قصة تدمي القلب يحكي فيها بوشتى الشارف ما تعرض له من التعديب

Discussion dans 'Nouvelles (9issass 9assira) & Chroniques' créé par BOLK, 15 Avril 2011.

  1. BOLK

    BOLK Accro Membre du personnel

    J'aime reçus:
    309
    Points:
    83
    داخل قبو مظلم بحي شعبي بمدينة طنجة، استقر طفل صغير في حضن أمه يشكو أوجاعا داخلية حرقت فؤاده. ظلت الأم تمرر يديها فوق جسده الصغير عل حنانها يهدأ روعه، وهي تقول بصوت خافت"ما بك يا بني بماذا تحس؟"، فأجابها ببراءة قتلتها الحاجة "إنه مرض الفقر يا أمي".
    حمزة، ذو السبع سنوات، هو ابن أسرة فقيرة، الأب فيها معتقل في قضية إرهاب غاضمة، تاركا وراءه كومة لحم تفرقت بها السبل، قبل أن تستقر في حي "برواقة" الشعبي بمدينة طنجة تصارع الفقر من جهة ونظرات الناس القاتلة من جهة أخرى.
    كانت الساعة تشير إلى الثانية عشر والنصف بعد الزوال، حرارة مفرطة على غير العادة، لكنها لم تحد الحركة الدائبة في كل أركان الحي المستقر فوق هضبة عالية. الوصول إلى بيت عائلة "الشارف" يتطلب شق أزقة ضيقة لم تخلو من حفر غائرة. من بعيد، ظهر بيت صغير بالكاد اكتمل بناؤه. وخلف باب حديدي صادئ بدت أجساد أطفال صغارا تتسابق بخفة نحو الخارج لاستقبال الضيوف.
    بدا بيت عائلة الشارف أشبع بقبو تنبعث منه رائحة الرطوبة التي أتت على جدران البيت الصغير، تماما كما قضت على صحة أطفاله. "هذا أحس ما وجدته هنا، أكتريه ب900 مائة درهم في الشهر وآوي فيه أبنائي الصغار"، تقول أم السعد، والدة الأطفال الستة. مدخل صغير جمع بعض الآواني ليصير اسمه "مطبخا"، وفي الداخل بهو مظلم يجمع شمل عائلة تشتت بعد أن اعتقل معيلها الأول..."بوشتى الشارف". تجمع الأطفال حول والدته الملتحفة السواد، وهي تقول "لم أجد مكانا أحسن من هنا، وفي السابق كنت في غرفة ضيقة، أنام فيها وأبنائي ملتصقين وكلما تحركت بكى أولادي لأنني كنت أعصرهم".
    حان موعد المدرسة، جمع عبد الله، 10 سنوات، وحمزة، 7 سنوات، وعبد الرحمن 6 سنوات أغراضهم استعدادا للرحيل، فيما كان سعد، كبير إخوته في المسجد يتابع دروسه الدينية. أما حفصة ذات 12 سنة، فقد انقطعت مبكرا عن الدراسة وركنت في البيت إلى جانب والدتها تعد الأيام في انتظار الأب الذي لا يدري أحد هل سيعود إلى حضن أسرته أم لا.
    الرحلة إلى المدرسة شاقة جدا، فالأبناء ليسوا عاديون، بل صغار أب هو في أعين الناس "إرهابي"، ولهذا صار لقبهم في الحي هو "أبناء الإرهابي". كلما حلوا وأينما وضعوا أقدامهم تتعقبهم نظرات الناس القاتلة التي لم ترحم صغر سنهم.
    في الطريق إلى المدرسة، تظل أعين صغار بوشتى الشارف مفتوحة جيدا على أحد أهم مصادر رزقهم، إنها "حاويات الأزبال". يقترب منها الأطفال بأمل كبير علهم يجدون شيئا مهما. يقول "عبد الرحمن" "نأتي هنا باستمرار، ننقب في الحاويات ونجمع بقايا الخبز اليابس الذي يكون معلقا فيها، كما نبحث عن قنينات بلاسيتيكية وأشياء أخرى نعيد بيعها". الرحلة داخل القمامة تكون بشكل يومي تقريبا، فبعد العودة من المدرسة يعرج الأطفال، خاصة عبد الله وعبد الرحمن على نقاط معينة اعتادوا المرور بها جانب السوق الشعبي، لينقبوا عن "مأكلهم ومأكل عائلتهم الفقيرة". مضى عبد الرحمن يشق طريقه بفتور نحو المدرسة. يقول "نحن أسرة فقيرة وعلينا أن نعمل لنساعد بعضهما". ظل يحمل محفظته فوق كتفيه، وفي كل مرة يزيغ النظر صوب حاوية أزبال مركون في أحد الأزقة، عله يكشتف ما بداخلها. "في نهاية الأسبوع نذهب إلى منطقة بني مكادة، وهناك ننقب في الحاويات". ويضيف بمرارة "نجد فيها ما نأكله، وما نبيعه".
    المدخول اليومي لهؤلاء الأطفال متذبذب وذلك "حسب ما جادت به الحاويات"، يقول عبد الرحمن "فمرة نحصل 10 دراهم ومرات أخرى أقل"، لكن المهم أننا "نجد بعض الخضر والفواكه الملقاة هناك لنأكل منها".
    "أم السعد"، تعلم جيدا "شغل" أطفالها لكن "ما باليد حيلة"، تقول. لم تقو على مرافقتهم في ذلك اليوم، بدا لها المشهد محطما ومحبطا للعزائم. "أعرف جيدا ما يقومون به، لكنني لا أقو على رؤيتهم ينقبون في القمامة ليجدوا ما يأكلون". حتى الأطفال أنفسهم، وعلى الرغم من أنهم اعتادوا التنقيب في الأزبال، أحسوا بالحرج...أحسوا أن كل الناس تراهم دون أن تحس معاناتهم، لذلك عدوا عن التنقيب وأزاغوا الطريق صوب المدرسة خاليي الوفاض.
    تقلب هؤلاء الأطفال الصغار على مهن عديدة، فمرة كانوا يبيعون حلوى كانت تصنعها والدتهم مقابل 50 سنتيم للقطعة، ومرة أخرى يطوفون ببعض الألبسة التي كانت تخيطها الأم بالبيت، قبل أن يستقر بهم الحال في "مهنة" مميتة، هي التنقيب في الأزبال.
    قصة هذه الأسرة المكونة من ستة أفراد، تعليهم أم عاطلة عن العمل، يمتزج فيها الألم بالفقر والجوع والتشرد. أطفال صغار تحولوا إلى "مشردين" يتعقبون حاويات الأزبال يقتاتون منها تارة، وتارة أخرى يجمعون بقايا الخبز اليابس والمواد البلاستيكية لإعادة بيعها مقابل دراهم معدودة. والنتيجة كان مرضا قاسيا ألم بالأطفال.
    البيت الذي تعيش فيه الأسرة الآن أشبه بزنزانة تنبعث منها رائحة الموت أكثر من نسيم الحياة. الرطوبة نخرت الجدران المتآكلة، وقضت على مناعة الصغار الذين صاروا يعانون من الربو والحساسية. "حذيفة" صغير أخوته الذي لم يتعد أربع سنوات. يجري بين جدران البيت "مختنقا" لا يقو على الكلام، تقول والدته "حتى الصغير أصيب بالحساسية".
    لا مكان في البيت لأفرشة ولا متاع، فقط "الحصير" ما يفترشه الصغار ووالدتهم التي خصصت مكانا معزولا لآلة الخياطة التي تقضي يومها تداعب خيوطها. تقول "نموت بشكل يومي...نصارع الحياة والمرض". لكن الأزمة ستصير أكبر بعد أن ظهرت "كوريات" متوسطة فوق عنقي الصغيرين عبد الرحمن وعبد الله، اللذان اعتادا على الاقتتات من القمامة. تقول الأم بلوعة "قيل لي أنه ربما يكون سرطانا في العنق". وعلى الرغم من كل ذلك، لم ير الصغيران الطبيب يوما "فقلة ذات اليد لم تسمح لي أن آخذهما لمعاينة الطبيب".
    "يقول لي الناس إنه السرطان"، هكذا يصف عبد الرحمن "الكوريات" التي احتلت عنقه في غفلة منه. "هذا أمر طبيعي فأنا آكل من القمامة"، يضيف ببراءة ممزوجة بالأسرى.
    لم يرى الصغار والدهم منذ شهور، وبعضهم لم يره منذ سنتين، عندما اعتقل في سوريا، حيث كانوا يعيشون. هو الآن في سجن سلا، ينتظر حكم المحكمة، وأسرته تنتظر في طنجة كل يوما خبرا عله يكون سعيد ويعيد إليهم والدهم. "سنتشغل إلى أن يخرج أبي"، يقول "عبد الله". ويضيف "ليس لدينا ما نعيش به، وعندما سيخرج أبي سنذهب إلى الطبيب لنبعد عنا السرطان". هذه هي فكرة الصغير الذي لم يجد تفسيرا طبيا لما يعيشه.
    قبل أيام، سجل بوشتى الشارف شريطا مصورا من داخل السجن يحكي من خلاله معاناته مع الاعتقال والتعذيب. كان شريطا قويا روى فظاعة وبشاعة التعذيب في المعتقل السري تمارة. الكثيرون اطلعوا على هذا الشريط الذي تم تداوله بقوة، ما عدا أسرة بوشتى. تقول الأم "كيف يمكننا أن نطلع عليه ونحن لا وسيلة تواصل لدينا، حتى التلفاز لا نملكه".
    فجأة تجمعت الأسرة الصغيرة حول جهاز حاسوب صغير، يتتبعون تفاصيل الشريط. لقد ظهر وجه الأب، وتحرك "حذيفة" الصغير بسرعة يلامس وجه أبيه وهو يصرخ "إنه أبي...إنه أبي". حفصة، وعبد الله، وعبد الرحمن...كلهم تجمعوا حول صورة أبيهم يهتفون. كانت الابتسامة القاسم المشترك بينهم...يعلمون جيدا أن والدهم معتقل، وزاروه مرات تعد على رؤوس الأصابع. وكانت رؤيته باعثا لإحساس جميل في نفوس الأطفال الذي ظلوا يطالعون صورته، فيما كانت الأم تسمع فظاعة ما يصرح به في الشريط. انتهى تصريح الأب الصادم، واختفت صورته...وبقي "حذيفة" الصغير يصرخ "أريد أبي".
    بوشتى الشارف... في شريط الألم والأمل
    كل شيء في حياة هذه الأسرة بدأ صغيرا، ثم سرعان ما تحول إلى كرة لهب حارقة امتدت نارها إلى 6 أطفال صغار فقدوا كبل معاني الطفولة.
    في أواخر سنة 1997، التقى شاب يافع ينحدر من مدينة تاونات اسمه بوشتى الشارف بشابة من الغرب لم تكن سوى "زهور" زوجته الحالية. ارتبط الاثنان وكانت ثمرة زواجها 6 أطفال كبيرهم لم يتعد 14 سنة. يقول بوشتى، الذي رأى النور في سنة 1997 بمدينة تاونات، في حديث خاص مع "أخبار اليوم" "تزوجت من أم السعد، بعدما غادرت تاونات إلى طنجة". حل بوشتى بعروس الشمال وفي يده ديبلوم ميكانيك لم يشتغل به كثيرا، إذ سرعان ما توجه إلى عالم التجارة، وبدأ يجر عربة فواكه وخضر، وأحيانا يبيع الملابس التي كانت تخيطها زوجته.
    بعد حوالي سنتين من الزواج اشترى بوشتى قطعة أرض بحي "مسنانة" وبنى عليها مسكنا جمع عائلته الصغيرة، لكن المرض سيقلب حياة الأسرة.
    في سنة 2001، أجرى الأب عملية جراحية على الأمعاء، ومن أجل ذلك أصبح غير قادر على جر عربة الخضر والفواكه، وبدأ يفكر في وسيلة أخرى لكسب العيش. وكان الحل هو "الخياطة لأنها مهنة لا تتطلب الكثير من الجهد"، يقول بوشتى.
    لم يعد الأب يقو على الجهد في العمل، ومن أجل ذلك تراكمت الديون وبدأ التفكير في حل، الذي لم يكن سوى "الهجرة إلى الخارج".
    فكر بوشتى في الهجرة نحو الخارج، دون أن يفكر في الوجهة. وبعد استشارات عدة استقر رأيه على تونس، بحكم عدم توفره على أية تأشيرة تمكنه من السفر إلى أوربا أو غيرها. يقول "رحلت على تونس، أملا في العبور نحو مالطا أو إيطاليا من أجل العمل، وهناك قضيت حوالي 20 يوما دون أن أجدا منفذا معينا، ومنها رحلت إلى طرابس التي قضيت بها 13 يوما، ومن ثم إلى مصر".
    ظل بوشتى بحث عن العمل في كل الأقطار، وفي مصر مكث مدة يبحث عن منفذ نحو الديار السعودية، لكن بعض السماسرة "طلبوا مني حوالي 1000 دولار، وهو ما لم يكن متوفرا لدي"، يقول.
    نفذ كل المال الذي كان بوشتى يحمله معه، واتصل بعائلته من أجل مساعدته، واقترحت عليه زوجته أن يبحث عن ملابس نسائية ليرسلها إليها من أجل إعادة بيعها، وهذا ما كان. يقول بوشتى.
    بقيت الأمور متذبذبة، فالهجرة لم تكن أمرا سهلا. في مصر التقى بوشتى بأحد السوريين، الذي أقنعه بضرورة السفر إلى سوريا، حيث فرص العمل، خاصة في التجارة.
    في تلك الفترة، كانت سوريا قبلة لعدد من العراقيين واللبنانيين الهاربين من الحرب، وبسبب ذلك، انتعشت الحركة التجارية الرواج بسوريا. يقول بوشتى "سافرت إلى سوريا، وهناك التقيت مع عدد من الطلبة المغاربة الذين كانوا يدرسون العلم". ويضيف "أعجبت كثيرا بالأجواء في سوريا وقررت أن أبقى هناك وأن أطلب من عائلتي الالتحاق بي".
    تعرف بوشتى على أحد السوريين الميسورين هناك، وبدأ الاثنان يشتغلان في مجال العقار. يقول "كانت تجارة البيوت والشقق مربحة هناك، فقد كنا نشتري شقة غير مجهزة، نقوم بإصلاحها ثم نعيد بيعها". ويضيف "كنا نشتري الشقة بحوالي 10 او 12 مليون سنتيم، ونقوم بإصلاحها ونعيد بيعها بحوالي 22 إلى 24 مليون سنتيم".
    بدأ الأموال تجري بين يدي بوشتى الذي صار شريكا لصديقه السوري. بقي الاثنان يشتغلان لمدة ثلاث سنوات، وكان الإقبال كبيرا على الشقق. ولتسهيل عملية البيع، كان بوشتى يلجأ إلى جريدة تدعى "الوسيلة" ينتشر عليها إعلان الشقق الموجودة لديه، وكان يتصل به عدد كبير من الزبائن. وفي نهاية المطاف "قام الاثنان ببيع ما يزيد عن 10 شقق، ربحنا منها الشيء الكثير"، يقول بوشتى.
    اشتى بيتا بدمشق واستقر فيه رفقة عائلته الصغيرة، وكانت الحصيلة 16 مليون مغربية ظل بوشتى يحتفظ بها في بيته.
    ذات مرة عبرت زوجة بوشتى عن رغبتها في العودة إلى المغرب. تقول "الإحساس بالغربة أمر فظيع، ومن أجل ذلك طلبت من زوجي أن نعود إلى المغرب وهناك نروج ما جمعناه في أي مشروع تجاري بين عائلاتنا وأهالينا".
    كان طلب "أم السعد" مجابا، ورد عليه الزوج ببيع المنزل، والتوجه إلى مصلحة الهجرة والجوزارت لتسليم الإقامة وطلب رخصة مغادرة البلاد، وهناك حصلت المفاجأة..بل الكارثة.
    أول الطريق نحو تمارة...
    كان لي بوشتى ملفا كاملا لدى السفارة المغربية بسوريا، حيث كان يعيش هناك بطريقة شرعية. يقول "كنت أتقلب على السفارة المغربية باستمرار، وهم يعرفونني جيدا وسجلت كل أبنائي لديهم".
    قبل التفكير في العودة صوب المغرب، كان بوشتى تلقى أواخر سنة 2007 اتصالا من المخابرات العسكرية السورية تطلب منه الحضور لديها من أجل غرض معين. يقول بوشتى "استجبت لطلبهم وبقيت لدى المخابرات حوالي 3 ساعات، حيث حققوا معي عن علاقاتي في سوريا وخارجها وعن تحركاتي ومعارفي وأصدقائي". انتهى التحقيق، وعاد بوشتى إلى بيته بسلام.
    تقول "أم السعد" "تلقى زوجي الاتصال من المخابرات السورية مباشرة بعد عودتنا من الديار السعودية حيث قضينا العمرة هناك". وتضيف "والمخابرات حققت معه حول سبب تلك الزيارة وعن معارفه وأشياء أخرى، أجابهم عنها".
    عندما فكر بوشتى في أداء مناسك العمرة، أخذ معه نصف أبنائهم، حمزة وعبد الرحمن، فيما ترك حفصة لدى إحدى الجارات. أما سعد وعبد الله، فقد بقيا مع أحد المغاربة الذين كانوا حلوا بسوريا من أجل "طلب العلم". يقول بوشتى "قبل سفري إلى السعودية من أجل العمرة، أخبرني أحد الأصدقاء عن مغربي حل بسوريا ولا يجد مكانا يعيش فيه، وطلب مني أن أساعده". ويضف "وبالفعل استضفته ببيتي، وطلبت منه أن يبقى مع أطفالي إلى حين عودتي من العمرة ليتدبر أمره، وهذا ما كان".
    التقى بوشتى مع الشاب المغربي الذي يدعى "نور الدين" قبل رمضان 2007 بأيام، ولم يكن يعرف أن هذا الشاب سيكون طريقه نحو السجن ودهاليز المعتقلات السرية. يقول "عندما عدت من العمرة، طلبت منه أني يتدبر أمره لأنه لم يكن من الممكن أن يبقى معي في البيت..لم يعجبه الأمر وطلب مني أن أستضيفه لمزيد من الوقت، ورفضت، ومن أجل ذلك خرج منزعجا دون أن أعرف وجهته، وفيما بعد سأعرف أنه عاد إلى المغرب وهناك اعتقل".
    عاد الشاب المغربي من حيث أتى...وبقي بوشتى في وضع حرج، حيث استدعته المخابرات السورية. يقول "هددوني وضربوني وهم يسألون عن علاقاتي دون أن يذكروا لي اسما معينا، بعد ذلك أطلقوا سراحي، وبقيت أعيش في سوريا".
    ظل بوشتى يحس بأنه مراقب من قبل المخابرات السورية، وأن هاتفه على طاولة الاستماع، وعندما فكر في العودة نهائيا إلى المغرب سنة 2009، بدأت ملامح القصة تتضح شيئا فشيئا.
    حل بوشتى وزوجته صباحا لدى مصلحة الهجرة والجوازات لطلب رخصة المغادرة، وهناك تم اعتقالهم. تقول "أم سعد" "اعتلقونا لمدة 15 يوما...وبقي أطفالنا وحيدين في البيت حيث أقفلنا عليهم الباب قبل خروجنا". ويضيف بوشتى "بقينا حوالي أربع ساعات معتقلين في مصلحة الجوازات ومنها إلى غدارة المخابرات "الفرع الخارجي، وبقينا هناك 15 يوما". ويضيف "كنت أسمع زوجتي تصرخ وتنادي بأسماء أبنائنا، وبعد أيام أطلقوا سراحها، فيما بقيت أنا معتقلا لديهم".
    لحظة اعتقالهم، طلبت المخابرات من بوشتىى مفاتيح بيته بدمشق، وتم تسليمها إلى مصالح السفارة المغربية بسوريا، التي كان بعض أفرادها يزورون الأطفال بشكل يومي من أجل إطعامهم. كان "حذيفة" رضيعا آنذاك.تقول حفصة "كان بعض الغرباء يأتون إلينا من أجل إطعامها، وعندما نسألهم عن أبي وأمي يجيبوننا بأنهم سيحضرون".
    في تلك الأيام، بدأت أيام أخرى في حياة أسرة بوشتى، فالأب لم يدق طعم الحرية منذ ذلك الحين، فيما عادت الأم خائبة إلى المغرب رفقة أطفالها الستة.
    يقول بوشتى "بعد إطلاق سراح زوجتي تمت إحالتي على الفرع الداخلي للمخابرات، وهناك عذبوني بشدة..وضعوني في غرفة نتنة مملوءة بالماء الآسن، وصاروا يضربونني بعصا كهربائية، ويقولون لي إنك تتجسس علينا لفائدة إسرائيل...وإن المخابرات المغربية هي من أطلعهم على ذلك". وفي آخر المطاف، يضييف، "قالوا لي بأن السلطات المغربية أخبرتهم بأنني آويت صديقا مغربيا كان يريد السفر إلى العراق، وأنه لم يتمكن من ذلك فعاد إلى المغرب ليتم اعتقاله هناك، ومن أجل ذلك طالبت السلطات المغربية نظيرتها السورية باعتقالي وتسليمي".
    لم تنته رحلة التعذيب في سوريا، بل كانت تنتظر بوشتى أياما حالكة في المغرب. يقول "المخابرات السورية استحوذت على هاتفي المحمول، وظلت تتصل بكل الأرقام الموجودة عليه، وفي كل مرة كانوا يحضرون أحد عمال الصباغة والبناء والحدادة، الذين كانوا يشتغلون معي، وكانوا يضربونهم بقوة ويعذبونهم لينتزعوا منهم بعض التصريحات". ويضيف "بقيت مدة 6 أشهر لدى المخابرات السورية، بعدها أعادوني إلى الإدارة العامة للمخابرات، حيث بقيت هناك خمسة أشهر أخرى، ومنها إلى المغرب".
    في 17 يوليوز 2009، سيتم ترحيل بوشتى نحو المغرب. يقول "حضروا لدي وأخبروني بأنهم سيسلمونني إلى السلطات المغربية". ويضيف "امتطينا السيارة، وكنت معصب العينين ومقيد اليدين، وفي المطار سلموني إلى شخصين، كان واحد منهما يحمل تحت سترته رشاش، فيما كان الآخر رجلا قوي البنية".
    من دمشق إلى أبو ظبي، كانت الرحلة شاقة..خوف وهلع وترقب. وفي مطار أبو ظبي، نزل بوشتى حيث سلم إلى شخصين آخرين، كانا من جنسية مغربية، وهناك قضى ليلته في إحدى غرف المخابرات المحروسة، قبل أن يمتطي الطائرة في اليوم الموالي عائدا إلى المغرب.
    • المصدر: عن جريدة "أخبار اليوم" وباتفاق مع كاتبة الريبورتاج



    <iframe title="YouTube video player" width="480" height="390" src="http://www.youtube.com/embed/vl-r6zV8vjw?rel=0" frameborder="0" allowfullscreen></iframe>​
     

Partager cette page