محامي الشيطان

Discussion dans 'Nouvelles (9issass 9assira) & Chroniques' créé par mellaite, 26 Juin 2007.

  1. mellaite

    mellaite Visiteur

    J'aime reçus:
    86
    Points:
    0
    هذه الأيام لثاني مرة أسمع مسؤولا اتحاديا يهدد بإمكانية العودة إلى المعارضة من جديد. وكأن المعارضة في المغرب أصبحت شغل من لا شغل له. يعني أن الاتحاد الاشتراكي إذا خرج من الحكومة بخفي حنين في هذه الانتخابات فإن الحزب العتيد سيعود إلى خبيط الطبالي والتكشكيش في البرلمان كما كان يصنع والعلو سنوات الثمانينات. وسيعود الأشعري إلى كتابة عموده اليومي «عين العقل» في الصفحة الأولى من جريدة الاتحاد الاشتراكي التي ستركب ماكنة الزمن وستعود بدورها إلى أيام «المحرر»، عندما كانوا يقطرون فيها الشمع على الحسن الثاني ويكتبون «الخطوط الجوية»، عوض «الخطوط الجوية الملكية»، و«الجيش» عوض «الجيش الملكي».
    وتكرار التهديد بإمكانية العودة إلى المعارضة، على مبعدة شهرين من الانتخابات، ليس بريئا بالمرة. بل إنه يخفي رسالة مشفرة، من التشفير وليس الشفرة، موجهة إلى من يهمهم الأمر. وكأن الاتحاد الاشتراكي يريد أن يقول لمهندسي خارطة الحكومة المقبلة «لاعبين ولا محرمين» التي كان يقولها أولاد الدرب الحاسين بضلوعهم عندما يريدون اللعب صحة حتى ولو كانوا غير مرغوب فيهم.
    والسر وراء كل هذه العجرفة التي أبتلي بها الاتحاد الاشتراكي هو أنه لا زال يعتقد أنه لازال في المعارضة حتى ولو ظل وزراؤه في الحكومة لعشر سنوات أخرى. وشخصيا عندما أتأمل جيدا هذه الشخصية المصابة بالانفصام، أتذكر فيلم «وداعا لينين» لمخرجه وولف غانغ بيشر. فالفيلم يحكي قصة شاب اسمه أليكس يتوصل بخبر سقوط جدار برلين بينما والدته توجد في غيبوبة بسبب سكتة قلبية مباغتة. امتدت الغيبوبة بالأم لأشهر تغيرت خلالها ملامح برلين الشرقية، وتبدلت العادات الشيوعية القديمة للمواطنين وغزت لوحات إشهار الشركات الرأسمالية الشوارع. وبعد ثمانية أشهر فتحت الأم عينيها، وحتى يجنبها أليكس صدمة رؤية التغييرات التي أحدثها في برلين الشرقية سقوط الجدار وهبوب رياح اللبرالية على طبائع وعادات ناسها، قرر أن يجعل أمه تعيش في الماضي داخل 79 مترا مربعا التي تتكون منها شقتها، خوفا على قلبها المريض.
    هكذا استعان أليكس بمعارفه وأصدقائه لكي يعيدوا إنتاج ديكور الاشتراكية المنقرضة داخل الشقة. فأحضروا قنينات وألصقوا مكان الماركات الرأسمالية الجديدة التي دخلت المعسكر الشرقي المنهار، ماركات بائدة تنتمي إلى النظام الشيوعي السابق. وأنتج برامج في التلفزيون خاصة بوالدته تتحدث عن فترة الازدهار الشيوعي الذي عاشه المعسكر السوفييتي، مستعينا برائد فضاء حوله سقوط الجدار من بطل قومي إلى سائق سيارة أجرة في شوارع برلين.
    هكذا عاشت الأم داخل كذبة كبيرة تسمى الاشتراكية، في شقة متواضعة معزولة عن العالم الخارجي. وذات يوم احتاجت أن تخرج إلى الشارع، فإذا بها تكتشف أن العالم من حولها تغير كثيرا، رأت إعلانات الكوكاكولا والمواد الاستهلاكية القادمة من الولايات المتحدة الأمريكية. لكن مفاجأتها الكبيرة كانت عندما رأت تمثال لينين يمر فوق رأسها محمولا بالحبال عبر طائرة مروحية إلى مكان مجهول، فيبدو أن الحاجة إليه لم تعد ضرورية. ففهمت الأم أن أشياء كثيرة تغيرت عندما كانت في الغيبوبة.
    الإخوان في الاتحاد الاشتراكي لم يستوعبوا بعد أنه خلال غيبوبتهم الطويلة في الحكومة، والتي امتدت لعشر سنوات، تغيرت أشياء كثيرة في المغرب. وقد وقع لهم ما وقع لعامل السكك الحديدية البولوني الذي دخل في غيبوبة طويلة منذ ست عشرة سنة ولم يستيقظ منها سوى هذا الشهر، ليكتشف عالما جديدا بدون حائط برلين وبدون صفوف طويلة أمام المحلات التجارية، وبمواطنين يضعون هواتف صغيرة على آذانهم ويتحدثون فيها وهم يسيرون في الشوارع مسرعين.
    إن العجرفة والغرور هما السبب الذي حول الاتحاد الاشتراكي من حزب معارض إلى حزب يسير «الحيط الحيط ويقول يا ربي توصلني البيت»، والبيت هنا هو بيت الطاعة الذي بناه له المخزن طبعا. وبسبب هذه العجرفة يتصور الحزب أنه لازال يخيف النظام. الغرور يؤدي بصاحبه إلى التهلكة، وهذا ما وقع لبطل فيلم «محامي الشيطان» الذي أخرجه ببراعة المخرج سيدني ليمي. يتحدث الفيلم عن محام شاب ولامع أغواه نجاحه وطلاقة لسانه وقدرته العالية على التأثير على هيئة المحكمة تماما مثلما كان يصنع والعلو في البرلمان سنوات الثمانينات. ووصل به الغرور درجة أعماه بالكامل وقبل بالترافع لصالح متهمين يعرف مسبقا أنهم مجرمون.
    الفيلم يعطي درسا عميقا لكل المغرورين بأنفسهم ويشرح سينمائيا فصلا من أهم الفصول الواردة في كتاب ابن تيمية «قوت القلوب»، والذي يعدد فيه مداخل الشيطان إلى قلب بني آدم، والتي يوجد الغرور على رأسها. ومن باب الغرور نفذ الشيطان إلى قلب المحامي الشاب والناجح ودمر حياته عن آخرها، بدءا بتحطيم نفسية زوجته وإغراقه في حب المال ومجالسة علية القوم، والسهر مع الماجنين والدفاع عن أزلام الشيطان ومعاونيه.
    في نهاية الفيلم سيطرح المحامي سؤالا مهما على الشيطان، سيقول له من أنت. فيجيبه الشيطان أنهم يطلقون عليه أسماء كثيرة. وأنه لقرون طويلة وهو ينتظر هذا القرن الذي نعيش فيه، لأنه قرن ستسود فيه الأنا والنرجسية والغرور الآدمي أكثر من أي وقت آخر.
    لقد كان الحل الأخير أمام المحامي الشاب والناجح وهو يكتشف مصدوما أن مشغله لم يكن سوى الشيطان شخصيا، وأكثر من ذلك اكتشف أنه والده الحقيقي أيضا، هو أن يطلق رصاصة نحو رأسه عوض أن يخضع لرغبة الشيطان ويضاجع أخته أمامه مقابل أن يفتح له خزائن العالم أمامه. إن إطلاق محامي الشيطان لتلك الرصاصة نحو صدغه يعني رمزيا أن المحامي فضل قتل الغرور الذي بداخله على اقتراف المزيد من الأخطاء في سبيل تحقيق المزيد من النجاح والنجومية التي وعده بها الشيطان، وما يعدهم الشيطان إلا غرورا.
    وبمجرد إطلاق الرصاصة وسقوط المحامي مضرجا في دمائه سترجع عجلة الزمن إلى الخلف لكي تبدأ حياة المحامي انطلاقا من أول جلسة كانت امتحانا لنزاهته ونظافة ذمته. تلك المحاكمة التي كان يرافع فيها لصالح معلم منحرف جنسي اعتدى على فتيات قاصرات في المدرسة. وبما أنه كان مقتنعا بأن موكله مجرم حقيقي، فقد وقف وأعلن انسحابه من الدفاع عنه، معرضا مستقبله المهني اللامع لاحتمال التوقيف النهائي عن مزاولة المحاماة. هكذا انتصر التواضع والنزاهة على الغرور وتضخم الأنا والرغبة في النجاح بأي ثمن، حتى ولو كان بالدفاع عن الشيطان وأعوانه.
    لكن ما علاقة «محامي الشيطان» بالاتحاد الاشتراكي يا ترى. بنظري هناك أكثر من علاقة، فالحزب العتيد الذي كان يريد الوصول إلى السلطة بأي ثمن، تم وضعه أمام امتحان لاختبار مصداقيته ونزاهته. لقد نال ما كان يتمناه ووصل إلى حدود مبتغاه. وفي أوج انتشائه بقوته وتباهيه بأتباعه ووزرائه ومسؤولياته الرسمية، نسي الحزب نفسه ولبسه الغرور. وهكذا قبل أن يدافع عن أناس يعرف مسبقا أنهم يخالفون القانون. ولعل آخر مثال على هذا الدفاع هو سحب نواب الاتحاد الاشتراكي لسؤالهم لوزير الأوقاف في البرلمان حول تفويته لأراضي المسلمين بتارودانت لمدير الكتابة الخاصة للملك. لقد فضلوا السكوت عن الحق. وهذا طبيعي، فمن في فمه ماء لا يفتحه بالكلام.
    لكن الفرق الوحيد بين محامي الشيطان وبين الاتحاد الاشتراكي هو أن المحامي قرر أن يضع حدا لغروره في وقت كان باستطاعته أن يساير نزوات الشيطان الذي صنعه ويحصل منه على المزيد من الامتيازات والشهرة واللمعان. أما الاتحاد الاشتراكي فليست لديه هذه الإمكانية، لأنه ببساطة عرضت عليه وضيعها. فقد اختار الاستمرار في تغذية غروره وعجرفته. وهذا ما يفسر كل هذه التهديدات التي يطلقها بين فينة وأخرى حول إمكانية عودته إلى المعارضة من جديد.
    المعارضة ليست معطفا نخلعه عندما نشعر بضرورة التخفف من أثقال الماضي، ونلبسه عندما تواجهنا رياح التغيير الباردة. المعارضة ليست شعارا نرفعه كلما أصيب رصيدنا السياسي بالإفلاس وأرسل إلينا مدير البنك إشعارا بدخول حسابنا إلى المنطقة الحمراء.
    من يقبل أن يبيع روحه للشيطان، يجب أن يقبل بالعيش طيلة حياته الباقية جسداً بلا روح.
    وكم عندنا من حزب باع روحه بثمن بخس ويعيش اليوم بدونها، شبحا سياسيا وسط أشباح سياسية كثيرة تتصارع في دهاليز السياسة المظلمة.



    source :http://www.almasae.info/?issue=238&RefID=Content&Section=12&Article=2043
     

Partager cette page