قصة مشتاقة أنا إليكِ.. يا أمّي

Discussion dans 'Nouvelles (9issass 9assira) & Chroniques' créé par klar007, 17 Octobre 2006.

  1. klar007

    klar007 Visiteur

    J'aime reçus:
    0
    Points:
    0
    قلت: لا تبيعوا مقعدي المتحرّك، أريد الاحتفاظ به.
    أدار أبي عينَيه إليّ، ومسح بيده على رأسي. تنفّس عميقاً وقال:
    ـ كانت أيّاماً صعبة عشناها يا ابنتي.. أنا وأنت وأمّك.
    آه يا ماما.. كم أنا مشتاقة إليك! مرّ أسبوع لم أرَها فيه، كأنّي مبتعدة عنها سنوات!
    آه لو أستطيع أن أطير لأعبر المسافة.. أطير بأجنحة الشوق لأصل إلى أمّي وأخبرها هذا الخبر السارّ.. أقول لها: ماما.. لا تحتاجين بعد الآن أن تبكي علَيّ في الخفاء، لا تحتاجين أن تجلسي قرب فراشي إذا نمتُ وتقبّلي رِجلَيّ المُتَيبّستَين. لقد عُوفيتُ يا أمّي. أستطيع الآن أن أمشي، أن أجري، وأن ألعب فرحةً مسرورة.
    في داخلي رغبة شديدة.. رغبة في الطيران.. في العروج.
    أريد أن أستفيد من سلامة رِجلَيّ بكلّ ما أقدر. ليت تلك اللحظات النورانية قد امتدّت، وذلك الزمن الروحانيّ قد طال. ليت الزمان قد توقّف لأسبَح لخطاتٍ في ذلك الجوّ، جوّ المحبّة.. وأغيب فيه!
    عندما جاء المولى الرضا عليه السّلام.. امتلأ الفضاء بعطر حضوره، وراح يداعب الأنف. من كُمّه الأخضر المقدّس ظهرت يد.. وأخذت تمسح بمحبّة على رأسي ووجهي. شعرتُ بدفء غامر، كأنّ شمساً هبطت إلى الأرض، وكانت تسطع علَيّ من قرب.
    سرى دفء اليد النورانيّة إلى رأسي ووجهي، وملأ كلّ وجودي. حتّى رِجلاي المشلولتان سرى إليهما دفء هذه اليد التي كأنّها الشمس.
    بعينَيه النورانيّتين.. تطلّع إليّ السيّد ذو الرداء الأخضر. سألني:
    ـ هل جئتِ لزيارتي ؟
    وأجبتُه بلا اختيار:
    ـ نعم يا مولاي، جئتُ لزيارتك؛ احتراماً، وطلباً للشفاء.
    سأل بحنان:
    ـ ما حاجتُكِ يا ابنتي ؟!
    أشَرتُ إلى رجلَيّ المُتخشّبتَين، وقلت:
    ـ رِجلاي يا مولاي، رجلاي مُتَيبِّستان.. مثلَ خشبتين. أريد الشفاء يا مولاي.
    ابتسامة عذبة ارتسمت على شفة الإمام. كانت ابتسامة زاخرة بالنجوم، كانت شمساً.. كانت سماويّة، كسماء ليالي مدينة ( زابُل ) المكتظّة بالنجوم. لم أرَ في حياتي ابتسامة بكلّ هذه العذوبة وهذا الجمال.
    قال:
    ـ جئتِ من مكان بعيد، أنت مُتعَبة.. فنامي. نامي مطمئنّة، فإذا استيقظتِ في الصباح كنتِ في عافية، وكانت رِجلاكِ سليمتين.
    مرّة أخرى.. أمَرّ كفّه المباركة على وجهي، وأغمض عينيّ.. ودخلت في النوم.


    * * *

    من بعيد.. يُسمَع صوت الأذان، وصوت نقّارة الحضرة.
    تبلغ آذاني أصوات مختلطة من الهمهمات والصلوات:
    ـ كأنّ الإمام قد حَضَرها! وجهها صار نورانيّاً.. نور اللقاء بالإمام.
    ـ أُنظُرْ.. رِجلاها المشلولتان بدأتا تتحرّكان! لابدّ أنّها فازت بنظرة رأفة من الإمام. نعم.. شُفِيَت.. شُفِيت.
    .. فتحتُ عينيّ، وما يزال صوت النقّارة متواصلاً. وجاء صوت المؤذّن من المنارة. لقد طلع الصبح، صبح البشرى، صبح الأمل. الصبح الذي وعدني به المولى. كان قد أحاط بي جمع كبير من الناس، وكان أبي إلى جانبي قرب الشبّاك الفولاذيّ مطروحاً على الأرض يبكي بصوت مرتفع. وسجد سجدة شكر لله.
    وإذَن.. فهل هي حقيقة ؟! هل شُفِيتُ ؟! لم أُصدّق أنّ ذلك الحلم بلقائه الروحانيّ كان واقعيّاً، وأنّي قد فزتُ بلقاء الإمام!
    وأحاطت بي النساء، وألقَينَ من عباءاتهنّ لتكون لي حجاباً عن الناس. ثيابي التي علَيّ تمزّقت قطعة قطعة تتبرّك بها الحاضرات. وامتدّت إليّ الأذرُع، وانفتحت أمامي الأحضان تغمر رأسي ووجهي بمودّة طيّبة. لقد وجدتُ نفسي بين آلاف الأمّهات.
    ليت أمّي كانت حاضرة أيضاً، لترى بعينها هذه اللحظات الطافحة باللطف والمحبّة.



    * * *

    وصلنا إلى ( زابُل ). وما أن نزلنا من الحافلة حتّى أخرج أبي المقعد المتحرّك من مخزن الأمتعة في السيّارة، وطلب منّي أن أجلس فيه! قلت له بدهشة:
    ـ ولكنّي سليمة!
    قال لي بمودّة:
    ـ ولكنّ أمّكِ لا تدري، وإذا رأتكِ تمشين يمكن أن تُصاب بصدمة قد تسبّب لها سكتة! ومتى وصلنا إلى البيت أخبرتُها بالتدريج، وأشرح لها ما حدث، وبعدها يمكنك أن تتركي المقعد إلى الأبد.
    وافقتُ على ذلك، وجلست في المقعد المتحرّك من جديد. كان شعوري ـ وأنا جالسة في هذا المكان الذي سُجِنتُ فيه شهوراً طويلة ـ شعوراً بالنفور. وتمنّيتُ أن لا يُسجَن أحد من الناس في هذا السجن.
    اقتربنا من زقاق بيتنا.. فتسارعَتْ دقّات قلبي. لا أدري كيف سيكون حال أمّي إذا رأتني! هل أستطيع أن أظلّ جالسة في هذا المقعد بهدوء وأنا أشاهد دموعها تجري ؟! كلاّ.. كلاّ! سأقوم حتماً لأركض نحو قدمَيها، سأُلقي بنفسي على قدميها وأتوسّل إليها أن لا تبكي بعد الآن، ولا تذرف الدموع في الخفاء.
    تركنا وراءنا آخِر منعطف في الشارع، وبلغنا زقاق بيتنا! هو نفسه الزقاق الضيّق.. الزقاق الذي أعرفه بذكرياته الكثيرة.
    في تلك الأيّام التي كنت فيها سليمة.. كنت أجري في الزقاق مع رفيقاتي من بنات المحلّة.. نتقاسم المرح والسرور.
    انعطفنا إلى الزقاق. البنات كُنّ يلعبنَ متراكضات.. تغمرهنّ المَسَرّة.
    توقّف أبي. ألقى نظرة على الصَّبايا. أنا أيضاً استمتعتُ بالنظر إليهنّ. تذكّرت الأيّام التي كنت فيها أتطلّع إليهنّ بحسرة من خلف النافذة، وأبكي. تلك الأيّام التي كان فيها قلبي بيتاً للأحزان.
    وشاهدتني الصبايا.. فتوقّفنَ فوراً عن اللعب، ووقفن ناحيةً يفسحن الطريق لأمُرّ. إنّهنّ لم يكنّ يلعبنَ أمام عيني قطّ. ربّما كانت قلوبهنّ منكسرة علَيّ. إنّ نظراتهنّ الآن تنطق بالشفقة والحزن.
    كنتُ قد قلت لهنّ: إنّي ذاهبة إلى طبيبٍ طبُّه إلهيّ، فإذا رجعتُ منه خائبة فلا أمل بعدها في الشفاء على الإطلاق. أمَا وقد رأينني الآن مُلقاةً في المقعد المتحرّك.. فأيّ أمل يبقى لديهنّ في شفائي ؟!
    تقدّمت ياسمين إليّ حائرة، ووقفت أمام نظراتي قائلة:
    ـ إذَن.. أنتِ لم تتعافَي!
    ابتسمتُ وقلت:
    ـ بلى.. بدعائك، لكنْ..
    لم أكن قد أكملت كلامي عندما خرجت أمّي من البيت راكضة. رأتني في المقعد فصرخت تبكي.
    سألتني ياسمين:
    ـ لكنْ ماذا ؟
    جاءتني أمّي وعيناها طافحتان بالبكاء. لم تكن لي قدرة على تحمّل هاتين العينين الماطرتين. وددتُ أن أنهض من مكاني وأرمي نفسي في أحضانها، وأقول صائحة: كفى يا ماما، كفى بكاءً. ابتسمي وافرحي، فإنّ ابنتكِ قد عُوفيت. أقدر الآن أن أقف على قدمَيّ.. أجري وألعب، أستطيع مساعدتَكِ في أعمال المنزل.
    سألتني ياسمين:
    ـ قولي يا سُميّة.. ماذا حصل لك ؟ أمَا تحسّنتِ ؟
    نقلتُ نظري من أمّي إلى وجه ياسمين الحزين، وسألتُ:
    ـ ماذا كُنتنّ تلعبن ؟
    قالت:
    ـ لعبة الغُمَّيضة.
    قلت:
    ـ ومَن منكنّ الذئب ؟
    قالت:
    ـ آخر مَن تشترك في اللعب!
    قلت لها ضاحكة:
    ـ هذه المرّة لم تحزري! هذه المرّة لستُ ذئباً!
    نهضتُ واقفةً على قدمَيّ، وهتفتُ:
    ـ هذه المرّة أنا أسد.. أسد.. أسد!
    انطَلَقتْ من الصبايا أصوات الزغاريد. وكانت أمّي تنظر مبهوتة إلى قدمَيّ الواقفتين. إنّها لحدّ الآن غير مصدّقة. اتّكأت على الحائط، وهمست بهدوء:
    ـ أيّها الإمام الرضا.. يا ضامن الغزالة! شكراً لك يا ألله.. شكراً.
    ضحك أبي من نظرات أمّي المبهوتة. وأحاطت بي الصبايا. وبصوتٍ واحد أخذن ينشدن نشيد الأفراح والمَسَرّات.
     

Partager cette page