لماذا لم تنجح محاولات هؤلاء؟

Discussion dans 'Nouvelles (9issass 9assira) & Chroniques' créé par maximo-27, 25 Décembre 2009.

  1. maximo-27

    maximo-27 Ghost

    J'aime reçus:
    224
    Points:
    63
    أكاد أجزم أنه حتى الآن لم يشهد الوطن العربي محاولة واحدة جادة وصحيحة للتغيير، سواء كان التغيير مقصوداً به تغيير شامل لإحداث نهضة كبرى لبلادنا، أو كان مقصوداً به تغيير في مجال واحد بعينه.
    وعندما نتحدث عن محاولات التغيير التي شهدها جيلنا الشاب، فإننا بالكاد نذكر عدة محاولات ضئيلة العدد، ربما كان أبرزها، من ناحية التغيير الشامل، هو مشروع صناع الحياة تحت قيادة عمرو خالد. بينما من ناحية التغيير السياسي نذكرحركة شباب 6 أبريل وحركة كفاية في مصر، ومن الناحية الأخلاقية نذكر عدداً لا بأس به من القنوات الفضائية كقناة الرسالة والناس والرحمة وغيرها، والتي وهبت منابرها لعلماء ورجال دين من طراز محمد حسين يعقوب ومحمد حسان وغيرهم لينقلوا الناس من الضلال إلى الهدى، على حد تعبيرهم.

    لو كنت من المتابعين الدائمين للوضع الحالي في بلادنا ولمبادرات التغيير تلك، فإنك ستجد أن كل هذه المحاولات لم تحقق النجاح الذي توقعته لنفسها. فمشروع صناع الحياة على سبيل المثال يكاد يجر أذيال اليأس معه، فهذا المشروع العظيم قام على اساس تغيير احوال بلادنا في عدة مجالات منها الصناعة والزراعة والصحة. وكلنا يذكر رحلة عمرو خالد الطويلة التي ذكر فيها أنه تقابل مع عدد من المسؤولين في بلادنا العربية، ثم عاد بمشروع في كل مجال. فطرح فكرة المشروعات الصغيرة في مجال الصناعة، وفكرة زراعة أسطح المنازل في مجال الزراعة، وفكرة المنتدى الصحي في مجال الصحة. فما الذي آل إليه حال هذه المشروعات؟. لا شيء يستحق الذكر.

    نعم هناك من يقول أن صناع الحياة كان مناخاً قوياً لإخراج شباب قادر على إحداث التغيير فيما بعد، وأنا أوافق على هذا القول، ولكني أتحدث هنا عن منهجية المشروع نفسه. لأن عمرو خالد لم يكن بالتأكيد يقصد كهدف أساسي وضع الشباب العربي في مناخ مناسب وصحي فقط، بل كان بالتأكيد هدفه الأساسي هو فعلاً إحداث نهضة. وعليه فإن المشروع لم ينجح في تحقيق أهدافه الرئيسية التي قام لأجلها.
    على نفس المنوال نذكر حركات التغييرالسياسي. ففي مصر على سبيل المثال قامت شخصيات كبيرة وذات ثقل على المستوى الثقافي والإجتماعي والسياسي والديني بالتعبير عن رفضها لما يحدث في البلاد من تهريج. لكن لو ذكرنا مثلاً الحملات التي قامت ضد التوريث فإننا نرى أنها في النهاية لم تنجح، فالتعديلات الدستورية تحدث والقانون يكاد يعطي الحق لمرشح الحزب الحاكم فقط في الترشيح. حتى أن جلال أمين، أستاذ علم الاقتصاد، سخر مما يحدث في مصر من ترشيح آخرين للحكم مثل البرادعي وغيره، وقال أن كل هذه الشخصيات المقترحة ستبقى مقترحة لأن القانون تقريباً سيمنع ترشيحها.


    أما لو ذكرنا التغيير الأخلاقى المنشود والذي تمثل في كثرة القنوات الدينية بطريقة لم تحدث من قبل، وكثرة الواعظين وشعبيتهم. محمد حسين يعقوب ومحمد حسان ومحمود المصري وعائض القرني وأحمد الشقيري ومعز مسعود ومصطفى حسني وخالد الجندي وعبلة الكحلاوي ونوارة هاشم وغيرهم. فبالرغم من كل هؤلاء العلماء والدعاة الأجلاء والذين أكن لهم احتراماً كبيراً. بالرغم من شعبيتهم الجارفة فإن معدلات الجريمة تزداد يوماً بعد يوم. والأمن يقل، والناس لا تتوقف عن التحسر على زمن الأخلاق الطيبة، فالجار لا يكف عن إيذاء جاره، وصلة الأرحام لا تنفك تتقطع، والقيم تنحدر من سيئ لأسوأ.

    السؤال الأهم هو : مادامت الناس دوماً ترغب في التغييرإلى الأفضل، ومادام حلم النهضة والإصلاح السياسي والإجتماعي والأخلاقي أملاً منشوداً من الجميع. فلماذا إذن تفشل كل هذه المحاولات الرائعة؟

    دعونا نؤجل الحديث عن الظروف الأمنية وقوانين الطواريء وغيرها من أسباب وأد كل محاولة جيدة للتغيير. فهذه الأسباب في رأيي ثانوية وليست رئيسية. لأنه عندما تأتي محاولة جادة للتغيير فإن هذه الظروف الأمنية لا تصمد أمامها، وهذا ما يشهد به التاريخ.

    في رأيي، أهم سبب لفشل هذه المحاولات هو –ببساطة- سوء التعامل مع الأمور من قبل أصحاب هذه المحاولات. سوء إدارة الأمور من الدعاة الإصلاحيين. بل نستطيع أن نقول أن أصحاب دعوات التغيير لا يفهمون جيداً آليات التغيير، وهم كذلك – والعبارة الآتية صادمة- لا يعرفون المعنى الحقيقي لقول الله تعالى "إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم".

    عند هذه النقطة والأمور بحاجة للشرح الهادئ حتى لا يتهمني سريعوا الغضب بالجهل والسفه. فلا يجوز إطلاق هذا الاتهام على رجال من أهم رجال العالم العربي والاسلامي.

    ولذلك دعوني أخبركم في البداية بقصة قصيرة ..
    هي قصة ثلاثة شبان يعيشون في بلدة صغيرة، والبلدة فيها منفذ واحد لبيع الخبز. وعلى هذا المنفذ يتقاتل الناس كل يوم من أجل الحصول على الخبز الذي يسدون به أفواه أطفالهم الجائعة. والناس في هذه البلدة يتقاتلون بالمعنى الحرفي للكلمة، فيضربون بعضهم ويسفكون دماءهم من أجل الخبز. والبغضاء والكراهية والسرقة منتشرة بينهم. حتى حزن الشباب الثلاثة على حالهم وقرروا أن يجاهدوا من أجل تغيير أحوال بلدتهم إلى الافضل. وجعلوا هدفهم هو القضاء على الفوضى والزحام عند المخبز.
    اقترح الشاب الأول حلاً، فقال لصاحبيه "إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم"، وعليه فإننا سنغير نفوس الناس بالحكمة والموعظة الحسنة. سنجتمع بهم ونخبرهم أن الله يكره الشجار والفوضى ويحب النظام. وأن النظام والرضى وحب الآخرين يدخلكم الجنة. وبالفعل اتفق الثلاثة على تنفيذ الخطة. فصاروا في كل وقت وفي كل مكان يعظون الناس وينصحونهم. بل ويحملون لافتات عريضة أمام المخبز تُذكّر بوعد الله للصابرين والمتقين.

    واهتدى الناس على أيديهم، وتعاهدوا أن تستيقظ ضمائرهم، ورضى الناس بهذا، ورحلت الكراهية من القلوب ووقفوا في طابور منتظم.

    حتى جاءت الأخبار أن الدقيق شح، وبالتالي شح الخبز، فعاد الناس يتقاتلون أمام المخبز آملين الحصول على الخبز قبل نفاذه، ولم تعد تجدى الموعظة معهم نفعا لأنها لا تسد جوعهم. فانهارت كل كلمات الوعظ عند أول مشكلة.
    وعاد الشباب الثلاثة يفكرون في خطة جديدة، فقال الثاني لصاحبيه إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم، وعليه فإننا سنستمر في وعظ الناس ولكن بأسلوب مختلف، وهو أننا سنقدم لهم فناً راقياً يجعلهم يخجلون من أنفسهم ويدركون سوء تصرفهم. فأقام الشباب مسرحاً وقدموا مسرحية رائعة ومؤثرة رسالتها أن الفوضى سيئة والنظام نافع. وبكى أهل البلدة من شدة التأثر، ولكنهم عادوا في اليوم التالي يتقاتلون أمام المخبز وكأنهم لم يشاهدوا شيئاً. فعلم الشباب أن الناس تحب البكاء على اللبن المسكوب، ولكنها لا تحاول أن تعيده إلى الكوب ثانية.

    وقال الشاب الثالث إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم، ولذا فإننا سنشحن قلوب الناس ضد حكومة البلدة حتى يثوروا عليها، وبالتالي إذا تغير ما في قلوب الناس من سكوت عن الحق وطالبوا بحقوقهم وكرامتهم فإن الحق يعود ويغير الله ما حل بهم من ضعف وذل.

    وبالفعل سار الشباب الثلاثة بين الناس يطالبونهم بالثورة على الظالمين، وبالجهاد وقول الحق في وجه سلطان جائر. واستجاب الناس لهم، فخرجت المظاهرات في كل مكان، وشهدت البلدة معارك ضارية بين قوات الأمن وأهل البلدة، وحدثت إضرابات عدة، حتى قررت الحكومة أن تعتقل المتظاهرين وتروج إشاعات بأنها تعذبهم عذاباً لا رحمة فيه، فخاف الناس واستكانوا، فعادت الحكومة لتقول أنها تبحث في مشكلة الخبز. وبالفعل عاد الخبز للظهور شهراً ثم اختفى ثانية وعادت الفوضى والقتال، ولم يعد الناس راغبين في التظاهر والاعتراض المسموع ثانية.

    هنا اجتمع الشباب الثلاثة حيارى، وتساءلوا، لماذا لا يدوم الناس على التغيير. لقد فشلوا في تغيير الناس، وهم لا يعرفون وسيلة أخرى لتغييرهم، فقد جربوا كل الوسائل. جربوا الوعظ وجربوا الثورة فلم ينفع شيء. وعلموا أن هناك حكيماً يعيش في الصحراء فقرروا الذهاب إليه.

    فلما حضروه وأخبروه عن مشكلتهم قال
    "أنتم لا تلتزمون بالآية الكريمة "إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم"
    فلما سألوه عن مقصده قال
    " لا تعتمدوا على الناس في أن يغيروا أنفسهم، ولكن اعتمدوا على أنفسكم في تغيير ما بأنفس الناس".

    وفهموا ما الذي يقصده الحكيم، فعادوا للبلدة، وجمعوا أموالهم، واشتروا قطعة ارض زراعية، فزرعوها بالدقيق، ثم بنوا مخبزاً صغيراً، وجاءوا بالخبازين ليعملوا فيه. وباعوا الخبز. ووضعوا شروطاً قاسية على كل من يخالف النظام، فأي مثير للشغب أو محدث للفوضى يمنع نهائياً من أخذ الخبز. وجعلوا لكل مواطن حصة لا يتعداها. فصار الناس يتركون المخبز القديم ويذهبون لمخبز الشباب بعدما رأوا فيه احتراماً لهم وعدم إهانة لإنسانيتهم. فلما علمت الحكومة بهذا الأمر استشاطت غضباً، وقررت أن تغلق هذا المخبز، ولكن الشباب بحكمتهم تفاوضوا معها واستطاعوا أن يحافظوا على إدارتهم للمخبز وإن فقدوا جزءاً كبيراً من الأرباح تناله الحكومة. ولكنهم تنازلوا عنه لأنهم في النهاية لا يسعون إلا لهدف واحد وهو القضاء على الفوضى.
    وهكذا، مرت شهور طويلة لا يحدث فيها أي خرق للنظام في المخبز، وزاد البيع وفتحوا مخابز في بلدان أخرى، وانتهت الفوضى تماماً. وكان السر أنهم لم يطلبوا من الناس أن يغيروا ما بأنفسهم وأن يتحولوا من الفوضى إلى النظام. بل أجبروا الناس على أن يغيروا ما بأنفسهم. أجبروهم على التحول من الفوضى إلى النظام. فبعد أن كان اعتقاد الناس أن من يضرب ويتشاجر يحصل على الخبز، صار اعتقادهم أن من يلتزم النظام يحصل على الخبز. فتغير المفهوم نفسه في أنفس الناس، فغير الله ما بهم


    لو دققنا في القصة لوجدنا أن محاولات التغيير في بلادنا جاءت تطلب من الناس أن يتغيروا. ولم تجبرهم على أن يتغيروا. عمرو خالد جاء يطالب الناس بالعمل من أجل الوطن، ولكنه نسى أن في أذهان الناس يرسخ أن العمل من أجل الوطن لا يسمن ولا يغني من جوع. وحركات التغيير السياسية جاءت تطلب من الناس أن يثوروا، بينما في أذهان الناس ترسخ أن الثورة تساوي الاعتقال والتعذيب ولا تحقق في النهاية شيئاً ذا قيمة. ورجال الوعظ الديني والأخلاقي جاءوا يطلبون من الناس فعل الخير، بينما في ذهن الناس فإن العمل الطيب يضيع صاحبه في هذا الزمن، وأن عليك أن تأتي بالمال من أي مكان حتى تعيش.
    فعامة الناس كما قال الإمام علىّ في عبارته الخالدة : أتباع كل ناعق، تحركهم كل ريح ولم يستضيئوا بنور العلم. فوجب على المفكرين وأصحاب القوة الراغبين في نهضة هذه الأمة أن يُجبروا الناس على التغيير لا أن يطالبوهم به. والإجبار هنا معناه أن يضعوهم في ظروف تغير نظرة الناس للأمور. فإذا تغيرت نظرة الناس للأمور تغيرت أنفسهم، وإذا تغيرت أنفسهم غير الله ما بهم.
    في المقال القادم بإذن الله سنأتي بأمثلة قوية تثبت لكم أن كل دعوة للتغيير اعتمدت على الناس، انتهى بها الأمر أنها فقدت معناها الحقيقي وتزينت بزينة الوضع الحالي.
    وللحديث بقية..

    http://http://www.aljazeeratalk.net/node/5347

     
    1 personne aime cela.
  2. Rane

    Rane hamdolilah

    J'aime reçus:
    66
    Points:
    28
    salammmmm
    merciiii bzaf pour l partage max^^
    j'ai bien aimé l'exemple des 3 jeunes^^^^^.....
    j'attends la suite si ç possible khoya^^
     
  3. Rida

    Rida Accro

    J'aime reçus:
    169
    Points:
    63
    klam tayeb w fma7allo, fintidar alba9ya incha²allah
     
  4. maximo-27

    maximo-27 Ghost

    J'aime reçus:
    224
    Points:
    63
    هناك فرق عميق بين الموعظة وبين إحداث التغيير الفعلي في المجتمع بأسره. فالموعظة تأتي عندما يكون وعظ الناس في مسألة الجنة والنار، كأن لا تكذب ولا تغتاب غيرك ولا تنظر إلى ما حرم الله. وهي الأمور التي لا تؤثر إلا على الفرد وحده أو على نطاق محدود جداً من المجتمع بحيث لا يشكل وجودها خطراً. فالناس لن تتوقف عن الكذب والغيبة وإطلاق البصر. والوعظ هنا لكي يعود الناس فيستغفرون، فيغفر الله لهم، ثم يعودون ثم يستغفرون وهكذا.
    أما الأمور العظمى التي يتأثر بها المجتمع بشكل مباشر فلا ينبغي أبداً التوقف عند الموعظة فيها، بل يتعدى الأمر إلى الفعل لإيقاف هذا الأمر من قبل السلطة الحاكمة.. فأمر مثلاً مثل السرقة يهدد أمن واستقرار المجتمع كله، ولذلك فيجب إيقاع عقوبة صارمة على السارق حتى لا يعود إليها أو يفعلها غيره، ورغم هذا لا يجب أن يتوقف الواعظون عن التحذير منها.
    ولهذا فنحن لم نر عقاباً على الكذب مثلاً، ولكننا نرى عقاباً شديداً على القتل.


    أبلغ ما يوضح هذا الأمر هو حكم الزنا في الإسلام. فالزنا في حد ذاته جريمة لا تشكل خطراً على المجتمع، بل هي جريمة تشكل خطراً فقط على مرتكبها، ولذلك فلا عقاب في الإسلام على الزاني. ولو تاب لتاب الله عليه. أما عندما يتطور الأمر ويجهر الزاني بفعلته فعندها يتشكل خطر كبير على المجتمع، إذ أن الجهر بالزنا هو نشر للفاحشة بين الناس، وهذا ما يعاني منه مجتمعنا الآن من مشاكل نفسية ونسب طلاق عالية وازدياد حالات الاغتصاب وغيرها. وبالتالي كان لا بد من عقاب المجاهر بالزنا، وهو الذي زاد عدد من شاهدوه عن ثلاثة.لماذا كل هذه المقدمة؟


    لأننا كما قلنا في المقال السابق نسيء فهم الآية الكريمة " إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم"، فهذه الآية لها اتجاهين. الاتجاه الأول هو تغيير الفرد وحده. وهنا على هذا الفرد أن يغير من نفسه حتى يغير الله ما حل به. وهنا فقط تجدى الموعظة.

    أما الاتجاه الثاني وهو الأهم، فهو تغيير المجتمع بأسره، وهنا لا تخاطب الآية عامة الناس ولكن صفوة المجتمع من العلماء وطلاب العلم والصالحين من أصحاب المال والسلطة، بأنهم إن أرادوا تغيير الأحوال السيئة فعليهم تغيير الناس عن طريق تغيير نظرة الناس للأمور. كما سبق وذكرنا في قصة المخبز. فالناس بعد أن كانت تتقاتل للحصول على الخبز لأنهم كانوا يعتقدون أن الوسيلة المثلى للحصول عليه هي الفوضى، أصبح الناس يلتزمون النظام لأنهم أصبحوا يعتقدون أن النظام التام هو الوسيلة المثلى للحصول على الخبز، خصوصاً وأن المخالف للنظام يُطرد.

    وبالتالي لا يمكن أن يكون تغيير أحوال أمتنا بالوعظ، أو بإطلاق المبادرات، أو بالقيام بالحملات. بل يجب أن يكون التغيير باستخدام الإجبار. والإجبار هنا لا يعني القهر، وذلك ببساطة لأن القهر هو ما تستخدمه الحكومات المستبدة. بل نقصد هنا الإجبار الذكي، وهو إنشاء نظام قادر على تغيير مفاهيم الناس بشرط أن يكون نبيل الأهداف.

    على سبيل المثال، فلنفترض أن الغش ينتشر في المدارس. وفي اعتقاد الناس أن من يجتهد فإنه سيتساوى بغير المجتهد لأنه يغش. فما ترسخ في عقول الطلاب أن الغش هو الطريق الأفضل للحصول على الدرجات العليا. فإذا أردنا إجبار الطلاب على تغيير ما بأنفسهم لا ينبغي أن نطلب منهم ليل نهار أن لا يغشوا. فمليون خطبة لن تقوى على التغيير. ولكن لكي يتغير الطلاب يجب أن يكون جزاء الغشاش العقوبة. يجب اتخاذ وسائل صارمة لمنع الغش، ويجب أيضاً تكريم المجتهدين. فإذا تم تنفيذ نظام دقيق فلن يدوم الأمر طويلاً حتى يتغير مفهوم الطلاب فيعتقدون أن الاجتهاد هو سبيل النجاح. وهكذا يتغير ما بداخل الناس فيغير الله ما حل بهم من سوء.

    وأريد أن أسوق مثالاً فعلياً على هذه الفكرة. ولنضرب مثلاً بحال الموسيقى العربية. والمثال القادم الذي سأرويه حدث في العديد من البلاد العربية إن لم يكن كلها. بداية من لبنان وسوريا وحتى الجزائر. ولكني أؤثر الحديث عما حدث في مصر لإلمامي بتفاصيل أكثر.
    ففي الخمسينات والستينات كان هناك مبنى إذاعة واحد في مصر لا يسمح إلا بإذاعة الفن الراقي للمستمعين. ولا يمكن لأي أحد أن يدخل مبنى الإذاعة إلا بعد اختبارات طويلة على يد أساتذة في هذا المجال. عبد الحليم حافظ مثلاً كان في لجنة اختباره محمد عبد الوهاب وأم كلثوم.
    عندها ترسخ في أذهان المطربين معنى هام، وهو أن أمواج الراديو لن تنقل إلا من يقدم فناً راقياً بل ويبدع فيه. هذا المناخ فُرض فأجبر الناس على أن يلتزموا به. أجبر المطربين والمنتجين وكذلك المستمعين. فشهدت الموسيقى العربية تطوراً لافتاً مازالت تنهل من أثره.

    ثم جاءت فترة الإنفتاح في مصر ، واصبحت اللغة هي لغة المال، وأصبح المطلوب هو إرضاء المشاهد بأي طريقة، ومع ازدهار التليفزيون وتطور الإعلانات صار واجباً أن نهتم بذوق المشاهد ولو كان لا يمت للفن بصلة. ففُرض التغيير هذه المرة، وأصبح اعتقاد المطربين أن عليهم مجاراة الدنيا وإرضاء المشاهدين بأي طريقة. فبدأ الفن ينحدر. حتى وصلنا إلى ما وصلنا إليه في السنوات الأخيرة، عندما أدرك المنتجون أن استخدام لغة الجنس تحقق ارباحاً أكثر لأن المشاهد يريد هذا بشدة. فصار في اعتقاد المطربين أنه لا يهم الصوت بقدر ما تهم الصورة، فخرجت علينا أصوات كنعيق الضفادع ولكنها لأجساد عارية تحقق أرباحاً، فانحدرت الموسيقى العربية إلى الحضيض. ولو تحدثت مع أحدهم اليوم عن ضرورة تقديم فن راقي فسيستنكر ما تقول لأن في اعتقاده الراسخ أن ما يطلبه الجمهور هو الفن. ولذلك فنحن لا نكف عن سماع عبارة " أبلغ دليل على نجاح الألبوم هو كثرة مبيعاته".
    هذا ما حدث تقريباً في كل الوطن العربي مع تفاصيل مختلفة.
    ثم جاءت حملة جديدة لإنقاذ الموسيقى العربية مما هي فيه، وباستخدام الفن في تقوية عزيمة الأمة، وربما يكون عمرو خالد هو أبرز من دعا لهذا، وربما يكون سامي يوسف هو أبرز نموذج مجسد لهذه الدعوة. ولكن الدعاة هذه المرة وقعوا في نفس الخطأ. وهو أنهم طلبوا من الناس التغيير. طلبوا التغيير دون أن يكون لديهم حيلة ذكية لفرضه ولإجبار الناس عليه. فما الذي حدث؟
    خضعت هذه الدعوة للوضع الحالي السائد، و بدلاً من أن تكون هي التغيير، أصبحت مثلها مثل الأغاني الهابطة، تتحدث لغة المال. وتعتمد فقط على إرضاء المشاهد دون مراعاة لقواعد الفن. فكما أن هناك مشاهداً يطلب أجساداً عارية، فهتاك من يطلب رؤية أشخاص يسبحون بحمد ربهم، وهناك من يطلب الاثنين.

    في كل القطر العربي ظهرت أصوات رديئة تغني فتجد معجبين لها، وذلك لأنها تغني لله وللدين. وكأن الذوق انعدم .وصار الأمر كله مجرد حرباً بين أفكار متضادة. وطبعاً لا ينسى المتحكمون في الأمر المستخدمون للغة المال أن يخصصوا أرقاماً لتحميل النغمات الإسلامية. ولا يهم إن كان هذا يسيء للاقتصاد الوطنى أم لا. ولا يهم إن كان الهدف الأساسي من الأغنية هو نهضة الأمة أم تضييع مواردها.

    منذ أن وجدت انتشار "الأغاني الدينية" واتخاذها نفس الطريق المادي الذي يسيطر على كل شيء، حتى أدركت أن الأمر برمته سيفشل لا محالة. وضحكت كثيراً يوم وجدت على قناة الناس إعلاناً عن نغمة هي عبارة عن جزء من خطبة لمشاهير المشايخ. وصوت المعلن يقول أنها نغمة تُدخلك الجنة. فصارت سلعة الله الغالية مفتاحها نغمات الهاتف.

    نفس الفكرة تتكرر، فلا فرق على الإطلاق بين أغنية ماجنة، وبين أغنية تقية ورعة. فالاثنين يدمرون الاقتصاد ويعطلون عجلة التنمية. الفارق الوحيد أن الأولى تغرقك في الشهوات، والثانية تُغرقك في الوهم.

    فهاهي المبادرة الأصيلة الداعية إلى نهضة الأمة تسير في ركب سفينة القراصنة فلا ترقى بالفن ولا ترقى بالأمة بل تشكل خطراً عليها. وذلك لأن أصحاب هذه المبادرة طلبوا من الناس التغيير ولم يجبروهم عليه بحيلة ذكية.

    دعوني أطرح عليكم سؤال. لماذا لم تستمر حملة واحدة من حملات مقاطعة البضائع الأجنبية، سواء اختلفنا أو اتفقنا على جدواها؟. الجواب ببساطة أنها حملة تطالب عامة الناس بالتغيير، وهو مالا يمكن أن يستمر. أما لو فُرضت عليهم المقاطعة بمنتجات محلية أرقى وأرخص فثقوا أن المقاطعة ستتم بطريقة تلقائية.

    يختلف الأنبياء في رسالتهم وأدوارهم. ففي بداية الخلق كان المطلوب من النبي فقط الموعظة لا إحداث التغيير بيديه. فكان الهدف هو هداية الناس لعبادة الله والنهي عن الباطل، فإما يدخلون بهذا الجنة وإما النار. ولو التزموا فستتحسن أحوالهم بالطبع. فكان النبي لا حيلة له سوى لسانه. وكان الناس يؤمنون فينجيهم الله أو يكفرون فيحل بهم العذاب. كانت القصة بسيطة وغير معقدة.

    لكن لما تطور الأمر وظهرت الحضارات، صارت رسالة النبي تختلف، فهي إحداث تغيير بالإضافة إلى الهداية إلى الله. نبي الله موسى مثلاً جاء ليغير بني اسرائيل بأكملهم بل ويطلب منهم خوض حرب عظيمة في الأرض المقدسة. ورسول الله صلى الله عليه وسلم لم يأت ليذكر الناس بالله فقط. بل جاء ليغير الناس، ولكي يغير الناس يجب أن يُنشيء نظاماً خاصاً، وهذا يتطلب الاستقلال. ولهذا كانت الهجرة. فلم نكن نسمع منه في مكة سوى الوعظ والدعوة للصبر لأن الأمر وقتها كان لا يحتمل التغيير. أما لما انتقل للمدينة وأنشأ نظامه الخاص صار عليه عندها أن يحمى هذا النظام، فحمل السيف وقاتل حتى يستقر الأمر.

    هذا هو الفارق بين الموعظة وبين التغيير الحقيقي. بين رسول الله محمد وبين نبي الله نوح أو هود أو لوط.
    وخلاصة الأمر أن كل محاولة للتغيير تتخذ شكل الموعظة لن تحدث أثراً ابداً. فالموعظة إنما تخرج فرداً من ضلاله إلى هداه. ولكنها لا تخرج مجتمعاً بأسره فيه القوى والضعيف والسفيه والشجاع والجبان والمغرور والخجول والوقح، لا تخرجه من الظلمات إلى النور. إنما تغيير المجتمع يتطلب إنشاء نظام خاص يدور الناس في فلكه لا يحيدون عنه.

    والمشكله كلها هي في إنشاء هذا النظام.

    فلو ضربنا مثلاً بماليزيا على سبيل المثال لوجدنا أن التغيير إنما حدث لأن رئيسها هو من قرر أن يقوم بعملية التغيير، وهذا يسهل الأمركثيراً. أما في البلاد العربية فإن كل محاولة للتغيير يصاحبها بالضرورة صدام مع الحكومة، وهذا يتطلب حنكة وحكمة وسياسة النفس الطويل، ويتطلب كذلك التغيير الجزئي وليس الشامل. فمثلاً لو استطعت الحصول على فرصة للتحكم بمجال الصحة فقط فاغتنمها ثم انتقل على غيرها وهكذا.

    وللحديث بقية


    http://http://www.aljazeeratalk.net/node/5356
     
  5. Rane

    Rane hamdolilah

    J'aime reçus:
    66
    Points:
    28
    salam merci encore max ^^^^^^^
     
  6. maximo-27

    maximo-27 Ghost

    J'aime reçus:
    224
    Points:
    63
    نظرية الفرسان
    عندما ذهب العالم الجليل أبو الأسود الدؤلى إلى الإمام على بن أبى طالب – كرم الله وجهه – ليخبره بأن اللغة العربية فى خطر، و أنه لا بد من الحفاظ عليها ، قام الإمام على و أمسك بصحيفة و كتب فيها " بسم الله الرحمن الرحيم .. الكلام اسم و فعل و حرف .. الاسم ما دل على المسمى .. و الفعل ما دل على حركة المسمى .. و الحرف ما لم يدل على اسم أو فعل " ، ثم قال لأبي الأسود الدؤلى الكلمة المشهورة و التى بسببها سمى علم النحو بهذا الاسم ( انح هذا النحو ) .
    يعلق الدكتور أحمد خالد توفيق، الكاتب المعروف، على هذا الموقف منبهراً بعبقرية الإمام على و هو يرسم الخطوط الرئيسية للدؤلى .. لقد وضع له الطريق ثم تركه يبحث وينجم ويشق الطريق و اكتفى هو بالمتابعة والمباشرة وتصحيح الخطأ إن وجد .

    في هذه القصة حكمة خارقة وهي أنه لإحداث التغيير لابد من قائد يقود ويتابع ويشاهد ما يحدث. وهذا هو حال الدنيا كما خلقها الله.
    وكان المفكرالعراقي محمد أحمد الراشد قد ضرب في كتابه صناعة الحياة مثلاً بالكون وآخر بالذرة لوصف هذا المعنى العميق.
    فكل نجم تدور حوله مجموعة من الكواكب، وكل كوكب تدور حوله مجموعة أقمار. وكذلك فإن كل نجم ضخم تدور حوله مجموعة نجوم فتتكون المجرة، وكل مجرة تدور حولها مجموعة مجرات وهكذا. وكلما زادت قوة النجم دارت حوله كواكب أكثر، وإذا عظمت قوة النجم دارت حوله نجوم بكواكبها.
    وبالقياس إلى الذرة نجد أن كل نواة تدور حولها مجموعة من الالكترونات، وكلما زادت شحنة النواة كلما زاد عدد الالكترونات الدائرة حولها. فشحنة نواة الهيدروجين تساوي واحد، ولذلك يدور حولها الكترون واحد فقط. بينما شحنة نواة الأكسجين تساوى ست عشرة شحنة، ولذلك يدور حولها ستة عشر الكترون.
    فهكذا الناس في أمور القيادة، ينقسمون إلى قائد تتبعه مجموعة من التابعين. وقد يكون في التابعين قائد أصغر يتبعه عدد أصغر وهكذا. وكلما زادت قوة القائد كلما زاد عدد تابعيه.
    دعونا نسمي هذه النظرية، نظرية الفرسان كما أطلق عليها محمد أحمد الراشد. إذ أنه سماها بهذا الاسم نسبة لفرسان العصور الوسطى الذين كانوا يحمون القرى. فكان عشرة فرسان قادرين على هزيمة جيش.


    هذه النظرية في غاية الأهمية في حديثنا عن التغيير، بل هي لب التغيير وأساسه.
    الناس تبحث عن التغيير الشامل الذي سيحدث بين عشية وضحاها. وهذا التغيير لكي يحدث تلزمه ثورة. لأن الثورة قادرة على تغيير المفاهيم كلها سواء كانت اجتماعية أو أخلاقية أو حتى دينية. كما حدث في ثورة يوليو سنة 1952 في مصر.
    لذلك، إذا كنا نريد تغييراً من هذا النوع لأحوال بلادنا فلابد من خوض معركة ضارية مع الحكومة. وهذا الأمر صعب في الوقت الحالي إن لم يكن مستحيلاً. وذلك لأننا لو قررنا فعله فإن الفوضى هي ما سيحل ببلادنا. فهذا ليس احتلالاً به وإنما هو حكم ظالم. وفي الحالتين تختلف أمور عدة.
    أما إن أردنا التغيير بدون ثورة، وهذا ما ننشده هنا. فعلينا العمل على التغيير الجزئي، وهو أن نتناول مجالاً واحداً فقط ونعمل على تغييره للأفضل مع مراعاة أننا سنقدم بعض التنازلات حتى يمكن للأمر أن يستقيم. على أن يتم هذا التغيير بطريقة هادئة ودون إحداث أي صوت مرتفع. ففي النهاية نحن نريد إحداث تغيير لا التباهي بأننا نحدث التغيير.

    وبالعودة إلى نظرية الفرسان سنجد أن بإمكاننا إحداث فارق ضخم وتغيير عظيم إن التزمنا بها. فكيف هذا؟!

    سنضرب مثلاً بمجال الصحة. نحن لا يخفى علينا أن بلاداً عربية كثيرة تعاني من الفوضى الكبيرة في هذا المجال. المشكلة الرئيسية هي سوء المستوى الطبي لعدد كبير من الأطباء. وهذا يرجع بالتأكيد لسوء حالة التعليم في الجامعة. والمشكلة الثانية هي قلة الإمكانيات الطبية. فالمستشفيات في حالات مزرية فعلا. والمشكلة الثالثة هي ضعف العائد المادي للطبيب مما يجعله لا يهتم بعمله في المستشفي ويهتم بتحويل المرضى إلى عيادته الخاصة. وهناك مشاكل فرعية أخرى.
    المنادون بالتغيير الشامل يصرخون منذ سنين أن أقيلوا وزير الصحة أو غيروا الحكومة كلها أو ابنوا مستشفيات أو أصلحوا نظام التعليم. وكما تلاحظون فإن أصواتهم تذهب سدى لأنها تطلب التغيير ولا ترغم عليه كما قلنا في المقال السابق في تحليل فلسفة التغيير.
    هنا يتطلب الأمر التغيير الجزئي. مما يعني أننا لكي نحدث التغيير الشامل فإن علينا تغيير أجزاء صغيرة متتالية حتى يتم التغيير الكبير. تماماً كما في لعبة البازل. نركب قطعاً صغيرة حتى تخرج لنا الصورة الكبيرة.
    أول مشكلة هي تدنى مستوى الأطباء الناتج عن تدني مستوى التعليم. هنا تبرز نظرية الفرسان. فلنبحث إذن عن قائد وحوله فرسان يقودهم. أما القائد فهو طبيب بارع، وما أكثر أطباء العرب البارعين في الغرب. وأما الفرسان فهم مجموعة من الأطباء الصغار نتوسم فيهم البراعة والمهارة.
    ويتولى هذا الطبيب تدريب الأطباء على أحدث الأساليب العلمية. فيدورون في فلكه كالكواكب حول النجم، وكالالكترونات حول النواة.

    ستبرز مشكلة أخرى، وهي من المسؤول عن دفع تكاليف هذه الرحلة التدريبية. وهنا يأتي دور رجال الأعمال المستعدين للمشاركة في هذه الحملة. هناك رجال أعمال يتبرعون بملايين لصالح أعمال خيرية فلو تم إقناعهم بهذه الفكرة لوافقوا على الفور.

    والآن، اصبح لدينا عدد صغير من الأطباء البارعين. فسنكون هنا أمام طريقين للتغيير.
    الطريق الأول هو أن يعود كل طبيب إلى موقعه ليمارس عمله بمهارة وإخلاص. ويتبنى كذلك مجموعة صغيرة من الأطباء الصغار الذين يتوسم فيهم المهارة. فيدربهم كما تدرب من قبل. مع وضع شرط هو أن كل واحد منهم سيدرب عدداً صغيراً. وهكذا يكتمل شكل المجرة. نجوم تدور حولها نجوم يدور حولها كواكب يدور حولها أقمار. ولكن هذه الطريقة ستصطدم بالمشكلة الثانية في تدنى مستوى الصحة في بلادنا العربية، وهي مشكلة قلة الموارد. فمهما حاول هؤلاء الأطباء البارعين التغيير فإن التغيير لم يكون قد تم على وجهه الأمثل.

    هنا يلزم علينا أن نتخذ الطريق الثاني، وهو أن هؤلاء الأطباء البارعين بعد تدربهم على يد المعلم الأول، سيقومون ببناء مستشفى صغير، ويمدونه بأحدث الأساليب العلمية ليكون صرحاً في زمانه. ومن الممكن الحصول على التمويل من رجال الأعمال على ان يكون لهم قدرٌ من الربح.

    هذا المستشفى الصغير سيتم تدريب طاقم الأطباء فيه بالكامل بنفس الطريقة التي تدرب بها سابقيهم. وسيدار بالطريقة التي نريد، وسيتلقى فيه المريض العلاج بالطريقة السليمة التي تدرب عليها الأطباء. وسيحصل الأطباء بدورهم على أجور عالية حتى يزداد تركيزهم في عملهم. ومادام العلاج يتم بأساليب صحيحة فسينجح هذا المستشفى بالتأكيد. وهذا سيجعل بالإمكان بناء مستشفى آخر، ويتدرب كل أطبائه بطريقة حديثة كما تدرب من سبقهم. وكلما زادت الأرباح أصبح في الإمكان تخفيض أسعار العاج لتناسب المرضى الذين لا يقدرون حتى يشمل الأمر كل طوائف الشعب وبخاصة المعدومين الذي لهم بالأساس قامت هذه المحاولة للتغيير. وهكذا ينسحب البساط من تحت أقدام كل مستشفى سيئ، ولن يسود إلى التغيير الذي ننشده. تماماً كما فعل الشباب عندما بنوا المخبز الخاص بهم وأداروه بطريقتهم الرائعة فذهب كل الناس إليهم تاركين المخبز القديم.
    هنا سنراهن علي شيء، وهو أن النفوس لن تتغير كثيراً فلن ينسى الأطباء أن رسالتهم هي التغيير لا الربح فقط. وهذه ميزة نظرية الفرسان، أن هناك دوائر متصلة ببعضها، فكل قائد له أتباع هم في حد ذاتهم قادة لأتباع غيرهم. فلو نسى أحدهم فغيره سيذكره، ولو انحرف أحدهم فسيعترض طريقه آخر يمنعه. فالنظرية تُجبر على التغيير لأنها تضع الأمر في يد كثيرين. ولا تعتمد على فرد واحد قد تتقلب نفسه وتتباين أهواءه.
    على نفس المثال السابق يمكننا أن نغير كل شيء. فإذا كان التعليم سيئا فيمكن ببساطة أن نأتي بخبير تعليم يضع خطة لتطوير التعليم، ويقوم بتدريب مجموعة من المدرسين، الذين سيدربون مجموعة أخرى مع انتشار المشروع فيما بعد. ثم تُطبق هذه الخطة على ملجأ للايتام. نعم ملجأ للأيتام لا يسمع به أحد. فهدف التعليم في النهاية هو إنشاء جيل متعلم قادر على الإبداع. فلو أخرجنا مائة فرد مبدع خير من لاشيء. وإذا كان تنفيذ هذا الأمر صعبا في المدارس فلم لا ننفذه في ملجأ لم يهتم به أحد. والأولى عندها إنفاق المال على هذا المشروع بدلاً من إنفاق الأموال على حفلات يوم اليتيم وغيرها.
    ولو نجحت التجربة نكررها في ملجأ آخر. ثم يُعرض الامر على مدرسة خاصة. ثم قد نبني مدرسة بأموال رجل أعمال متحمس تقبل الطلاب بأجور رمزية فيلتحق الأطفال الأذكياء البسطاء. وليتم الأمر بهدوء حتى لا نصطدم بالحكومة فتفرض الحواجز ويفشل الأمر. وهكذا يتغير كل شيء بالتدريج.

    الأصلاح لن يأتي مرة واحدة، فما لا يؤخذ كله لا يُترك كله. لن يتغير التعليم كله إلا لو قامت ثورة. فحتى لا ننتظر المجهول لماذا لا نغير جزءاً جزءاً مادام بأيدينا. ولنتوقف عن التحسر ومصمصة الشفاه قليلاً.
    إننى أرى أن اعداد الفرسان اعداداً خاصاً هو الأهم الآن .. يجب أن نبنى جيشاً من الفرسان يقودون هذه الأمة فى السنوات القادمة .. هكذا فعلت مدارس الإمام الغزالى التى انجبت نور الدين محمود ومن بعده صلاح الدين .

    بهذه الطريقة يمكن تطبيق الامر في كل المجالات، السياسة والفن والصناعة والإصلاح الاجتماعي وحتى المجال الرياضي.
    ففي السياسة يمكن خوض معارك جزئية، كالحصول على مقاعد أكثر في البرلمان أو الحصول على رئاسة النقابات أو الحصول على رئاسة محافظة وغير هذا، بدلاً من المناداة بالإضراب الشامل والثورة وغيرها. مع أني أرى أنه في السياسة بالذات يجب ألا يتم التوقف عن هذه الأمور لأنها تثير نبضاً مهماً في الشارع وتجعل الناس منتبهه لما يحدث حولها. ولكني اعود فأقول أنها وحدها لا تكفي بل يجب معها التغيير الجزئي.
    وفي الجانب الأخلاقي بدلاُ من الوعظ على عشرات القنوات التليفزيونية في مئات البرامج، فمن الممكن أن ينزل الدعاة إلى التغيير من خلال الأسرة نفسها. فيتولى كل داعية عدداً من الأسر يدربهم على كيفية تربية الأبناء وكيفية التعامل معهم ظروف المجتمع المختلفة. فهذا يحمي الابناء مبكراً وهو لهم أفضل ألف مرة من الخطب والمواعظ. وليتحرك الدعاة وليروا الواقع على هيئته وحقيقته بدلاً من الجلوس أمام الكاميرا بالساعات متحسرين على أخلاق الرجال أيام زمان، منذ أكثر من ألف سنة.

    وتدريب الأسر يجب أن يكون عن طريق تكوين صداقات حقيقية بها. لأن هذا أوقع وأنفع. أما أن تجلس في برنامج تليفزيوني تتلقى الاتصالات وتجيب عن الاستفسارات فإن الناس لا تقول كل شيء، وبعدك عنهم وانعزالك لا يجعلك قادراً على حل شيء. كالفارق بين دروس التجويد في المسجد أو في التلفاز. في المسجد تقرأ ويصحح لك، وتقرأ ويعدل عليك. بينما في التلفاز تسمع فقط فلا يُصحح الخطأ ولا تهتدي الحيرة.

    حتى لو جئنا على ذكر الجانب الرياضي، فبدلا من صرف ملايين الجنيهات على المدربين الأجانب والمعسكرات والبرامج الرياضية، يمكن أن نعتبر أن القائد هو الأندية الأوروبية الكبرى، ويتولى بعض رجال الأعمال المهتمين نقل بعض مواهبنا الصغيرة جداً في السن إلى أندية أوربا فتتعلم الكرة عن حق. فما هي إلا عشر سنوات حتى يعودوا فيرفعوا راية منتخباتهم عالياً في المحافل الدولية. كذلك فعلت بعض الدول الأفريقية كالكاميرون ونيجيريا والكوت ديفوار فصارت لديها منتخبات عملاقة. ولو تعللتم بارتباطات الأطفال الأسرية فلديكم الأيتام، لن تجدوا من يعترض.

    في كل الأمثلة التي ضربناها يُجبر عامة الناس على التغيير. ففي مجال الصحة مثلاً فإن الأطباء سيقاتلون من أجل العمل في المستشفى التي تُعطى أجوراً عالية وتطبق أحدث الأساليب العلمية. مما يعني أن عليهم الالتزام بشروطها. فتتغير نظرتهم للامورمن أن العمل الجاد هو طريق النجاح. وفي التعليم فبعد وضع نظام جديد فإن الطلاب سيجتهدون لينجحوا لأن النظام ينص أن الاجتهاد والإبداع شرط النجاح.

    أما من يحدث التغيير فهم الصفوة الذين طلب الله منهم تغيير الناس، وهم المقصودون بإحداث التغيير في نفوس الناس. فالله لا يغير ما بقوم حتى يُغيروا ما بأنفسهم. فهؤلاء غيروا أولا ما بأنفسهم فسعوا لإحداث التغيير. ثم غيروا ما بنفوس الناس بالحيل الذكية فغير الله ما حل بالأمة كلها، وانتقلت من حال إلى حال.

    يجب أن نتحرر من الصوت المرتفع وننتقل إلى خانة الفعل، يجب أن نتوقف على البكاء على اللبن المسكوب، ونتوقف عن الشكوى وعن الموعظة، إن كنا نبحث عن تغيير المجتمع بحق. كل منابر الصراخ لا فائدة منها ولا معنى لوجودها. ولأننا لن نستطيع تغيير مجتمع بأسره في غمضة عين، فلنلتزم التغيير الجزئي بطريقة هادئة وسرية. ثم لما ننتهي منه سيكبر هو وحده وينتشر وينجح في تحقيق أهدافه. حتى يصبح لدينا في كل مجال مجموعة من الفرسان، ويتضافر الفرسان عندها لإحداث التغيير الشامل الذي ننشده
    نظرية، أرى أنها تستحق التفكير.
    عماد الدين السيد

     
    1 personne aime cela.

Partager cette page