قْلالش سيدي علي-- شوف تشوف

Discussion dans 'Politique' créé par tarix64, 3 Août 2007.

  1. tarix64

    tarix64 Visiteur

    J'aime reçus:
    46
    Points:
    0
    قْلالش سيدي علي



    رشيد نيني
    عندما قدم إدريس جطو حصيلته الحكومية أمام برلمان شبه فارغ، صدرت الجرائد الحزبية في اليوم الموالي «مرصعة» بأرقام المنجزات التي تحدث عنها جطو. وكل حزب حاول غربلة خطاب جطو بحثا عن المقاطع التي تعني مباشرة وزراءه في الحكومة. حزب الاستقلال مثلا ركز على صدر جريدته على أرقام السياحة والسكن والتجهيز، لأنه مشارك في الحكومة بكريم غلاب وزير التجهيز وعادل الدويري وزير السياحة وحجيرة وزير الإسكان. أما الاتحاد الاشتراكي فقد ركز على نسبة النمو «الأسطورية» التي حققها المغرب في الخمس سنوات الأخيرة بفضل وزير المالية الاتحادي فتح الله والعلو. أما صحافة مولاي إسماعيل العلوي فقد خصصت حيزا كبيرا من أوراقها للحديث عن الإنجازات الإعلامية «الباهرة» التي تحققت بفضل عبقرية وزير الاتصال نبيل بنعبد الله. الذي كان أكبر إنجاز حققه في عهده هو أن التيار الكهربائي أصبح ينقطع ساعة كاملة عن التلفزيون، كما حدث قبل أمس.
    وعندما خطب الملك في عيد العرش رأينا مرة أخرى كيف صدرت جرائد هؤلاء الأحزاب بعناوين تتضمن مقاطع من الخطاب الملكي تخدم مصلحتها الحزبية الضيقة. الاتحاد الاشتراكي مثلا ركزت على الموقف الملكي من ملف الصحراء، وتوقفت عند جملة وردت في الخطاب الملكي يعلن فيها الملك نيته التصدي لكل من يفكر في التشكيك في جدوى الانتخابات والأحزاب السياسية. فالتقطت الاتحاد الاشتراكي هذه الجملة التحذيرية ونشرتها على صدر صفحتها الأولى وكأنها تقول لكل من يتجرأ على انتقاد الأحزاب السياسية والعملية الانتخابية :
    - سمعتو آش قاليكم سيدنا، إوا كونو تحشمو وقيلونا عليكم فالتيقار...
    والواقع أن ما فعلته لسان حال «الاتحاد الاشتراكي» هو أنها وقفت عند ويل للمصلين، وركزت على هذا «الإنذار» الملكي وتجنبت بدقة متناهية الإشارة إلى الانتقاد الملكي الواضح للفشل المدوي الذي عرفه ملف إصلاح القضاء والتعليم. وهما على كل حال وزارتان يوجد على رأسهما وزيران اتحاديان هما بوزوبع والمالكي. وأمثال هؤلاء السياسيين عندما يفشلون في تدبير الملفات التي تعهد إليهم يتهمون مباشرة من ينتقدون أداءهم ويشككون في جدواهم. وهذا طبيعي مادام الجمل لا يرى حدبته وإنما يرى فقط حدبة أخيه، و«اللي ماعرفات تشطح كاتقول الأرض عوجة».
    لنكن واضحين حتى لا يستغل هؤلاء السياسيون الفاشلون الخطاب الملكي لكي يخيفوا الأصوات التي تنتقد أداءهم السياسي في الحكومة والبرلمان، ويتخذوا من هذا «التحذير» درعا واقيا يحميهم من سهام النقد، التي من المفروض أن يتقبلوها بحكم أنهم كانوا إلى وقت قريب في المعارضة يسخرون من وزير الدولة ويسمونه في جريدتهم «بوقرفادة»، ويخبطون الطبالي في البرلمان ويهددون بإسقاط الحكومة ويلوحون بالإضرابات العامة. فهذه هي السياسة، وعندما تقبل أن تتخلى عن «لعب» دور المعارضة وتختار الانتقال إلى تذوق عسل الحكومة فيجب أن تقبل بقريص النحل. وكما يقول المغاربة «اللي بغا سيدي علي يبغيه بقلالشو».
    إن أكبر عملية تشكيك في العمل السياسي وفي جدوى الانتخابات عرفها التاريخ السياسي المغربي كانت على يد الأحزاب السياسية نفسها. وخصوصا الأحزاب التي كانت في السابق تحتكر الأصل التجاري للمعارضة. ويجب أن يكون المرء أبلها لكي لا يدرك أن هذه الأحزاب عندما انتقلت إلى ممارسة السلطة أبانت عن قدراتها «الدفينة» في رياضة القفز على الحواجز. هكذا تنكر زعماء هذه الأحزاب لكل الخطابات السياسية التي كانوا يرفعونها في السابق، وفشلوا فشلا ذريعا في إدارة الملفات التي أسندت إليهم. ولطالما دقت المنظمات الدولية ناقوس الخطر منبهة إلى أن هناك خللا عميقا في دواليب العدالة المغربية والتعليم المغربي ونظام الرعاية الصحي المغربي. لكن الجميع صم أذنيه، وأكثر من ذلك، خرج وزير العدل شاهرا لسانه ضد الصحافة المستقلة التي أسس من أجلها لجنة لتشمم رائحة اليأس الذي تشيعه بين الناس. فهم يريدون فقط من الصحافة أن تصفق لهم كما تعودوا دائما، وعلى الصحافيين أن يكذبوا على الناس بالأخبار المتفائلة وأن يقولوا لكل وزير يرونه راكبا فوق قصبة مبروك العَوْدْ.
    شخصيا أعتقد أن المغاربة يئسوا من السياسة لأنهم فهموا أن ما يرونه أمامهم ليس سياسة، وإنما سيرك سياسي يبعث على الضحك، لكنه ضحك كالبكاء. المغاربة اليوم ليسوا هم مغاربة السبعينات أو الثمانينات. اليوم يتابع المغاربة عبر القنوات الفضائية انتخابات البلدان الديمقراطية ويرون الفرق الشاسع بين رجال السياسة عندنا ورجال السياسة عندهم. يتابعون المناقشات السياسية العالية المستوى في البرامج التلفزيونية ويتحسرون على برامجنا السياسية التي تأتي إليها نفس الوجوه التي تعودنا على رؤيتها قبل ثلاثين سنة لكي تردد الكلام الخشبي نفسه.
    السياسة هي المحاسبة أولا وأخيرا. وعندما يظل وزير في الحكومة عشر سنوات كاملة دون أن يكون مجبرا على تقديم الحساب في الأخير، ثم يغادر مقر الحكومة وكأن لا شيء حصل، فهذا شيء لا يتسبب فقط في تيئيس المواطنين من السياسة وإنما في تيئيسهم من بلدهم أيضا.
    عندما نكتب عن فضائح بعض السياسيين وتجاوزات بعض الوزراء، ونقدم الدليل على ما نقول، ولا يتجرأ أحد على فتح تحقيق أو إرسال لجنة لتقصي الحقائق، أو إجبار المعنيين بالفضيحة على تقديم استقالتهم على أقل تقدير، فهذا كله يفرغ العمل السياسي من معناه الأساسي ويحوله إلى مجرد تمثيلية سخيفة يؤدي فيها الوزراء والمسؤولون دور الممثلين والمواطنون دور المتفرجين والصحافيون دور الكومبارس. هذه إذن ليست سياسة وإنما صورة كاريكاتورية رديئة للسياسة.
    وبينما تنشغل الصحافة الحزبية بتحليل مضامين الخطاب الملكي والتركيز على فقرة «التصدي لكل من يشكك في العمل السياسي والعملية الانتخابية»، نسمع أن ألف مواطن من قبيلة آيت ترغيست بنواحي بخنيفرة رفضوا تسلم بطاقاتهم الانتخابية. بل أكثر من ذلك، هددوا أيضا بالتخلي حتى عن بطاقاتهم الوطنية.
    فقد يئس هؤلاء المواطنون المنسيون وراء الجبال من السياسة وما يأتي منها، وفهموا أن الدولة تعتبرهم مجرد أصوات انتخابية تحتاجها بين انتخابات وأخرى لملء صناديق اقتراعها. وبعدها تتركهم للعزلة والثلج والجوع يموتون أمام أنظار العالم كما حدث الشتاء الماضي في نفس القرية وفي قرية أنفكو القريبة منها. ماذا ستعني السياسة بالنسبة إلى هؤلاء المنسيين على أطراف الخريطة إذا لم تكن هي شق طريق سالكة نحو المدينة، وبناء قناطر فوق الوديان حتى لا يضطر السكان إلى عبورها بالحبال كما لو كانوا في الأدغال، وتشييد مستشفى صغير لإسعاف النساء الحوامل والمرضى، ومدرسة لتعليم الأطفال حروف الهجاء. هل السياسة هي أن يتسلموا بطاقاتهم الانتخابية ويذهبوا للتصويت على مرشح سيختفي في الرباط بمجرد ما سينجح ويتركهم وحيدين أمام عوامل التعرية ينقرضون ببطء. هل السياسة هي أن يلطخوا أصابعهم بحبر مكاتب التصويت ويعودوا إلى قراهم مرتاحين من كونهم قاموا بواجبهم الوطني على أحسن وجه، حتى ولو أن هذا الوطن لم يقم بواجبه معهم قط.
    العمل السياسي الحقيقي والانتخابات الحقيقية لا أحد يشكك فيها، بل إننا جميعا نطالب بها يوميا، لأنها المعبر الوحيد السالك لهذا الشعب نحو الديمقراطية. ما نحاول أن نتصدى له يوميا هو تمييع العمل السياسي وتسطيحه واستغباء المواطنين والكذب عليهم باسم السياسة. معركتنا إذن ليست ضد السياسة والانتخابات وإنما ضد من يريد أن يستعمل السياسة والانتخابات لمصالحه الخاصة ضدا على المصلحة العامة. وكصحافيين مهمتهم الأولى والأخيرة هي إخبار الرأي العام وفتح عينيه على ما يقع، فإننا لن ندخر جهدا لكي نكون شرسين في هذه الحرب، سلاحنا الوحيد هو قلم الحبر وهدفنا أن تسترجع السياسة معناها النبيل، الذي هو الالتزام مع هذا الشعب.
    ولكل الذين سيختارون وزراء الغد ندعوهم إلى تأمل هذه الجملة التي قالها «وارنر نيفيت»، فهي تنطوي على عمق سياسي ما أحوجنا إليه اليوم :
    - «عندما تختار معاونيك يجب أن تراعي ثلاث خصال لدى المرشحين : الالتزام، الذكاء والحيوية. وإذا كانوا لا يتوفرون على الخصلة الأولى، فإن الخصلتين الثانيتين ستقتلان مشروعك».


     

Partager cette page