محمد عابد الجابري: أي وداع يليق بك

Discussion dans 'Nouvelles (9issass 9assira) & Chroniques' créé par nournat, 8 Mai 2010.

  1. nournat

    nournat Wld l3iyachiya

    J'aime reçus:
    344
    Points:
    83
    ربما لم ينل مفكر عربي معاصر من الاهتمام مثلما ناله مفكرنا الكبير محمد عابد الجابري، الذي رحل عن دنيانا الليلة قبل الماضية، فقد كان منذ ثمانينيات القرن الماضي محور اهتمام مدو، جدلا حول أفكاره ورؤاه، معه وضده!


    فتح الجابري، ابن مدينة وجدة الحدودية المغربية، المولود في 27 ديسمبر سنة 1935، بلقطاته ومقولاته آفاقا في المجال الفلسفي العربي المعاصر، أضاءت مناطق مظلمة من تراثنا ووعينا، منها أطروحته عن " العصبية والدولة: معالم نظرية خلدونية في التاريخ الإسلامي" سنة 1971 ومشروعه" في نقد العقل العربي" الذي بدأه بتكوين العقل العربي سنة 1984 ثم " بنية العقل العربي" سنة 1986 حتى ختمها ب" العقل الأخلاقي العربي" سنة 2003، أو الجدل المتأخر الذي ثار حول كتابه" مدخل إلى القرآن الكريم" الذي نشر منجما في ملحق وجهات نظر بجريدة الاتحاد الإماراتية سنة 2008.


    الجابري جيل وأجيال

    كان الجابري أحد خريجي الدفعة الأولى لشعبة الفلسفة في جامعة محمد الخامس سنة 1967،وقد أسسها المفكر المغربي محمد عزيز لحبابي( توفي سنة 1993)، وكان معه في دفعته الدكتور على أومليل، الذي سبقه في مناقشة رسالته حول" ابن خلدون" أيضا، كما تعاقبت منها أجيال أعطت للبحث الفلسفي والفكري العربي آفاقا زاهرة لم تكن مسبوقة في العالم العربي في بعض جوانبها.

    يمثل جيل الجابري علامة مركزية في الجيل الثالث من أجيال الفكر النهضوي العربي الحديث بعد جيل الإصلاحية الإسلامية، فالجيل الأول هو جيل طه حسين، وكانت مركزيته مصرية واضحة، ثم أتى الجيل الثاني متنوعا وثرا كعبد الرحمن بدوي وزكي نجيب محمود وأنطوان سعاده ورفيق خوري وفؤاد زكريا ومحمود العالم، ثم أتي الجيل الثالث الذي كان الجابري علامة كبيرة عليه.. بعد صدور مشروعه الفكري الكبير وصار الحديث عن مركزية مغربية فكرية تسحب البساط، ليس من مصر وحدها بل من كل المشرق لصالح فضاء يكون فيه ابن وجده.

    ربما يكون مفكرنا الكبير عبد الله العروي، بكتابه" الأيديولوجية العربية المعاصرة" الأسبق في إثارتنا نحن المشرقيين، بعد أن كتبه بالفرنسية سنة 1967 وهو ابن 29 سنة، وترجمة المرحوم محمد عيتاني سنة 1969 ليثير العالم العربي كله بأطروحته، التي ترجمها ونشرها بنفسه سنة1995 فيما بعد! ولكن كان الجابري هو الأكثر رسوخا في دوائر جدلنا واهتمامنا، فقد ربما لوضوح لغته ومحايثة قضاياه ونشاطيته الذهنية والعملية على السواء، ورغم خلفيته الأيديولوجية خاصة على مستوى السياسي والهوية، إلا أنه بدا متحررا منها على المستويين النظري والتأسيسي.

    وكان من أوائل من ألحوا على المنهج الإبيستمولوجي في دراساتنا بل صارت الإبيستمية علامة عليه،بينما ظل كثير من مجايليه يتحدثون عن مفهوم الالتزام الماركسي السارتري بلا تردد!

    وكان أهم ما يميز الجابري- برأينا- قدرته على التصنيف المنهجي والبنية المنطقية الحاكمة لخطابه، ربما لعشقه الباكر للرياضيات، التي أراد أن يدرسها ولكن شاءت الظروف له التفلسف، كما ذكر في سيرته" حفريات الذاكرة"! كما تميز الجابري بجسارة فرضياته، كتقسيمه الشهير الفكر العربي، إلى مغاربي برهاني ومشرقي بياني أو عرفاني، وهو ما آثار الكثيرين ولا يزال.



    بداية ورفاق

    بدأت شهرة الجابري المشرقية مع كتابه " نحن والتراث" آواخر السبعينيات، ولكن من يرجع لأعمال ندوة مجلة العربي في أوائلها، والتي نشرت في كتاب حول" المجلات الثقافية في العالم العربي" قدم له فؤاد زكريا رحمه الله، ويرى مداخلات الجابري الشاب حينئذ، يعلم أنه أمام مفكر منتظر ومشرق منذ البداية اسمه محمد عابد الجابري، رغم أن كتبه قبل هذا التاريخ كانت تقارير عن التعليم وبعض المسائل المغاربية.

    سبقت مشروعه وتزامنت معه مشاريع عدة، مثل مشروع السوري الطيب تيزيني سنة 1973 عن التراث والثورة، ومشروع المفكر المصري حسن حنفي عن" التراث والتجديد" سنة 1981، ومشروع محمد أركون حول" نقد العقل الإسلامي" ومشروع مطاع صفدي على" نقد العقل الغربي"، وناصيف نصار حول" طريق الاستقلال الفلسفي" ربما كان الجابري من أكثر المفكرين العرب المعاصرين شهرة حضورا، إن لم يكن أكثرهم ولكن هذا لا يقلل مطلقا من جهود كثير من مجايليه ومنتقديه، على السواء وجوهريتها، وإن ظل مختلفا معها، فكل هذه المشاريع تمثل بتنوعاتها المختلفة معالم مشروع النهضة العربية الثانية وتنوعاته المختلفة.



    مفكر مؤسسة

    فضلا عن مشروعه الفكري الكبير، الذي ناقشته مائة أطروحة جامعية في مختلف جامعات العالم، كان كذلك مشروعا متحركا فقد أشرف على مشروع إعادة نشر مؤلفات ابن رشد الذي صدر عن مركز دراسات الوحدة العربية، هذا المركز الذي كان له فضل كبير في معرفة العالم العربي بالجابري بالتأكيد، كما أشرف على موسوعة مجلة فكر ونقد، التي تعتبر منبرا فلسفيا مهما وسط منابر فكرية معدودة جدا في عالمنا العربي، الذي أصابته مرض كراهة التفلسف وعشق الهشاشة والسطحية منذ بدء العهد الثوري( في مصر مثلا كانت توجد قبل الثورة عشرون مجلة ثقافية وفكرية، وبعدها لم تستمر مجلة واحدة أكثر من سنتين).

    كما اتسع الأستاذ الجابري رحمه الله لقضايا كثيرة لم يتسع لها كثير من مرافقيه، فكتب في المعاصرة والحداثة وما بعد الحداثة، فنجد بحوثا له حول الليبرالية الجديدة والعولمة مثلا، وآخر حول التنمية البشرية، ومن أوائل كتبه كتب حول التعليم في المغرب، ومشاكلنا التربوية والتعليمية والسياسات الثقافية والتعليمية وغيرها.. كان معاصرا بقدر عمقه في التراث، كما كان عميقا بقدر التراث نفسه..

    كان ذا ذاكرة حادة، يتذكر الأشياء كما نتذكر الأرقام الصغيرة، كما كان متواضعا هادئا ولكن كان معتدا بذاته، فهو لا يرى حقا ل جورج طرابيشي في نقده نقده للعقل العربي، كما ظل يقول أنه لا يفهم طه عبد الرحمن حتى ينظر نقده، وظل يقول في منتقد آخر هلا انشغل بكتابة متنه بدلا من انشغاله بنقد متوننا! ، بل لم يهتم باتهامات كبيرة وجهت له، فكان كأن لم يسمعها رغم أنا قرأناها، شأنه شأن كالمتنبي حين قال:
    أنام ملء العين عن شواردها.. ويسهر الخلق جراها ويختصم
    قيمة الجابري ورسالته، التي علمت أجيالا بطول المشرق والمغرب، ولا زالت تعلم، قيمة أستاذ لم تحبسه اسوار الجامعة والوظيفة، فيجد قناعاته فيما يحصد، ولكن وجد قناعاته في دأب فكري وذهني وبناءات منطقية ومعرفية ملأت الدنيا وشغلت الناس...
    فنسأل الله الرحمة للأستاذ الجابري، وعزاؤنا لكل الذين يفكرون في عالمنا العربي، وإلى كل الذين يرحبون بالنقد ويسعون للبناء دون كذب أو ادعاء!



    source: alarabiya.net
     

Partager cette page