كيف قمع الحسن الثاني الاحتجاجات؟

Discussion dans 'Nouvelles (9issass 9assira) & Chroniques' créé par tarix64, 15 Mai 2007.

  1. tarix64

    tarix64 Visiteur

    J'aime reçus:
    46
    Points:
    0
    كيف قمع الحسن الثاني الاحتجاجات؟ الحلقة الأولى

    إدريس ولد القابلة
    okdriss@hotmail.com
    الحوار المتمدن - العدد: 1892 - 2007 / 4 / 21

    على سبيل البدء

    كثيرون هم المغاربة الذين ظلموا وانتهكت حرماتهم وسلبت حرياتهم وأهدرت حقوقهم واغتيلت أحلامهم، وسيقوا إلى مخافر الشرطة أو الدرك ومراكز التعذيب والاستنطاق، العلنية منها والسرية، وفُرض عليهم بقوة التهديد والتنكيل، التوقيع على محاضر لفقت لهم التهم، وزج بهم في السجون العلنية والمعتقلات السرية، ومنهم من أزهقت روحه هناك بغير حق، والتهمة كانت على الدوام المس بالمقدسات أو بأمن الدولة الداخلي أو الخارجي، أو التخطيط لقلب النظام. كان هذا سائدا فيما يُنعت حاليا بالعهد القديم، عهد دار المقري وتازمامارت ودرب مولاي الشريف و... آنذاك ساد ظلم خاص تفرعت عنه بشاعات استهدفت سحق الصفة الإنسانية والدوس على صفة المواطن، جملة وتفصيلا، باعتماد أساليب قمع شرسة وهمجية أحيانا وسلسة أحايين أخرى.
    إن التطورات التي عرفها المغرب أكدت بما فيه الكفاية، على مسار التضييق المتزايد للحريات وتعميق تكريس القمع الأعمى على امتداد العقد السادس والسابع والثامن من القرن العشرين في ظل تمويه الطابع الفردي للحكم. وقد شهد عهد الملك الراحل الحسن الثاني مواجهات بين الملكية المطلقة وقوى شعبية معارضة، وكان الرد على الدوام هو القمع الممنهج.
    لقد سبق للمفكر الفرنسي "جون جوريس" أن قال في مطلع القرن العشرين: "تأتي الثورات عادة نتيجة لغياب الإصلاحات، بل نتيجة لإحباط آمال الجماهير في الإصلاحات التي وعد النظام القائم بها"، وهذا ما حصل بالمغرب على امتداد عهد الملك الراحل الحسن الثاني. لذلك بعد وفاته، في نهاية القرن الماضي، تركزت جميع التطلعات على إجراء تغيير فعلي في شخص ابنه الملك محمد السادس الذي لقب بملك الفقراء منذ الشهور الأولى لاعتلائه العرش، وبدا أنه مستعد للقطع مع ميراث أبيه فيما يتعلق بنهج الحكم والتدبير، في هذا السياق خلع إدريس البصري وزار منطقة الريف وأقر بكشف حقائق الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان بالمغرب، آنذاك بدأ ثلة من المثقفين يحلمون بانتقال ديمقراطي على الطريقة الإسبانية، لكن الملك محمد السادس أكد في خطابه الثاني سنة 1999 بعد جلوسه على العرش أنه سوف يستمر في ممارسة سلطاته الدستورية كاملة غير منقوصة كما كان عليه الحال في عهد أبيه، وبذلك لم يدع أي مجال لأدنى لبس فيما يتعلق بذلك الحلم.
    على امتداد سنوات طوال تضرر الكثير من المغاربة من الإرهاب الذي كانت تمارسه الدولة، عندما كانت تختطف الأبرياء وتعذبهم وتحاكمهم وتصدر في حقهم عقوبات الإعدام والمؤبد في محاكمات صورية، وكان آنذاك من غير الممكن التخلص من إرهاب الدولة هذا إلا بالإقرار بدول الحق والقانون، لكن لم يسبق الإقرار بها بالمغرب منذ 1956 إلى حدود التسعينيات، وأدى ذلك إلى عشرات الآلاف من المتضررين على امتداد هذه الفترة الزمنية.
    لقد خلق الملك الراحل الحسن الثاني مغربا احتكرت فيه حفنة من الأفراد أغلب الثروات، شاع فيه البؤس والبطش و"إبادة" جملة من المناضلين المخلصين وحركاتهم من أجل غد أفضل، وذلك باعتماد موجات قمع متلاحقة.
    آنذاك كانت الملكية تمر عبر سلسلة من الأزمات الخطيرة بفعل التحركات النضالية الجماهيرية والإضرابات الكثيفة، وعانت من محاولتين انقلابيتين 1971 (الصخيرات) و1972 (الهجوم على الطائرة الملكية).
    تميز عهد الملك الراحل الحسن الثاني بكثرة الاحتجاجات والتمردات الشعبية، إذ كان لكل عقد من الزمن نصيبه، للخمسينيات نصيبها (عندما كان الملك الراحل وليا للعهد)، وكذلك الشأن بالنسبة للستينيات والسبعينيات والثمانينيات والتسعينيات أيضا. والراصد لهذه التمردات والاحتجاجات جراء تدهور الأوضاع الاجتماعية والاقتصادية ومظاهرات المتضررين، يلاحظ أنها كادت أن تكون دورية على امتداد العهد الحسني رغم خنق مساحات الحرية المتاحة آنذاك.
    من الأوصاف التي وصف بها الملك الراحل الحسن الثاني، صانع البساتين المحروسة، وقد سبق لأكثر من جهة ومصدر أن وصمت عهده بمرحلة التنكيل بالمغاربة بدليل وجود "آكل البشر" تازمامارت ومعتقل درب مولاي الشريف مرورا بمختلف المعتقلات السرية والنقط الثابتة وفيلات التعذيب والاحتجاز القسري، إذ لم يخل إقليم من أقاليم المغرب، شمالا وجنوبا، شرقا وغربا، إلا وكان يحتضن معتقلا سريا ومكانا للاحتجاز القسري.
    يستعصي على المرء وصف مغرب الحسن الثاني، فقد يبدو مؤمنا إلا حد التطرف، ومنفتحا إلى حدود التغريظ، متعددا وأحاديا في ذات الوقت، لكنه ظل مطبوعا بالقمع، فكيف قمع الملك المغرب؟
    أساليب القمع وقوانين على مقاس خاص
    مسك النظام بعصا القمع لضرب كل من عارضه في نهج تدبير شؤون البلاد والعباد، ومن المفارقات التي طبعت المغرب على امتداد عهد الملك الراحل الحسن الثاني، تصاعد القمع والتخويف والترهيب، ورغم ذلك ظلت التمردات الجماهيرية حاضرة على امتداد ستينيات وسبعينيات وثمانينيات القرن الماضي لأن امتصاص الثروات من طرف أقلية ظل سائر المفعول وانتشر الفساد والظلم والجهل.
    وصمت مرحلة ما بين 1961 ونهاية الثمانينيات بسحق جميع أشكال الاحتجاج، وبقيت هذه الفترة الزمنية الطويلة مطبوعة بالاعتقالات المكثفة ضد المعارضين والمحاكمات الصورية والإعدامات على هامش القانون والموت البطيء الممنهج في المعتقلات السرية والتعذيب كأسلوب أساسي لمختلف السلطات الأمنية والاستخباراتية بالبلاد.
    استغلال بشع، بطالة مستشرية، قمع خطير وبيع البلد للرأسمال الإمبريالي.. هكذا وصف جملة من المحللين الاقتصاديين مغرب العهد الحسني.
    اشتدت الحملات على رجال الرأي والفكر والسياسة، اعتقالا وسجنا وتشريدا وقهرا واضطهادا وقمعا..
    وعلى امتداد 38 سنة ظل النظام يذكر المغاربة بالنهج الاستبدادي المعتمد، بدءا من الستينيات إلى نهاية الثمانينيات، إذ أصر المخزن على إعادة اجترار الفترات التاريخية التي عاشتها بلادنا من 1961 إلى منتصف التسعينيات، إذ أن كل فئات الشعب وشرائحه واتجاهاته الفكرية والسياسية انكوت، بشكل أو بآخر، بترسانة أنواع القمع والتعذيب والتنكيل المعتمدة، وبذلك قدر بالآلاف من اضطهدوا وظلموا ونكل بهم.
    على امتداد العهد الحسني خيم القمع الشرس على الوضع السياسي، إذ تكاثر عدد المعتقلين والمختطفين السياسيين، إذ كانوا يعدون بالمئات في صفوف اليساريين، علما أنه بالنسبة للمعتقلين الإسلاميين كان عددهم ضئيلا جدا، ولم يكن داخل السجن في السبعينيات إلا المتهمون في ملف اغتيال عمر بن جلون. وكان من بين المختطفين البارزين آنذاك المهدي بن بركة والرويسي والمانوزي، إضافة إلى المختطفين العسكريين الذي زج بهم في جحيم "تازمامارت" والمختطفين المدنيين الذين أقبروا في معتقلات سرية في مختلف ربوع البلاد. كما اضطر الكثيرون لمغادرة البلاد قسرا، إلى فرنسا بالخصوص، وبلجيكا وإسبانيا وألمانيا أو إلى الجزائر، إنها فترة الانتهاكات الجسمية لحقوق الإنسان بامتياز.
    بلغت أساليب القمع والتنكيل المعتمدة على امتداد 38 سنة رعونة وبشاعة أقر بها الكثيرون حاليا.
    لقد ساد القمع غير المنضبط، إلى حد أن بعض المحللين وصف أمن واستقرار المغرب آنذاك كاستقرار وأمن الفأر في جحره.
    إن المتتبع لتصاعد أساليب القمع خلال هذه المرحلة وظروف عيش أغلب المغاربة، يستنتج بسهولة بأن حياة الإنسان المغربي – ذكرا كان أم أنثى، طفلا كان أو مسنا – هي أهون في نظر القائمين على الأمور من أي شيء آخر. فكم من مغربي راح ضحية للقمع والتنكيل، ولم تحرك أي جهة رسمية ساكنا؟ وكم من المغاربة فارقوا الحياة في معتقلات التجويع وزنازين التعذيب وسجون التأديب والمقابر الجماعية غير المكتشفة بعد؟ تظل هذه الأسئلة وغيرها قائمة باعتبار أن الحصيلة لم يكشف عنها رغم المجهودات التي قامت بها هيئة الإنصاف والمصالحة والفعاليات الحقوقية.
    ومن تجليات صفة الإنسان في عهد الملك الراحل الحسن الثاني، الإهمال القاتل والفساد الفتاك..، إذ أن نصيب النفقات في المجال الصحي ظلت متدنية، قس على ذلك مختلف القطاعات الأخرى في المجالات الاجتماعية، وهذا حتى حينما كانت الحكومة تقر بأن اقتصاد البلاد بخير وأنه حقق نسبة عالية من النمو، إن الطابع الأساسي "للقمع الاجتماعي"، على امتداد هذه الفترة، تجلى في تهميش الإنسان المغربي وضرب حياته وجودتها، وتغييب التركيز على المشاريع والقرارات التي كان من المفروض أن تكون في خدمة الإنسان، وبذلك أصبحت الدولة والسلطة والمال أهم من حياة المغاربة منفردين ومجتمعين. لذلك نادى الكثيرون بضرورة قلب الآية ليصبح الإنسان المغربي، مفردا ومجتمعا، هو مركز الاهتمام ومحور النشاط لتصبح جميع الأمور الأخرى أداة لتأمين حياته وجودتها، لاسيما حق الإنسان في الحياة والصحة والعمل والأمن والآمان انطلاقا من القاعدة القائلة بأن "حقوق الإنسان" هي أصلا من واجبات الملك، إذ كان هذا هو السبيل الأجدى ليلتحق الإنسان المغربي بركب الحضارة التي يصبو اليوم للهجرة إليها، ولأنه ما لم تتغير جذريا نظرة الدولة إلى حياة الإنسان المغربي وجودتها سيظل "مستقبل المغرب نسخة طبق الأصل للماضي"، وربما أسوأ منه، فلا يمكن أن تظل حياة الإنسان أرخص بضاعة.
    ففي عهد الملك الراحل الحسن الثاني تكرس الخوف، إلى أن أضحى منظومة حاضرة بآلياتها وسلوكياتها، وهذا ما نعته الدكتور المهدي المنجرة بالخوفقراطية المرتبطة بالذلقراطية والفقرقراطية. آنذاك كان الكثير من المغاربة لا يكشفون عن أفكارهم خشية أن تؤدي بهم إلى الاعتقال والتعذيب والسجن، العلني أو السري. آنذاك كان مجرد الخوض في السياسة مغامرة كبيرة. ولا زال سجناء الرأي في السبعينيات (سجن غبيلة) يتذكرون كيف كان ينظر إليهم سجناء الحق العام وإدارة السجن كأنهم اقترفوا جريمة ما بعدها جريمة، باعتبار أن مجرد الخوض في السياسة حينئذ كان مخاطرة كبيرة جدا بفعل القمع الممنهج والاستبداد.
    كانت القاعدة هي البطش بالرأي المغاير، ووصلت درجة الاستبداد إلى حجز جريدة "المحرر" لمجرد أن أحد صحافييها استعمل عبارة "الجيش المغربي" عوض عبارة "القوات المسلحة الملكية"، وهذا ما دفع أحد المحللين السياسيين الغربيين إلى القول بأن إبداء الرأي في النظام الملكي بالمغرب يعتبر جريمة، وبالتالي هذا أمر مستثنى، جملة وتفصيلا، من منظومة حقوق الإنسان، لأن مغرب الحسن الثاني لم يكن يطيق مثل هذه الأفكار التي كان النظام يعتبرها خطرا عليه. هذا في وقت كانت فيه البلاد مشلولة بفعل الخوف لان الدولة أشاعت آنذاك مناخا من الرعب في صفوف المغاربة.
    ومن أساليب القمع المعتمدة آنذاك إقامة خطوط حمراء في مختلف المجالات، ما إن يفكر المرء في تجاوزها حتى يتعرض للاختطاف أو التعذيب أو المحاكمة أو الاختفاء القسري الذي قد تطول مدته أو تقصر، حسب مزاج القائمين على الأمور. وظل هذا الواقع قائما إلى منتصف التسعينيات، ألم يعتقل الأموي بسبب تساؤله حول من يحكم المغرب؟ وجهره بالمناداة للإقرار بملكية دون سلطات؟ ومن قبله ألم يحاكم علي يعته على استعماله عبارة "الرفيق" التي اعتبرها القائمون على الأمور دلالة على اعتناق الشيوعية؟ واللائحة طويلة في هذا الصدد، فحدث ولا حرج.
    لم تقتصر أساليب القمع على الشرسة منها، وإنما تم كذلك اعتماد أساليب لينة.
    ففي سنة 1962 قدم الملك الحسن الثاني مشروع دستور على الاستفتاء لحسم مسألة السلطة التأسيسية للاستئثار بها، وفي الحقيقة فإن هذا الدستور جاء، للفصل النهائي في الصراع حول السلطة بين البلاط والحركة الوطنية، لكن في الانتخابات الموالية حصد الاتحاد الوطني للقوات الشعبية بمعية حزب الاستقلال عددا متساويا من المقاعد مع جبهة الدفاع عن المؤسسات الدستورية (فديك) برئاسة أحمد رضى كديرة كحزب حكومي، ولم تستطع هذه الأخيرة الحصول على الأغلبية المطلقة إلا باستقطاب اللا منتمين، لكن هذا الوضع عمق الصراعات الاجتماعية، وحاولت المعارضة إسقاط الحكومة عن طريق ملتمس الرقابة، لكنها ستفشل، غير أنها صوتت ضد مقترح مضاد كان أحمد رضى كديرة قد تقدم به لمواجهة تعديل من اقتراح حزب الاستقلال ينص على منع الأجانب من النشر في المغرب، في نفس اليوم لجأ الملك الراحل الحسن الثاني إلى تفعيل الفصل 35 من الدستور للإعلام عن حالة الاستثناء التي ستدوم أكثر من خمس سنوات حاول فيها النظام إعادة ترتيب أوضاعه عن طريق الاستئثار بالسلطة وترويض مؤسسات من شأنها عرقلة عمله.
    وجاء دستور 1970 لمحاولة تقنين ودسترة حالة الاستثناء وتركيز السلطات في يد الملك. آنذاك دعت الكتلة الوطنية (الاستقلال والاتحاد الوطني للقوات الشعبية) إلى مقاطعة الاستفتاء والانتخابات. وتلاه دستور 1972، وقاطعت المعارضة استفتاءه، ورغم ذلك كانت النتيجة 99.99 في المائة بنعم، وأجريت الانتخابات، لكن السلطة مورست خارج البرلمان الذي اكتفى بلعب دور مكتب الضبط أو صندوق البريد الذي تمر منه الحكومة للمصادقة على قوانينها لتضفي عليها طابع المشروعية القانونية. وقبل الإعلان عن تنظيم الانتخابات، عمل الملك على توفير الشروط السياسية والاقتصادية والاجتماعية لتشكيل أرضية جديدة لإدماج بعض قوى المعارضة في "اللعبة السياسية"، وذلك عن طريق "المسلسل الديمقراطي"، وعلى المستوى الاقتصادي، عن طريق "المغربة" التي استفادت منها بعض الفئات.
    كما سيستغل النظام مسألة الصحراء للمطالبة الفورية بالسلم الاجتماعي قصد تمتين الجبهة الداخلية وتشكيل الإجماع الوطني حول القضية الوطنية الأولى: الصحراء والوحدة الترابية.
    وبعد ذلك جاء الدستور المعدل في 4 شتنبر 1993 لاحتواء المد النضالي والاحتجاجي الذي عرفه المغرب بخصوص المطالبة بالإصلاحات السياسية والدستورية ولتلميع صورة المغرب على المستوى الدولي، هذا في وقت احتلت فيه مسألة حقوق الإنسان والديمقراطية والمجتمع المدني الصدارة على الصعيد العالمي.
    ومن الأساليب اللينة المستعملة في القمع وسد الطريق على المعارضة ما حدث سنة 1981 عندما رفضت المعارضة تمديد عمر ولاية مجلس النواب، ولم يجد الملك الراحل الحسن الثاني ما يواجه به موقف المعارضة إلا سلطة "إمارة المؤمنين" ووصف خصومه السياسيين بأنهم أضحوا خارج الجماعة، إذ قال في خطاب افتتاح الدورة البرلمانية إن ملك المغرب، بصفته أمير المؤمنين، يتبرأ من "أولئك الذين كانوا قاعدين هنا [أي البرلمان] وخرجوا من هنا مستخفين بقوانين الدولة، ومستخفين بنتائج الاستفتاء، ومستخفين بجماعة المسلمين، ومستخفين بكيفية نهائية بمستقبل المغرب كبلد منظم يعيش داخل قانون ودستور وديمقراطية...".
    ففي العهد الحسني كرست الممارسة المخزنية مفهوما خاصا لإمارة المؤمنين يلفه الاستبداد، وقد خضع الكثير من العلماء آنذاك لأهواء المخزن في هذا الشأن، إذ قيل، إن الملك، بصفته أميرا للمؤمنين، هو وحده الذي له حق الجمع بين الدين والسياسة، أما غيره، فعليهم إما بالدين وإما بالسياسة. آنذاك كان كبار فقهاء الفقه السلطاني يقرون أن الملك وحده هو الذي ترجع إليه الكلمة الأخيرة في أمور الناس الدينية والدنيوية، فهما واجتهادا وترجيحا وإفتاءا.
    كان دائما الرد المخزني على المد الاحتجاجي الشعبي هو تحطيمه بالقمع في المهد منذ منتصف الستينيات.
    ومع تصاعد هذا المد الشعبي في الثمانينيات بفعل برنامج التقويم الهيكلي، حيث اضطرت الملكية إلى منح بعض التنازلات، متمثلة ببعض الترميمات السياسية للتأقلم مع مستلزمات الإصلاحات الهيكلية في سياق العولمة الليبرالية المتوحشة، ولدرء انفجار شعبي محتمل بفعل تردي الأوضاع واتساع هوية التفاوت الاجتماعي وتحت ضغوطات السياق العالمي المطبوع بانهيار الكثير من أنظمة الاستبداد وتنامي المطالبة بالديمقراطية، هو الشيء الذي شجع المعارضة على التماس بعض التعديلات للدستور. هكذا أحدث الملك الراحل المجلس الاستشاري لحقوق الإنسان في ماي 1990 ووزارة حقوق الإنسان، وأطلق سراح نسبة كبيرة من المعتقلين السياسيين سنة 1994 من السجون العلنية والمعتقلات السرية، وأدخل تعديلات على الدستور في سنة 1992 ثم في سنة 1996 وسمح باستعمال الأمازيغية في التلفزة وأشرك أحزاب المعارضة التقليدية في الحكومة في مارس 1998.
    ومن المعلوم أن دستور 1962 تم تهييئه بمساعدة خبراء فرنسيين، وهو الدستور الذي منح للملك كافة السلط، فهو أمير المؤمنين والممثل الأسمى للأمة، يعين الوزير الأول وباقي أعضاء الحكومة، يرأس مجلس الوزراء ويأمر بتنفيذ القانون، له حق حل البرلمان وحق التعيين في الوظائف المدنية والعسكرية، يوقع المعاهدات ويصادق عليها، يرأس المجلس الأعلى للقضاء ويعين القضاة.. لا فصل بين السلط، فهي كلها بين يدي الملك، علما أنه في عهد الملك الراحل الحسن الثاني لم يكن تشكيل الحكومة يخضع لأغلبية برلمانية مهما كانت، بل الملك ينصب الفريق الحكومي الذي يريد القيام بوظائف معينة خلال مدة معينة حسب ما يقرره. أما بخصوص الجماعات المحلية، فإن قراراتها لم تكن قابلة للتنفيذ إلا بعد المصادقة عليها من طرف وزارة الداخلية، أم الوزارات آنذاك، وكل هذه الإجراءات تنم على مظاهر تدبير استبدادي للأمور.
    أما الانتخابات، فكان يتم التحكم في نتائجها بواسطة قانون الانتخابات والتقطيع الانتخابي والتسجيل في اللوائح الانتخابية وتلاعب وزارة الداخلية في رسم الدوائر الانتخابية كي تضمن النتيجة التي تريد. وظل التدخل القوي لوزارة الداخلية، في عهد الملك الراحل الحسن الثاني، في العملية الانتخابية، من أولها إلى آخرها، ينزع الصدقية عن النتائج المعلنة والتي هي في آخر المطاف تعبير عن إرادة جهة معينة غير إرادة الشعب الفعلية.
    يقول أحد المحللين السياسيين.. كلمة واحدة تصف وتصور أساليب ونهج التعامل في مغرب العقدين السادس والسابع وجزءا كبيرا من العقد الثامن من القرن العشرين، إنها كلمة "بطش"، قبل أن يعلن الملك الراحل الحسن الثاني أن "المغرب مهدد بالسكتة القلبية"، وبعد أن أضحى أغلب سكان المغرب حانقين بفعل عقود طويلة من سياسة التهميش والإقصاء وتكريس تردي الأوضاع، آنذاك تغير الخطاب الرسمي لأن القائمين على الأمور خشوا أن يكون القمع الشرس والممنهج المعتمد بمثابة زيت على نار.
    وعموما فعلى امتدا 38 سنة، وبفعل هذا القمع الممنهج ظلت أغلبية الشعب المغربي ترزخ تحت التخلف عقودا، وتمت إبادة أجيال من المناضلين والمعارضين، الذين كان ذنبهم هو الحلم بمغرب جديد يصون كرامة المواطن ويضمن له شروط عيش كريم، وصادر مستقبل شباب أكثر من جيل.

     
  2. tarix64

    tarix64 Visiteur

    J'aime reçus:
    46
    Points:
    0
    Re : كيف قمع الحسن الثاني الاحتجاجات؟


    العهد الحسني بعين أخرى

    إن عهد الملك الراحل الحسن الثاني ارتكز على خلفية تاريخية أسست المغرب المعاصر. فمنذ عودة والده، الملك الراحل محمد الخامس من منفاه للإعلان عن استقلال المغرب سنة 1956، تأسست التعددية الحزبية وسنت القوانين الضامنة للحريات العامة، ثم خلفه ابنه، الملك الراحل الحسن الثاني سنة 1961 ليشهد المغرب نزاعا قويا بين البلاط وأحزاب الحركة الوطنية التي سرعان ما أصبحت في صف المعارضة. واتسمت المرحلة بمحاولات انقلابية فاشلة ومؤامرات استهدفت الراحل الحسن الثاني، وليا للعهد وملكا، واغتيالات ومحاكمات سياسية ومتابعات لزعماء المعارضة وصور متعددة للقمع وانتهاكات واسعة للصفة الإنسانية وحقوقها.
    عاش الملك الراحل الحسن الثاني عصر الحداثة والتقدم، لكن الأساليب التي حكم بها ودبر بها سدة الحكم هي أساليب قروسطية لم تكن تتماشى مع روح العصر، وتمحورت في عمومها حول السعي نحو ترويض المجتمع وقهره.
    وعلى امتداد العهد الحسني، الذي دام 38 سنة، ظلت سمات الانفجار الاجتماعي واردة في أي وقت وحين، تنتظر الشرارة، وهذا ما تأكد بجلاء على امتداد عقود الستينيات والسبعينيات والثمانينيات من القرن الماضي. فحكم الملك الراحل الحسن الثاني تأسس على الاستفراد بالسلطات في ظل سيادة علاقات ذات طابع اقطاعي وقوى الفساد الإداري والمالي وتقوية حظوظ الفاسدين في نيل مقاعد بالبرلمان والمناصب العليا بسهولة، وإحداث أحزاب سياسية كارتونية.
    عموما طغى الوضع المتأزم وظلت تقارير البنك الدولي تسطر على تراجع الاستثمارات الخارجية وبطء وضعف النمو الاقتصادي وتفاقم العجز التجاري، فضلا عن العبء الذي تحمله الاقتصاد الوطني نتيجة اتساع مدى المديونية الخارجية، وما ترتب عنه من عدم الوفاء بمستحقاتها، هذا إضافة إلى ملفات الفساد الإداري ونهب المال العام، حيث قدرت قيمة الاختلاسات التي انفضح أمرها بما يفوق 20 مليار درهم (2000 مليار سنتيم)، فيما ظل القطاع الصناعي يشهد جمودا حادا قبل أن يبدأ في التقهقر.
    تلك من الأسباب التي أدت إلى تدهور المستوى المعيشي، وارتفاع معدلات الفقر الذي طال ما يناهز 50 في المائة من ساكنة المغرب، وعاش أكثر من 5 ملايين منهم تحت خط الفقر المدقع بدخل يومي لا يتجاوز 10 دراهم، وبلغت الأمية أكثر من 55 في المائة وسط السكان.
    ظل الجيش دوما مجال اختصاص الملك منذ أن كان الملك الراحل الحسن الثاني وليا للعهد، فيما وظفه في مهام مدنية وأخرى قمعية لتصفية أو تجميد الحياة السياسية وتقزيم الأحزاب السياسية، لاسيما المعارضة منها. غير أن بعض عناصر هذا الجيش انخرطوا في محاولتين انقلابيتين فاشلتين، ثم أصابه ما أصاب البنى الإدارية للدولة من فساد. فبعد الانقلابين الأخيرين منح الملك الراحل الحسن الثاني للضباط السامين عدة امتيازات، ومع قضية الصحراء، تكاثرت هذه الامتيازات فأصبح ضباط كبار رجال أعمال بدون وجه قانون، ولم يكن ليتأتى لهم هذا لولا استغلال مواقعهم واستشراء الفساد بالمؤسسة العسكرية، وبذلك أضحت ثلة من الجنرالات تُشكّل قوة اقتصادية أسست لوبيات ضاغطة اخترقت دوائر صناعة القرار والمجال السياسي، وهي التي تشكل الآن جيوب مقاومة التغيير وإفشاله.
    كما أن مثقفي النخبة الموالية ظلوا عديمي القدرة على الخروج عن المألوف مهما كان هذا المألوف يائسا لا حياة فيه، وأقصى ما وصلوا إليه هو المدح والوعظ دون امتلاك القدرة على التغيير أو الحض عليه عند الضرورة.
    وبخصوص الديمقراطية، كثر الحديث عنها على امتداد العهد الحسني، لكن كآليات انتخابية وإجراءات دورية يمكن تبنيها لإيصال أشخاص ألى أماكن المراد إيصالهم إليها، وما على الشعب إلا المباركة والتصفيق. وبذلك ارتبطت الديمقراطية الحسنية بخصوصيات الثقافة المغربية التي لم تفعل سوى تكريس استبداد الشعب بمسوغ الدفاع عنه وعن مصالحه حيث ظل الخطاب السائد آنذاك يتمحور حول الفكرة القائلة بأن المجتمع المغربي لديه عادات وتقاليد وأنماط وأعراف اجتماعية وسياسية خاصة به، وبالتالي لم يكن معنيا بممارسة الديمقراطية في ظل قناعته بنظام حكم يعيش في كنفه.
    بذلك، وعلى امتداد العهد الحسني، بقي البحث عن الديمقراطية بالمغرب مشروعا مفتوحا على جميع الاحتمالات وصيرورة قابلة للتوجه في مختلف الاتجاهات.
    ومن الأمور التي لم يستسغها الكثيرون في عهد الملك الراحل الحسن الثاني، إثقال كاهل الشعب لبناء أكبر مسجد في العالم بالدار البيضاء، والذي بلغت كلفته 10 ملايير درهم (1000 مليار سنتيم)، هذا في وقت كان من الأولى استثمارها من أجل خلق فرص للشغل للحد من معضلة البطالة أو لتمكين الفقراء من سكن لائق. في حين إن جميع المحللين الاقتصاديين ظلوا يقرون بأن الأزمة الاجتماعية هي أزمة فوارق اجتماعية في ظل اكتساب السلطة الاقتصادية من التعامل مع الدولة ومن خدمة الدولة ومن استغلال الدولة وليس من استثمار الرأسمال الخاص.
    وفي بداية العهد الجديد، وخوفا من انكشاف الحقيقة كاملة بخصوص التجاوزات الكبيرة، قام الوزير المخلوع، إدريس البصري بتسخير عصابته لإضرام النار في أرشيف المخابرات (الديسطي) لدفن أسرار الإجرام في حق الشعب المغربي على امتداد 38 سنة، وحسب نتائج التحقيق تبين أنه تم استعمال مواد شديدة الاحتراق تقضي بسرعة على الورق، خلال عملية إضرام النار، وبذلك أتت النار على كل مستندات أرشيف الديسطي، وهكذا تم إقبار أسرار متعلقة بانتهاكات خطيرة واختلاسات كبيرة وتجاوزات جسيمة وتلاعبات ماكرة تتعلق بتسليح الجيش الملكي، ضبطت في حق جملة من الجنرالات عملوا بالصحراء ومعلومات خطيرة عن الفساد في أعالي البحار وأساطيل الصيد البحري وتهريب الأموال والرمال والجمال... وقد تسربت معلومات تفيد أن من بين المستندات التي أكلتها النيران وثائق وحجج تدين ما يناهز 160 شخصية وازنة في المغرب احتلت مواقع هامة على امتداد العهد الحسني، ومنهم من لازال يحتل مواقع حساسة إلى حد الآن.

     
  3. tarix64

    tarix64 Visiteur

    J'aime reçus:
    46
    Points:
    0
    Re : كيف قمع الحسن الثاني الاحتجاجات؟

    كيف قمع الحسن الثاني الاحتجاجات؟ الحلقة الثانية

    إدريس ولد القابلة
    okdriss@hotmail.com
    الحوار المتمدن - العدد: 1894 - 2007 / 4 / 23


    نهج التدبير

    اعتمد نهج التدبير في عهد الملك الراحل الحسن الثاني على القمع الممنهج وإعلان حالة الاستثناء وتنظيم بعض الاستفتاءات ذات نتائج 99.99 في المائة وبعض الإصلاحات الدستورية الشكلية والانتخابات المتحكم في نتائجها قَبْلاً وإنشاء أحزاب سياسية تحت وصاية الملك والبلاط، ومن حين لآخر، عندما تشتد الأزمة وترتفع درجة الغليان الشعبي، يتم تقديم وعود براقة خاصة بالدمقرطة وتحسين الأوضاع المعيشية. وتخللت العهد الحسني محاولات لقلب النظام كسبيل لتحقيق التغيير الذي طال انتظاره منذ حصول البلاد على الاستقلال، وهذا ما حاوله اليساريون أكثر من مرة في 1963 و1971 و1972 والبلانكيون سنة 1973، لكن قدوم قضية الصحراء والوحدة الترابية شكلت عاملا مهما لضمان إجماع، بعد تحويل انتباه الجماهير من الواقع المزري المراد تغييره إلى الاهتمام بقضية وطنية لا تتحمل الانتظار، وفي ذات الوقت، شغلت هذه القضية الجيش ومكنت من إبعاده عن العاصمة.
    وفي سياق إضعاف مد المطالبة بالتغيير الجذري، جاء اغتيال المهدي بن بركة في منتصف الستينيات وعمر بن جلون في بداية السبعينيات، وللتقليل من انتشار أفكار المطالبة بالتغيير الجذري ومساندتها ودعمها، حرص الملك الراحل الحسن الثاني على جعل البادية المغربية خارج الدائرة السياسية ووقف سدا مانعا في وجه أية محاولة لتسييسها وقطع أي تواصل بينها وبين الأحزاب السياسية المعارضة، واعتمد مراقبة لصيقة ومستدامة للعالم القروي بواسطة رجال السلطة والدرك الملكي، إذ كان "البق ما يزهق" في القرية والدوار والقبيلة. وكل محاولة لتسييس العالم القروي ووجهت بقوة، أما احتجاجات وتمردات الفلاحين فكان نصيبها وفيرا من القمع الهمجي بواسطة تدخل الجيش أو "الكوم" أو القوات المساعدة، وغالبا ما كان يسقط ضحايا ويطلق النار بمناسبة أي تحرك نضالي بدوي مهما كان حجمه، ويكاد المؤرخون يجمعون أن الملك الراحل الحسن الثاني كان يعتمد أساسا على دعم الفلاح المغربي باعتباره مدافعا عن العرش، لكن قوة البادية بدأت تضمحل بفعل الهجرة القروية نحو المدن بسبب نقص الإنتاج الزراعي وعدم الاستقرار المناخي واستشراء الفقر بالعالم القروي واشتداد حدة الاستغلال والدوس على الكرامة، الشيء الذي ساهم في ارتفاع الساكنة الحضرية إلى أن تجاوز سكان البوادي.

    طبيعة النظام في العهد الحسني

    في عهد الحسن الثاني كانت الحكومة والوزراء والبرلمان والمجالس العليا مجرد أعوان وتوابع يأتمرون بأمر الملك، ينفذون تعليماته ويتبعون توجيهاته ويهتدون بسياساته، تشريعيا وتنفيذيا وقضائيا. فالملك، بنص الدستور، مقدس لا تناقش خطاباته وقراراته، فهو فوق المناقشة والمراجعة. وفي هذا الصدد سبق للملك الحسن الثاني أن قال في خطاب سنة 1963 أمام أعضاء مجلس النواب: ".. إن الوزراء هم أعواني، وأنتم (أي النواب) كذلك أعواني..؟"، كما قال: "إن الدستور لم يمنح الممثلين سلطات، بل منحهم التزامات.."، وأضاف قائلا: "إذا كان هناك فصل للسلطات، فإنه لا ينطبق على مستوانا، بل على المستوى الأدنى".
    ظل الملك الراحل الحسن يهوى أن يوصف نظامه بنظام ملكية دستورية، لكن فقهاء القانون الدستوري قالوا إنه سوف يكون من الأصح، بدل الحديث عن ملك دستوري، القول بدستور ملكي، وذلك باعتبار أنه نظام تمركزت فيه جميع السلطات المتاحة للملك الحسن الثاني ومستشاريه وموظفي البلاط إلى جانب ثلة من الأشخاص الذين هم على علاقات عائلية مع الأسرة الملكية. أما دور الحكومة، فقد ظل هامشيا على امتداد العهد الحسني.
    إن كل القرارات الهامة، كان يتخذها الملك الراحل الحسن الثاني الذي ظل يحتفظ بسيطرة مباشرة على ما يسمى بوزارات السيادة (الدفاع، العدل، الداخلية، الأوقاف والشؤون الإسلامية)، وحسب أغلب المحللين السياسيين، ظل الشكل الخارجي للدولة في العهد الحسني، وكذلك عاداتها، موصوما بالإقطاعية، باعتبارها بقيت مؤسسة على الخضوع والتبعية اللامشروطة للملك، وتأكد هذا الوضع في المجال الاقتصادي كذلك، إذ مثلت المصالح الرأسمالية للبلاط ما يناهز 60 في المائة من أسهم بورصة الدار البيضاء، وكذلك الشأن بخصوص تمركز الملكية العقارية، لاسيما الأراضي الفلاحية، بعد استرجاع أراضي المعمرين وبعد تطبيق "المغربة". وقد ساهم وجود برلمان صوري في تقوية الحكم الملكي الحسني الممركز، وبذلك ظل المخزن، في عهد الملك الراحل الحسن الثاني، فوق المجتمع، وبقي أسلوبه هو اعتماد سياسة العصا والجزرة، مع تغليب الأولى على الثانية، وشكل جملة من الأشخاص المقربين ورجال ثقة المرحلة، الأيادي الباطشة للملك والبلاد، من أمثال بلعالم وأوفقير والدليمي وكديرة، وآخر الرجال من هذه الطينة في العهد الحسن، كان الوزير المخلوع إدريس البصري الذي أذاق المغاربة مختلف أنواع سوء العذاب وتتلمذ على يده رجال لازالوا يشكلون حد الآن أعمدة الفساد في الأقاليم والعمالات والجهات، أغلبهم نهبوا وفسدوا واستولوا على ضيعات وأراضي ومصالح وامتيازات.


    الملك الحسن الثاني والشرعية الجديدة

    في فجر التسعينيات، وبالضبط في نهاية سنة 1990 تأكد أنه أضحى من الضروري البحث عن شرعية جديدة، بعد أن تحولت دعوة للإضراب العام إلى انتفاضات وتمردات شعبية في جملة من المدن المغربية الكبرى. آنذاك بدأ البلاط يشجع ويساهم بقوة في تمويل المجتمع المدني سعيا للبحث عن شرعية جديدة.
    آنذاك لاحظ جميع المغاربة تصاعدا سريعا في خلق الجمعيات، إذ تم إحداث ما يناهز 30 ألف جمعية جديدة لتلعب دور الواقي من الصدمات بين المخزن والجماهير الساخطة على الوضع. آنذاك كثر الحديث بخصوص تمجيد الجمعيات غير الحكومية ودورها في تفعيل التغيير المنشود، علما أن أكثر من 75 في المائة من تلك الجمعيات المحدثة كالفطر، كانت جمعيات لغايات إحسانية و25 في المائة حقوقية ونسائية وثقافية.
    آنذاك جاءت حكومة الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية والتي تم تقديمها كتدشين لمرحلة التناوب، الشيء الذي ساهم في إضعاف هذا الحزب بشكل لم يسبق أن عاينه على امتداد تاريخ وجوده.
    إن هذه النتيجة كانت حتمية ومخطط لها في إستراتيجية الملك الحسن الثاني، ومنذ البداية واجه حزب اليوسفي عدة انشقاقات، بدءا بالكنفدرالية الديمقراطية للشغل ووصولا إلى الشبيبة الاتحادية ومرورا بالجناح اليساري للحزب، هذا من جهة، ومن جهة أخرى لم يؤد التحالف بين البلاط وحزب الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية إلى ما ظل ينتظره المغاربة منذ الاستقلال، إذ أن شروط عيش المواطن العادي ظلت تتدهور والبطالة تستشري مغتالة أحلام جيل بكامله والأمية لازالت ضاربة أطنابها في المجتمع والبادية غارقة في ظلام الجهل المبين، وبالتالي لازال من السهل إخضاع الجاهل من طرف السلطة، لاسيما وأن تسييس البادية ظل في خبر كان، لأن الملك الراحل الحسن الثاني حرص على ذلك.

    الأيام الأخيرة للملك الراحل

    في الأيام الأخيرة للملك الراحل الحسن الثاني برز حدثان هامان، التقرير الطبي بخصوص الحالة الصحية للملك وجملة من التقارير المخابراتية التي خلصت إلى أن المغرب سيشهد في غضون موت الملك انتفاضة شعبية عارمة تنطلق من شمال المملكة، كما اعتقدت بعض هذه التقارير أنه سيعقب الانتفاضة انقلاب عسكري من طرف ما أسمتهم بـ "الضباط الأحرار"، ويلي ذلك مرحلة محاكمة رموز الفساد وناهبي أموال الشعب. لكن لم يحدث أي شيء من كل هذا.
    لقد أجمع الذين اكتووا بنار القمع الشرس في عهد الملك الراحل الحسن الثاني وذاقوا مرارة التفقير والبؤس، على أن الحكومة التي قادها عبد الرحمان اليوسفي آنذاك ساهمت إلى حد كبير في ضمان الانتقال السلس للسلطة في المغرب.
    وفي هذا الصدد أشارت جملة من التقارير المخابراتية إلى أجواء مراسيم تنصيب الملك، لاسيما فيما تعلق بحضور الأمير هشام ببذلة سوداء عوض اللباس التقليدي (الجلباب البيضاء). آنذاك أشارت بعض المصادر الإعلامية إلى استنطاق سائق الأمير واستجوابه من طرف المصالح الأمنية قبل مغادرة الأمير هشام المغرب واستقراره بالولايات المتحدة الأمريكية.
    لقد لعب عبد الرحمان اليوسفي دورا هاما وحيويا في الانتقال السلس للعرش. وفي هذا الصدد قيل إنه هو الذي اقترح على الملك محمد السادس أن تكون البيعة مكتوبة، وهذا ما كان، وكانت أول مرة في تاريخ العلويين أن يتم اعتماد البيعة المكتوبة، لكن بفعل اللوبيات المصلحية المعرقلة للإصلاح سيتم التخلي عن عبد الرحمان اليوسفي رغم نيل حزبه مقدمة الترتيب في الانتخابات التشريعية لسنة 2002، وبذلك كانت أكبر خيبة، في آخر مشواره السياسي.

    من الخمسينيات إلى التسعينيات وقائع وأحداث

    منذ سنة 1956 وإلى حدود منتصف التسعينيات عرف المغرب وقائع وأحداث لازالت أثارها حاضرة إلى حد الآن.
    فمن المعلوم أن المغرب شهد بعد الاستقلال، لما تجدد الحكم الفردي، جملة من الأفكار مؤيدة للنظام الجمهوري وللجمهورية، وعبر عنها آنذاك جماعة من مناضلي الاتحاد الوطني للقوات الشعبية، وظلت هذه الأفكار تاوية إلى أن برزت من جديد في السبعينيات (حركة شيخ العرب ورفاقه، وأحداث مولاي بوعزة، والحركة الماركسية اللينينية، وتيار الاختيار الثوري).
    وعرفت فترة ما بين 1958 و1959 مواجهة أهل الريف مع الدولة التي تصدت بشراسة للحركات الاحتجاجية هناك، إلى حد رأى البعض أنها اقترفت جرائم ضد الإنسانية.
    وزاد الطين بلة بتكريس تهميش المنطقة وعدم الإكثرات بتنميتها على امتداد العهد الحسني، إذ أن الملك لم يسمح هناك إلا بالهجرة إلى الخارج والتهريب، وتظل الدولة هي المسؤولة عن الانتهاكات الجسيمة التي طالت سكان الريف وتسببت لهم في الكثير من المآسي.
    بعد حصول الجزائر على الاستقلال ساد الشعور بأن المسلسل الثوري لا يجب أن يتوقف إلا بعد القضاء على الملكية بالمغرب. وفي هذا الصدد سبق للرئيس الجزائري، هواري بومدين، أن قال: "في الواقع، يعتقد إخواننا المغاربة،إنهم قد ساعدونا على تحقيق استقلالنا عن فرنسا، والآن وجب أن نساعدهم في التحرر من الملكية.."، وهكذا أحس الملك الراحل الحسن الثاني أن نظامه مهدد بشكل مباشر من طرف الأفكار الآتية من الجزائر التي شرعت آنذاك في اعتماد خطاب معاد للامبريالية والإقرار بالاشتراكية على الطريقة الجزائرية.
    في خضم هذه الأجواء انفجرت حرب الرمال سنة 1963، وهي الحرب التي ساندها حزب الاستقلال مع إعادة ترديد مواقفه بخصوص المغرب الكبير، في حين عارضها حزب الاتحاد الوطني للقوات الشعبية، إذ أدانها المهدي بن بركة من منفاه في الجزائر ووصفها قائلا: "الاعتداء على الثورة الجزائرية من طرف الملكية الفيودالية". وتلى هذه الحرب اعتقال القادة الاتحاديين، ثم اختطاف واغتيال بن بركة، آنذاك كان الملك الراحل يخشى نشوء حركة وطنية يسارية في صفوف الجيش تسير على درب الثورة الجزائرية بتحالف مع الاتحاديين من أجل إرساء نظام جمهوري بالمغرب.
    ومع مرور السنوات فقدت المواجهة بين المغرب والجزائر طابع التضاد بين نموذجين إيديولوجيين متعارضين، إذ أن الغليان الثوري للنظام الجزائري سرعان ما بدأ يخبو انطلاقا من سنة 1965 مع الانقلاب ضد أحمد بن بلة الذي تزامن مع أكبر ركوض عرفه الاقتصاد الجزائري، وبذلك لم تعد الثورة الجزائرية تشكل تهديدا جديا للملكية بالمغرب.
    وبعد عقد من الزمن على استقلال المغرب، أصبحت البلاد ترزح تحت وطأة حكم فردي لم يلب ولو أبسط المطالب الاجتماعية الملحة للجماهير، وزادت الأوضاع ترديا واتسعت فضاءات السخط مع استفحال الأزمة من جراء طبيعة السياسات الاقتصادية المعتمدة التي هدفت على الدوام تحويل الثروات إلى أيدي حفنة من الأشخاص، آنذاك لم يتمكن النظام من إخماد تمرد مارس 1965 إلا بعد اسقاط مئات الأشخاص باستعمال الرصاص واعتقال ما يناهز 3500 شخص، وتزامن ذلك مع أحداث كان لها الأثر الكبير على المجتمع المغربي ومكوناته (هزيمة 1976 والنكسة الفلسطينية، أحداث ماي 1968 بفرنسا)، وفي سنة 1968 قام 7000 عامل بمناجم الفوسفاط بخريبكة بتنظيم إضراب تاريخي ووجه بالقمع الشرس حيث أدى إلى تدخل قوات كبيرة من الجيش والأمن لم يسبق أن عاينها سكان المدينة من قبل.
    وفي سنة 1970 تعرض كل من حزب الاتحاد الوطني للقوات الشعبية وحزب التحرر والاشتراكية لانشقاقات يسارية لم يسبق لها مثيل في تاريخهما، وظهرت التيارات الراديكالية في صفوف الأول وبرزت مكونات الحركة الماركسية اللينينية من الثاني، واعتمدت تنظيمات هذه الحركة إستراتيجية تغيير راديكالي باعتماد العنف المضاد لمواجهة عنف الدولة. وأجمعت تلك التنظيمات على كون أن التغيير بالمغرب لن يحدث إلا بإسقاط النظام الملكي.
    في صيف سنتي 1970 و1971 انتفض الفلاحون في أكثر من منطقة (الغرب، سوس، الحوز..)، وتدخل الجيش والدرك والقوات المساعدة لإخماد التمردات بالقوة والقمع والاعتقالات العشوائية لإرهاب الساكنة القروية وتنيها عن مساندة حركة مواجهة الظلم والجور السائدين آنذاك.
    وكل تمردات الفلاحين انطلقت بمناسبة رغبة القائمين على الأمور في السطو على الأراضي الجماعية أو الاستحواذ على مياه الري. وفي غضون سنة 1971 اعترفت القيادة النقابية بفقدانها السيطرة على الوضعية وعجزها عن التحكم في موجات الاحتجاجات والإضرابات التي انخرط فيها العمال والشغيلة في مختلف القطاعات.
    وفي سنة 1972 تأسست اللجنة الوطنية لمناهضة التعذيب، وكانت تضم الاتحاد الوطني لطلبة المغرب والاتحاد الوطني للمهندسين (ممثلا بأمين عبد الحميد وأيت قدور) وجمعية "المحامون الشباب" (يمثلها عمر بن جلون) والنقابة الوطنية للتعليم العالي (يمثلها عبد الواحد الراضي) واتحاد كتاب المغرب (يمثله عبد الكريم غلاب)، إلا أن هذه اللجنة لم تشتغل إلا ثلاثة أشهر بفعل القمع المسلط على أعضائها في إطار حملة الاعتقالات الواسعة لسنة 1972.
    وفي مارس 1973 شهدت خنيفرة وكلميمة بداية تمردات مسلحة ووجهت بالقمع الشامل دون تمييز، إذ اعتبر النظام ساكنة المنطقة بمثابة أعداء، ومورست عليهم مختلف أنواع التعذيب في الهواء الطلق في الدواوير والدشور.
    آنذاك احتاج القائمون على الأمور إلى مخرج يحول انتباه الجماهير الساخطة على الأوضاع، وكانت قضية الصحراء في الموعد بمثابة المخلص، إذ تأجلت كل القضايا الأخرى. وتبنت كل الأحزاب السياسية الموقف الرسمي، ما عدا جزء من الحركة الماركسية اللينينية المساندة لمبدأ تقرير المصير، وقد اضطر حزب التحرر والاشتراكية إلى تغيير اسمه تحت ضغط البلاط، للتخلي عن عبارة "التحرر"، وبذلك أصبح اسمه الجديد حزب التقدم والاشتراكية، في ذلك الوقت عمل القصر الملكي على خلق فرقة صحراوية تدعى جبهة التحرير والوحدة والتي بدأت تشن هجمات على الإسبان ابتداء من نهاية سنة 1974، ومنذ البداية بدا أن الحرب ضد البوليساريو ستكون مكلفة بفعل دعم الجزائر لها، الشيء الذي دفع الملك الراحل الحسن الثاني إلى الاحتفاظ بما يفوق 140 ألف جندي في الصحراء من أجل ردع 10 ألف عنصر مسلح من الانفصاليين، فتحول تمويل حرب الصحراء إلى ثقل لا يحتمل على الاقتصاد المغربي، إذ وصلت كلفتها في بعض الفترات إلى 10 ملايين درهم في اليوم.
    في العقد الثامن من القرن العشرين عبر المغاربة عن سخطهم للواقع المعيش وطالبوا بتحسين أوضاعهم المزرية من خلال تنامي النضالات والاحتجاجات والتمردات الشعبية، كما وقع في يونيو 1981 ويناير 1984 ودجنبر 1990. ففي بداية هذا العقد شهد الركح السياسي المغربي تراجعا كبيرا عرف ذروته سنة 1984 مع الحركة الجماهيرية التي ووجهت بقمع شرس في الناظور والحسيمة والقصر الكبير وتطوان ومراكش، والتي سقط على إثرها الكثير من الضحايا، آنذاك تغير الخطاب الرسمي، إذ بدأ الحديث عن الإصلاح والديمقراطية بمبادرة من الدوائر العليا، لم يكن هذا التحول من قبيل الصدفة، لأنه بعد الانتفاضات الجماهيرية فكر المخزن في إدخال بعض التغييرات الطفيفة جدا، باعتبار أن شرعية النظام بدأ يطالها التساؤل، وذلك مع الإضراب العام لسنة 1981 والذي تحول إلى حركة احتجاجية واسعة المدى ضد الاستغلال والقهر، وكذلك الحركة التمردية لسنة 1984 في أهم المدن المغربية. آنذاك شرع المخزن في تكريس القاعدة القائلة: تغيير متحكم فيه يأتي من فوق خير من تمرد أو انتفاضة جذرية من القاع، علما أنه في شهر دجنبر 1990 دعت النقابات إلى إضراب عام سرعان ما تحول إلى انتفاضات وتمردات شعبية في فاس وطنجة والقنيطرة ومدن أخرى،وجهت كلها بالقمع الهمجي.
    وقد حدث خلال شهور قليلة فقط بعد خروج مئات الآلاف من المغاربة إلى الشوارع لمناهضة حرب الخليج الأولى وتخادل القادة والرؤساء العرب وللاحتجاج ضد دعم الأنظمة العربية لإستراتيجية أمريكا العدوانية. وقتئذ بدأ الملك الراحل الحسن الثاني يُحضر لتغيير، كان في الواقع بمثابة بحث عن شرعية جديدة بعد أن تآكلت الشرعية التقليدية بفعل الانتهاكات الجسيمة والقمع الهمجي وسحق كرامة المواطن، وبفعل تعاقب التحديات التي أضحى يواجهها المغرب.
    في عقد الثمانينيات تدخل الجيش وجحافل "الكوم" وأطلق الرصاص الحي على المتظاهرين، ولقي مغاربة حتفهم وحصدت حملات الاعتقال العشوائية والمسعورة الكثير من المواطنين وعقدت محاكمات بسرعة غابت فيها شروط المحاكمة العادلة ومورست أساليب التعذيب والتنكيل وأنجزت محاضر الشرطة بالقوة وتحت التهديد.
    شهدت التسعينيات مسارا للسعي إلى تعديل الدستور، قامت المعارضة بتقديم مذكرة إلى البلاط إلى أن جواب الملك كان حازما، ولما عاودت المعارضة الكرة، كان الرد الملكي أكثر حزما في دستور 1996، إذ تمسك الملك بكامل السلطات ورفع ثلث البرلمان، موضوع انتقادات كثيرة، إلى مرتبة هيئة تعادل "مجلس النواب" قصد المزيد من التحكم في المؤسسات المنتخبة، وبذلك فشلت محاولة المعارضة، وبامتياز، في تحويل الملكية من مخزنية إلى ملكية وملك يسود ولا يحكم.
    وقتئذ أدى اندلاع الحرب الأهلية في الجزائر سنة 1992، بعد حصول جبهة الإنقاذ الإسلامية على الأغلبية في الانتخابات البلدية إلى المزيد من إضعاف رغبة الجزائريين في دعم البوليساريو، وبعد عشرين سنة من الحرب في الصحراء فهم الإنفصاليون أنهم استطاعوا تحمل الضغط القوي للجيش المغربي، لكنهم لم يتمكنوا من ربح الحرب بأي شكل من الأشكال، كما فهموا أنه إذا سحبت الجزائر دعمها لهم، فسيكون مصيرهم قد حسم، لذا منذ انهيار جدار برلين بدأت البوليساريو تتخلى تدريجيا عن الإشارة إلى الاشتراكية أو الثورة، وهو ما أُوّل في أكثر من وجهة.
    على سبيل الخلاصة

    بعد 38 سنة من القمع والترهيب وسيادة الفقرقراطية والخوفقراطية والذلقراطية لم يبق للمغاربة في منتصف تسعينيات القرن الماضي سوى شظايا من الأمل المفقود.
    لقد تم الاعتراف بحدوث انتهاكات جسيمة واختلاسات كبيرة لأموال الشعب وتزوير الانتخابات، كما تم الاعتراف بأن المشاكل التي ظل المغرب يتخبط فيها، من بطالة وفقر وفساد ورشوة وظلم وحيف اجتماعي لم تجد أي حل مناسب لها، وبذلك ظل أغلب المغاربة يفقدون الأمل في الغد رويدا رويدا رغم الشعارات والاحتفالات الرسمية والمراسيم والزيارات.
    أموال وثروات وأراضي وشركات عمومية وشبه عمومية اختلست أو منحت لأشخاص بجرة قلم، وظل الرد الوحيد والمستدام على الاحتجاجات والتمردات الجماهيرية للتنديد باستمرار تردي الأوضاع وإغراق البلاد بالديون واستفحال البطالة واستشراء الفقر والرشوة والفساد، هو القمع.
    وبخصوص الديمقراطية وجب التذكير بأنه في عهد الملك الراحل الحسن الثاني، لم تكن الديمقراطية مطروحة بإلحاح في عقدي الستينيات والسبعينيات كما هو الأمر حاليا، إذ كان أغلب المطالبين بالتغيير بالمغرب يشككون في نوايا من كانوا يطرحون الديمقراطية كقضية آنذاك، معتبرين ذلك تضليلا وتزييفا للوعي وانشغالا بحريات "برجوازية" على حساب الأولويات السياسية والاجتماعية الأكثر أهمية وحيوية للحاضر والمستقبل حينئذ.
    آنذاك كانت المسألة الاجتماعية والتنمية الاقتصادية والتحرر من مخالب الإمبريالية أولويات أكثر إلحاحا من الديمقراطية، باعتبارها السبيل للتمكن من تلبية مطالب الأغلبية الشعبية، صاحبة المصلحة في التغيير الجذري، بينما كانت الديمقراطية آنذاك تعتبر بذخا برجوازيا لخدمة مصالح من يحتكرون الثروة ويريدون، من خلالها، احتكار السلطة تحت غطاء القانون الذي أقيم أصلا على مقاسهم ولخدمة مصالحهم.
    إدريس ولد القابلة
     

Partager cette page