعليم تصرف، طلبتنا يبعثون للخارج، الحديث عن التطوير لا يتوقف. لكن الذي يتطور هو الشيء القليل، نحن لا ننتج العلم.
    لماذا لا يفلح كل ذلك عندنا ويثمر عند غيرنا ؟ الإجابات لا حصر لها: الحكومات، غياب الحريات، عدم وجود مشروع. كل ذلك وأكثر منه يمكن أن يقال. ولكن في كل إجاباتنا نحن لا نتجاوز القشرة، وكلها أعراض للمرض وليست المرض ذاته، إننا بحاجة للغوص في العمق. والحفر في الطبقات المتراكمة لنكتشف ما يختبئ تحتها من أسرار تكشف عمق موضوع "عدم الفاعلية". حيث لا يبدأ العلاج دون الكشف العميق والدقيق عن هذا القاع. ثم لنحرر وصفة حقيقية تطلق ممكنات إنساننا في فضاء المعرفة.


    إن الأفكار التي تعمل في اللاوعي هي الأخطر. فهي تنتشر في فضائنا دون أن نستطيع الإمساك بها ونضعها في قاعة المحكمة، ونحرر ضدها شهادة مخالفة لقانون التطور (اقرأ ...علم بالقلم ...لا تنفذون إلا بسلطان).

    ولنبدأ من السطح قبل الغوص في الأعماق. ثلاث لقطات: شاب يسأل أحد كبار العلماء في موقع مشهور " أنا طالب في الشعبة العلمية، وتدينت، وأردت التغير للدراسة الشرعية، ووالدي يمانع، فهل أطيعه أم أعصيه !؟ " رجل ثري يسأل " طالب علم محتاج. فهل انفق عليه مع أنه يدرس غير العلم الشرعي! " شاب متحمس يرسل لأحد المواقع الشرعية ويريد منهم أن يسندوه في موقفه من خطيب ساق أحاديث وآيات الحث على العلم مقترنة بأمثلة من العلوم الدنيوية، بينما في رأيه أن كل ما سيق متعلق بالعلوم الشرعية. والغريب أن الموقع أجابه لما طلب !".

    ولنأخذ خطوة أخرى مقاربة للسطح. هذا استبيان عن القراءة في مدارسنا أجرته إحدى المؤسسات الخاصة على الشريحة التي تقرأ، بمعنى أنها استثنت الشباب، واستثنت الشابات عامة، واتجهت لمرتادي المكتبات المدرسية خاصة، ومن الإناث فقط. والنتائج كانت كالتالي: فيما يتعلق بنوعية القراءة، أظهر الاستبيان أن هناك صنفان من الكتب المقروءة، الأول القصص الخفيفة والثاني هو كتب علم النفس الخفيفة، عن كيفية كسب الأصدقاء وتقوية الشخصية. وعن سبب القراءة، كان من أجل " قتل الوقت وإزالة الملل".

    سألت بعض الطلاب عن ما سيفعلونه بالكتب في نهاية العام!! فكانت الإجابة المشتركة: " نتمنى أن نحرقها!! ". ويحدثني أحد طلاب الجامعة عن المذكرة التي يدرسون منها إحدى المواد قال:" لم تتغير منذ سنوات فقد درستها كل الدفع التي قبلنا وربما لم يدخل عليها أي تحديث منذ أن دخل الأستاذ للتدريس في الجامعة ".

    ولننتقل للفضاء العام لنرى عبارات " ادرس حتى يقول الناس عنك طبيب أو مهندس" أو " ادرس حتى تحصل على وظيفة " أو " ادرس حتى تصبح سينور". لا فرق في السلوك الكلي بين مطلب التلميذ ومطلب الآباء وسلوك المدرس!!.

    ها نحن أمام صورتين الأولى: تقصُر العلم المطلوب على العلم الشرعي بصورة صريحة أو مستترة، أو تضع العلوم الدنيوية في إطار: "لا بأس بدراستها " فقط لا بأس!. وهي صورة حياتية واسعة الانتشار. وحين ننظر للوجه المقابل للصورة، نجد لقمة العيش وأداء الواجب المعاشي لا شيء أكبر ولا شئ أقل. فالعلم هنا هو وسيلة كسب، ولا علاقة له بالرغبة في المعرفة ( وقل ربي زدني علما).لا علاقة له بنهضة الأمة (كنتم خير أمة)، ولا علاقة له بالسباق الحضاري (أيكم أحسن عملا)، ولا علاقة له بالإحسان (إن الله يأمر بالعدل والإحسان)، لا علاقة له بالعبادات المتعدية (لأن يمضي أحدكم في حاجة أخيه، خير له من أن يعتكف في مسجدي هذا..)

    هو "أكل عيش" أو "تسلية" لا فرق! هكذا هي العلاقة بالعلم. هذه هي الصورة الكبيرة لفقدان الفاعلية. إنها الصورة المختزنة للمعرفة والعلم، ما هو،وما دوره بالنسبة للفرد، وما هو دوره بالنسبة للمجتمع، وما هو دوره بالنسبة للأمة، ما علاقته بالدين، كيف تتشكل صورته في الوجدان الجمعي؟

    فالعلم الذي يعرفه الناس في عصرنا بأنه قوة، والعلم الذي يطلق طاقات الفرد ويحوله لقيمة مضافة للكسب الإنساني، والعلم الذي تعز به المجتمعات، وتصبح لها به اليد العليا، والعلم الذي يعطي الأمة مكان الشهود الحضاري ويوبؤها مركز الأستاذية تقزم في وجداننا منذ زمن! أصبح يعني جانبا من جوانب العلم، وينفي ما عداه أو يحوله لشبح! شكل من غير جوهر. مدارس ومعاهد وجامعات وخريجين...ولكن من دون روح العلم وحرارته.

    لو تفكرنا قليلا في منشئ الظاهرة، كيف أصبحنا نتنفسها دون أن نشعر؟ كيف تعيد إنتاج ذاتها فينا المرة بعد المرة دون أن يفلح ترياق المداس الحديثة في حلها، لوجدناها تسير في مسارين. المسار الأول: واعظ درس في المعاهد الشرعية، وانكب على كتب التفسير والتراث، ولم ينتبه لما يستخرجه من النماذج والأمثلة والشواهد والقصص. فهو يعيد نقل ما هو متوارث من قصر العلم على العلم الشرعي. وشواهد العلماء على العلماء الشرعيين، وهو دون أن يقصد يزرع الفكرة ونموذجها المعرفي المرة بعد المرة في مستمعيه ولربما تغنى بأبيات الشافعي الجميلة :كل العلوم سوى القرآن منقصة ... إلا الحديث وعلم الفقه في الدينالعلم ما قال: قال حدثنا ... وما سوى ذاك وسواس الشياطين

    والنموذج الثاني شاب مسته نفحة من الرحمن وطرق باب الهداية، واتجه لأكثر الكتب قدما لينال بغيته من الدين الصافي. وهو عندها سيلتقي بمصطلحات مثل العلوم الشريفة، علوم الإسلام، علوم العرب، وسيتعلم مقابلاتها وهي العلوم غير الشريفة، علوم الزنادقة، علوم الأعاجم، وسيعود مقررا مغادرتها لحمى العلوم الشريفة! وهو عندما يؤذن له بتعلم العلوم الأخرى تصحب بنصائح مثل أن كل هذه العلوم يكتفى فيها بالحد الأدنى! وأن شرط تعاطيها هو عدم إشغالها له عن تعلم العلوم الشريفة! هكذا ولدت المشكلة ابتداء، ولم تفلح محاولات العلماء المعاصرين ممن أدركوا عمق الفجوة التي تركتها العصور المتأخرة في العلاقة بالعلوم غير الشرعية، بل وفي العلوم الشرعية ذاتها. لقد أصدم الشيخ محمد الغزالي كنموذج معاصر مع هذه الأفكار وواجهها، أدمته وأعيته، ولا زالت ذات الأفكار تفعل فعلها فينا، ولا زال الفضاء العام غير منتبه لخطورتها، ويسأل عن سر عدم الفاعلية.

    http://www.aljazeeratalk.net/node/5512
     
  5. russimor

    russimor motatabbi3

    J'aime reçus:
    68
    Points:
    0
    Re : سجن الأفكار

    voilà un très beau sujet qui mérite un peu de réflexion et beaucoup de temps pour finir (ou au moins tenter de finir) avec cette habitude d'éteindre leurs cerveaux quand il s'agit de la religion, initialement qui existe pour nous montrer le chemin de réponse à toutes nos questions en mettant notre intelligence à sa vraie valeur.

    je dis bien, la religion est un guide et non pas une fin en soi.
     
  6. maximo-27

    maximo-27 Ghost

    J'aime reçus:
    224
    Points:
    63
    Re : سجن الأفكار

    العقيدة بين التبسيط والتعقيد
    نظام الأفكار الحاكمة 4

    لقد تحدثنا في المقال السابق كيف حُوصِر مفهوم العلم؟ وكيف ضاق فضاءه الذي فتحه القرآن بفعل التفسير المغلوط للدين !؟ وكيف انتشر هذا الفهم الخاطئ في أمهات الكتب، ككتب التفسير وكتب التزكية، وتوصيات بعض أهل العلم حتى من المعاصرين. وكيف أن جهود العلماء مثل: محمد الغزالي وغيره من المعاصرين لم تفلح في فك الاشتباك مع هذا المفهوم الخطير، وأنه ما زال متداولا في حياتنا اليومية.
    واليوم سنتناول مسائل متصلة بالعقائد. وهي منطقة محتقنة بطبيعتها لا يلمسها الإنسان بقول حتى تقوم الأرض ولا تقعد. ونحن حين نلمسها ندرك خطورة هذه المسائل وحساسيتها. وسنحاول أن نقول ما نقول مراعين بقدر الإمكان واجب الحرص على مشاعر الناس والمهتمين. سنعرض لها من باب التنبيه والذي أرجو أن تتسع له الصدور. فالموضوع هو نهضة الأمة وما يعوقها! والذي يعوقها الكثير، منه السياسي والاقتصادي والاجتماعي. ولكن الأخطر هو الفكري ألاعتقادي كما لا يخفى على عاقل. ولذلك جاء الدين ليغير الأفكار والعقائد أولاً. رغم أن الأصنام كانت حاضرة في المشهد حينها فانتبه! وفي وجه مثل هذه المقدمة لقائل أن يقول: ها هم الأتراك والماليزيين يسيرون دون أن يتأثروا بمثل هذه المفاهيم فلماذا نهول من شأنها ؟ ولماذا نهتم لذلك وأبنائنا اليوم غير مهتمين بقراءة هذه الكتب أصلا ؟ وهم يدرسون العلوم الحديثة أكثر مما يدرسون علوم الدين ؟ ثم إن العقائد مسألة إيمان لا مسألة اقتناع. وقد يستطرد صاحبنا ليقول " اللهم ارزقنا إيمان عجائز نيسبور!" فنحن لن نستطيع أن نلج لموضوعنا في العقائد دون التعرض لهذه القضايا الوجيهة.
    أقول لقد فصل الأتراك في حركتهم بين الدين كشأن فردي، وبين سائر أوجه الحياة حسب النظرة العلمانية. وقل ذلك عن ماليزيا. ففي تركيا أسست العلمانية الأتاتوركية دون قصد لتفعيل دور العقل في المجتمع التركي، وأبقت الحالة الإسلامية وجود الدين فيه، وحدث من هذا التجاور والتساكن الخليط الذي نراه في تركيا والمسمى "العدالة والتنمية"، والذي يجمع بين الروح الإسلامية والفعل ألمصلحي، وهو أمر غير متحقق في المشرق العربي. وماليزيا تحركت في فضائها بحزب "أمنو" الذي أقام تركيبته على فكرة التعايش السلمي بين المكونات الثلاثة على القاسم المشترك. وعلى اعتماد نشاط المواطنين الصينيين والهنود كقاطرة للنهضة. وهو موضوع مختلف في منطقتنا من العالم فكثافة التراث ليست واحدة وصياغة ذات المعادلات تكاد تكون مستحيلة.

    أما أن أبناءنا غير معنيين بهذه الأمور الآن، وهم فقط يدرسون ما يقدم لهم في المدارس. فمن عرف أن الكتلة الحية من هؤلاء الشباب والشابات ذات العقل والرشد تلتقط التدين سريعا في بيئاتنا. وما يحدث في الجامعات والمدارس من السبعينات هو ما حرك المياه الراكدة، وأعاد الحيوية لمثل هذه النقاشات. ولا زال الشباب الذي يلتقط بذور الإسلام من محيطه يتزايد، وهؤلاء هم المهتمون بالشأن العام في الغالب، وعليهم دور كبير في إحداث النهضة، هذه الشريحة التي قد لا تزيد عن" 1%" من الكتلة الشبابية الأكثر تأثرا وتأثيرا، وهي التي تعقد عليها الآمال. ولو أصابها العطب فقدت رياح النهضة قوتها!
    وأما أن موضوع الإيمان يشمل قضايا الغيب، وهي في جوهرها تسليم فهذا صحيح. ولكن قضايا الإيمان ليست كلها على سمت واحد. والقرآن في جوهره هو نقاش مستمر مع العقول أولا. يطالبها بالإيمان بالله، ويسوق لها الدليل تلوى الدليل مثل قوله تعالى: ( يا أيها الناس اعبدوا ربكم الذي خلقكم والذين من قبلكم لعلكم تتقون الذي جعل لكم الأرض فراشا والسماء بناء ...) فهو حين طالبهم بالعبادة ساق لهم دليلين دامغين دليل الخلق، ودليل التسخير، وهما دليلان حيان يصدمان العقل لقربهما وبداهتهما وكثرة الغفلة عنهما، ويطالبها بالإيمان بالرسول والرسالة ويسوق لها الدليل بعد الدليل ( ولقد لبثت فيكم عمرا من قبله ) فأنتم تعرفون سيرتي وصدقي ...هكذا يستمر القرآن على طريقته مخاطبا العقل! فلم تكن معجزته إلا الحجة والبرهان. وقل ذلك على مسألة البعث والحساب. فالإيمان في جوهره الإسلامي يخاطب كل البشر على مختلف عقولهم، ولا يفترض فيهم التسليم ابتداء، كيف وهو يقول (وكان الإنسان أكثر شيء جدلا). وينعى على المقلدين ومتبعي الأحكام بدون دليل وبرهان ( قالوا هذا ما وجدنا عليه آباءنا). وهو كما طلب من البشر أن يأتوا ببرهانهم (قل هاتوا برهانكم إن كنتم صادقين ) حاججهم بالدليل والبرهان. فالشاب والفتاة في عصرنا يحتاجان للإقناع وليس الإكراه. فالخيارات أمامهم كبيرة وليس إيمان " عجائز نيسبور" رافعة لنهضة أي أمة وهو ليس بخيار.

    عندما يتدين الشاب أو الفتاة سرعان ما يلتحقان بحلق العلم أو بدروسه، أو بالأشرطة أو بالوسائط الإعلامية الدينية. يستقون منها معلوماتهم عن الدين، وهم غالبا ما يأخذون المعرفة مجزأة. وفي رحلة التدين مع من جربها يعرف أن الإنسان يبدأ بالأشد، وذلك لطبيعة المرحلة السنية ( المرحلة المثالية ) فهو يريد من الكتب أقدمها، ومن العبادة أصعبها، ومن الفقه أشده. وفي مثل ذلك جاءت وصايا الرسول الهادي " ما شاد الدين أحد إلا غلبه "، " إن هذا الدين عميق فأوغلوا فيه برفق " كلها وصايا متعلقة بتلك الطبيعة الإنسانية وميلها للغلو والتشدد.

    والمبتدئ هو الأكثر عرضة لمثل هذه الموجات النفسية . أما العامي فهو يتلقاها شذرات من حلقة المسجد، أو من درس تلفزيوني أو من مذياع يلتقط من الفضاء ما يرشح لعقله ويسكنه دون قصد منه للتلقي المنظم. فهو دون أن يشعر يلتقط ما يحيط به من إشارات بعضها أكثف من الآخر ولكنه يسكنها بحسب ما يأتي في فضائه العقلي.
    وأول هذه العلوم وأعلاها هي علوم العقيدة ومفاهيمها. فالعقيدة الإسلامية نزلت للبشرية بسيطها وعالمها. ويكتفي عادة العامي ومن شابهه بعموميات العقيدة وكلياتها وأدلتها المجملة، ومطالبها الكبرى بوجود إله كامل منزه، وبالرسول والرسالة التي حمل، وبالحساب والعقاب والثواب. ومن بينها مكملاتها بوجود خلق آخر وهم الملائكة والجن، وبالقدر خيره وشره من الله. ورغم ذلك لا يسلم الأمر من دروس وعضات يقال له فيها أشياء من قضايا الاعتقاد تزيد عن هذا القدر، ومحاولات الرد على أسئلة افتراضية أو الإجابة عن سؤال مباشر. فهو قد يتلقى فهما جبريا أو قدريا بخطأ من المرسل أو بسوء تأويل من المتلقي مثلا. أما المتحمس الأكثر رغبة في تلقي العلم الشرعي فسيتجه للقراءة الذاتية، أو التتلمذ على شيخ ممن يلقاهم ويثق بعلمهم. وأهل العلم في منطقتنا لا يخلو تتلمذ أحدهم من إحدى المدارس الثلاث الكبرى السائدة في عالمنا الإسلامي في العقائد: الأشعرية وتمثيلها في أبو الحسن الأشعري ومدرسته. ويقابلها بالهند المدرسة الماتريدية، ثم المدرسة السلفية وتمثيلها الواضح في شيخ الإسلام بن تيمية وتفسيراته. وقد يدرس الطحاوية. ورغم أن التصوف السني ينتمي عقديا لإحدى هاتين المدرستين إلا أنه يضيف رؤيته للمشهد ولونه، و بكل الاحترام والحب لأهل العلم والمعرفة بهذه الفنون، والذين هم أقدر الناس على إدراك حاجة الأمة اليوم وشبابها بالأخص للعقيدة الحقة. نحتاج أن ندرك مع ذلك أموراً نحتاج باستمرار للتنبيه عليها سواء في الدروس العلمية أو المواعظ نظرا لخطورتها، وسأركزها في عدد من الأمور الهامة:

    1- الإنسان فيما هو في مقدوره مخير وليس مسير ومن هنا جاء التكليف.
    2- الإنسان مسئول عن فعله في الدنيا والآخرة.
    3- الكون خلقه الله وما فيه بقوانين وسنن حاكمة (ولن تجد لسنة الله تبديلا ).
    4- الأسباب تقود لنتائجها، كما قدر الله ووفق قوانينه التي وضعها للمادة والأشياء.


    ورغم بساطة مثل هذه الأمور وبدهيتها للبعض، يفاجئ الإنسان بطالب لم يذاكر فلا ينسب الخطأ له. بل يقول (قدر الله وما شاء فعل!!). وبصاحب مركبة يدهس الناس بسوء عمل ويقول (قدر الله وما شاء فعل!!). وبشخص يضع النار إلى جانب البنزين ويقول ( الله هو الحافظ!!). وبشباب يعتقد أن قوانين الكون ستخرق بمجرد المحافظة على صلاة الفجر ولو كان المصلون مهملين في العلوم الدنيوية، والأخذ بأسباب القوة!! قد يقول قائل هذا سوء فهم، وسوء تأويل. والسؤال من أين تدخل هذه المفاهيم؟ ومن أين تعالج؟ وما هو الخطر الكامن في عدم معالجتها؟
    لنبدأ من الأخير. ما هو الخطر الكامن وراء عدم معالجتها؟ من اعتقد بالجبر الصريح أو غير الصريح سيقف أمام تيار الحياة منتظرا لا يحرك ساكنا!! فالظلم بالنسبة إليه أمره هين (اللهم اهلك الظالمين بالظالمين وأخرجنا من بينهم سالمين ) أو في بعض الأقوال ( لو صبر القاتل على المقتول لمات لوحده) وقس ذلك جميع اختلالات الحياة كالذل والفقر والمرض ...وكل خطأ سيسند لأقدار الله التي ليس لها راد! وبالتالي تنتفي المسؤولية والشعور بواجب الاستجابة المكافئة، أو تضعف على أقل تقدير في الكتل الضخمة من البشر، وتفقد الأمة استجابتها الضرورية كبقية أمم الأرض ( والذين إذا أصابهم البغي هم ينتصرون ) فهل حالنا في عمومه خلاف ذلك ؟
    وحين يعتقد الإنسان أنه لا علاقة بين السبب والنتيجة، فالنار لا تحرق بسبب خواصها وقوانين الحرارة! والسكين لا تقطع بخاصية الصلابة والحدة والحركة!! بل هي محض عادات ألفها الناس عند التقاء الأشياء. أو يعتقد بعدم وجود قوانين حاكمة للكشف عنها، ولكن كل سبب يعمل منفصلا وعلى حده. لو كان هذا ما وصل لعقل طالب العلم فمن أين يأتي الكشف العلمي؟ ولماذا نقوم به بالأساس!! فالأمور لا يحكمها قانون بل هي محض عادة! هل يؤثر مثل هذا الفهم أو القول على العلم والمعرفة ؟ وهل الكشوف العلمية إلا بحث في المادة وخصائصها واكتشاف قوانينها ؟ فلننظر في فضائنا ونسأل هل نعاني من قصور في مجال الكشف العلمي كأمة اليوم؟ هل تؤثر فكرة مثل هذه في عقل المتلقي سلبا أم إيجابا؟ هل تقود للفاعلية العلمية أم لعكسها؟ هل تستحق منا المراجعة والبحث والنظر والتعمق؟
    وهل يمكن أن تنجح أمة في التقدم لو ( أقول لو) سكنتها مثل هذه الآفات في عقلها؟ واستمر التبشير بها ونفثها في فضائها ؟هل نحتاج أن ننظر فيما نقول في هذه المسائل وندرس، فإن وجدنا خيرا حمدنا الله. وإن وجدنا ما يقارب هذه الآفات قمنا باجتثاثه أو تعديله بحيث نستقبل عصورا جديدة بروح القرآن الفاتحة للكون بكلمة (اقرأ )، ( وعلم بالقلم )، ( وعلم الإنسان ما لم يعلم )، ( وقل هاتوا برهانكم )، ( إن الله يأمر بالعدل والإحسان )، ومنظومة العقل والتدبر والفقه والفهم . أم سننخرط في الدفاع عن ما ورثناه حتى لو بان لنا خطره على العقل ومستقبل الأمة ؟

    http://www.aljazeeratalk.net/node/5570
     
  7. maximo-27

    maximo-27 Ghost

    J'aime reçus:
    224
    Points:
    63
    العبادة..نظام الافكار الحاكمة
    نظام الافكار الحاكمة 5

    د.جاسم سلطان - ثورة الأفكار

    يبدو العنوان غريباً بعض الشيء! فهل العبادة لها علاقة بالنهضة!؟ إن السؤال الأول الذي سنواجهه حينها هو "هاهي أمم كثيرة تشق طريقها ناهضة وحظها من العبادة يقل في مجموعها عن عبادة شهر رمضان في بلد مسلم واحد!! فكيف تنهض وحظها من العبادات قليل؟ وحظنا منها في كل الأحوال أكبر منهم ونحن على حالنا لا نتقدم؟!" ها نحن من أول خطوة في الموضوع نواجه سؤالاً محيراً فعلاً، فحتى لو قلنا أننا لسنا ممتازين في العبادة ولكن القليل الذي نقوم به أكبر بكثير من بقية الأمم هكذا تبدو الصورة للوهلة الأولى على الأقل.
    لكن ما هو معنى العبادة المرتسمة في العقل الجمعي ومن أين تكونت هذه الصورة في أذهاننا؟

    نحتاج إلى أن نرى العقل في تشكله منذ سنينه الأولى.. حين يؤمر بالعبادات العينية (صلاة وصيام...الخ) ويركز عليها، وتوضع في الظل صورة العبادات المتعدية (التي يتعدى نفعها لغيره كالعمل الاجتماعي ونفع الآخرين وبناء المجتمع النموذج والفضاء العام)، حينها تبدأ أول ملامح معنى العبادة تتشكل في العقل الباطن، ثم يدخل هذا الطفل المدرسة، ولنفترض أنه في دولة يأخذ الدين فيها حظه من التدريس، وسيدخل ليتعلم مادة الدين، وسيجد أن الحديث يدور حول العبادات العينية باستمرار، ومرة أخرى ستكون العبادات المتعدية في الظل وعلى الهامش، فالعبادات كما نقرؤها في كتب الفقه تبدو شأناً فردياً متعلقاً بالفرد في صلاته وصومه وحجه وزكاته ومعاملاته بيعاً وشراء ونكاحاً، وهي المباحث التي يقرؤها الفرد العادي وتعنيه، فلا غرو أن تنطبع في ذهنه كحقيقة موضوعية عن مفهوم العبادة، إنها وسيلة نجاة فردية! ولننظر لهذا الشخص وقد كبر وفتح كتاباً في التفسير يقرأ فيه (وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون)، فيجد قولاً مثل" ليذعنوا" أو "للتذلل لأمرنا" أو ليقروا بعبادتي طوعاً"هل تحسنت الصورة أم ما زالت كما هي؟ ها هو يذهب إلى المسجد، ويستمع للمتحدث يوصيه بالصلاة والزكاة والصوم والحج، ثم لا يلتفت لسيارته التي تسد الطريق على حركة السير، أو لحذائه الذي قد رماه في الخارج ليعطي صورة للفوضى في الفضاء العام مقابل النظام في صفوف المسجد أو لأكوام النفايات التي تحيط بالمسجد والحي في مقابل نظافة مكان الصلاة، ودون أن يحرك أحد ساكناً ليغير من هذا الواقع، ها هو مرة أخرى تتضاءل في عينيه العبادات المتعدية، وتكبر في عينية العبادة الفردية. فهل هذا هو الإسلام الذي جاء به القرآن وسطرته السنه!؟
    هل النسب فيه متساوية؟ هل أولويات العبادة محترمة؟
    الصورة الحقيقية للعبادة صورة متكاملة، فالعبادة في جوهرها الخضوع مع المحبة لله، وفي آفاقها هي إتيان كل ما أمر الله به وتجنب كل ما نهى
    عنه ولكن هناك قواعد ناظمة لها أولها: أن العبادات منها فروض الأعيان فكل شخص مخاطب على حدته بتكاليف لا ينوب عنه فيها غيره، ومنها الصلاة والصيام والحج المفروض والزكاة المفروضة. ومنها العبادات الكفائية حيث هي موجهة للمجتمع ولو قام بها ووفى أفراد من المجتمع لسقط عن الباقين التكليف، ومثالها لزوم وجود الأطباء والمهندسين وسائر الفنون والصناعات التي لا يقوم المجتمع إلا بها. والسؤال الكبير المطروح كم حجم التركيز على مفهوم العبادات الكفائية وكم حجم النقص فيه في أمتنا؟ توطين العلم، الصناعات العسكرية والمدنية وفنون الزراعة العلمية والصحة، بل وحتى فنون الإعلام ؛المسرح والسينما وسائر فنون توصيل الأفكار. لا يشك عاقل أننا نقف في آخر صفوف البشرية الحية في هذه المجالات. ولكن هل تكويننا العقلي المعاصر نضغط فيه بشكل متوازن بين فروض الأعيان وفروض الكفايات؟ لك أن تتابع منابرنا الإعلامية المختلفة لتكتشف نوع الإرسال والرسائل القائمة اليوم، وحجم التقصير وإعادة إنتاج ذات الصورة غير المتوازنة في العقل الجمعي.

    وثانيها: أننا حين نؤدي فروض الأعيان وننتقل للنوافل، يعلم كل طالب علم شرعي أن العبادات المتعدية أكبر أجراً من العبادات القاصر نفعها على الفرد ذاته، وأنه كلما زادت دائرة النفع كلما زاد الأجر. فحين يؤدي الإنسان فرضه من الحج مثلاً فهو ينتقل في التفكير الآن لدائرة النفل وعنده قدر من المال وقدر من الوقت وقدر من الجهد للإنفاق، وعليه أن يوازن هل لو قام بحجة أخرى أنفع له من ناحية الأجر أو لو تصرف بها ليحقق نفعاً لأمته، أيهما سيحقق له عائد أكبر؟ مرة أخرى ستفجعنا الأرقام عن حجم الإنفاق السنوي المختل في النوافل الفردية على النوافل المتعدية، ليس فقط في المال ولكن في الوقت والجهد، فهل تنبيهنا على هذه الحقيقة يغير الصورة في وجه التكوين المعرفي الحالي ونوع الخطاب الموجه للفرد المسلم المعاصر.

    حدثني أحد الحجاج قال كنا في منى وجلس الناس لقراءة القرآن منفردين، وكنت أنظر من حولنا لأكوام النفايات وهي تحيط بهؤلاء القراء وتساءلت لم لا نقوم بتنظيف المكان وأيهما أكثر أجراً هنا، أن يقرأ كل منا القرآن منفرداً أو أن ننظف المكان ونوسع على عباد الله ثم نعود للقراءة؟!

    العبادة التي نريد هي طاعة لله مستنيرة (قل هذه سبيلي أدعو إلى الله على بصيرة أنا ومن اتبعني).حث على العبادات الفردية متوازن مع الحث على فروض الكفايات والعبادات المتعدية.

    عندها حين نقول أن العبادة طريق للنهضة ،سنفهم أن تتحول الحياة وكل ما فيها إلى محراب للعبادة، فهذا الفرد الذي يقوم بعبادته منفرداً ليتزود بالطاقة الروحية؛ هو ذاته الفرد الذي يعلم أنه حين ينتقل لعمله فهو ينتقل لمجال آخر من العبادة العينية، والتي يتحمل مسؤوليتها في مصنعه ومعمله ومتجره ومزرعته

    والذي يقوم بالعبادات النفلية منفرداً لو خير بين عبادته الفردية، وعبادة نفعها يعود على مجتمعه لتطوع للثانية عارفاً أنه في عبادة ذات عائد أكبر، حينها ينطبق على أفراد الأمة قوله تعالى (قل إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين )عندها تصبح طاقة الأمة الإيجابية منظمة، وقدرتها على الإقلاع الحضاري مضاعفة عن قوة غيرها من الأمم، فحين يعمل العنصر الإيماني في المسجد وفي المصنع وفي المزرعة وفي التجارة وفي العلم بذات الكفاءة فلا وجه للمقارنة، وحين تنحرف البوصلة وتقف العبادة عند بوابة الفرد لا تغادرها للحياة ،حينها نكون أمام المشهد الذي نشتكي منه اليوم .

    http://http://www.aljazeeratalk.net/node/5732
     
    1 personne aime cela.

Partager cette page