محمد عابد الجابري : 'مدخل إلى القرآن الكريم

Discussion dans 'Nouvelles (9issass 9assira) & Chroniques' créé par @@@, 21 Juillet 2009.

  1. @@@

    @@@ Accro

    J'aime reçus:
    252
    Points:
    83
    [​IMG]


    صدر للدكتور محمد عابد الجابري كتاب تحت عنوان (مدخل إلى القرآن الكريم)، وقد حظي الكتاب بمتابعات ودراسات متتالية، وفي ما يلي قراءة في جانب مهم من الكتاب، ويتعلق الأمر بالجانب المنهجي في دراسة القرآن الكريم، فدارس الكتاب يجده زاخرا بمسائل منهجية تفرض على الباحث مراعاتها عند إقدامه على النظر في كتاب الله المقروء، ومن هذه المسائل:

    أولا- فهم القرآن بناء على ترتيب النزول لا على ترتيب المصحف:
    قد يستغني المرء عن معرفة سبب نزول القرآن الكريم في مسائل العقيدة، لكن لا يمكنه الاستغناء عنه فيما عدا ذلك، لأن العلم بترتيب النزول يسعف في:
    - بناء تصور منطقي معقول للمسار التكويني للنص القرآني.
    - بناء تصور موضوعي لتطور الوحي المحمدي.
    - معرفة الناسخ والمنسوخ من آي القرآن الكريم، وهو أمر مهم بالنسبة للفقهاء الذين يشتغلون باستخلاص الأحكام من تلك الآيات.
    ولأهمية ترتيب النزول وخطورته، وعلاقته المباشرة برصد وفهم المسار التكويني للقرآن الكريم، أفرد الدكتور محمد عابد الجابري فصلا كاملا من كتابه لهذه المسألة، أورد فيه اللوائح التي أقرت ـ منذ القدم ـ لترتيب القرآن الكريم، ومنها:'لائحة جابر بن زيد، وأخرى للبيهقي عن عكرمة والحسين بن أبي الحسن، وثالثة منسوبة إلى ابن عباس، ورابعة من اختيار السيوطي مما عرضه من لوائح وروايات، (ثم) لائحة الأزهر، ولائحة المستشرق نولـدكه' (مدخل إلى القرآن الكريم:219).
    وبعد مناقشة ـ الجابري ـ لهذه اللوائح تبين له أن'الترتيب المعتمد بناء على رواية ابن عباس وغيره أقرب إلى منطق مسار السيرة النبوية من ذلك الذي وصفه فولدكه وسار عليه بلاشير' (مدخل إلى القرآن الكريم:221)
    ومع كل ذلك، فإن لائحة ابن عباس وما تقدمه المرويات لا تكفي ـ في نظره ـ، لكنه يعترف أنه ليس بالإمكان إبداع أحسن مما كان،'لأن بناء لائحة جديدة لترتيب القرآن أمر صعب للغاية، ولذلك فلا مناص من التعامل مع ترتيب ابن عباس، لكن بكثير من الوعي والتبصر'(مدخل إلى القرآن الكريم:220 )
    لأجل ذلك يقدم الجابري، جملة من المعايير المنهجية التي لا بد من اعتبارها في أي ترتيب للنزول يريد أن يكون متساوقا مع السيرة النبوية، وهذه المعايير هي:
    1 ـ معيار التمييز بين المكي والمدني، فهناك سور صنفت على أنها من القرآن المدني، مع أن أسلوبها ومضامينها يشير إلى انتمائها للقرآن المكي، فهذا الصنف حسب الجابري يجب ضمه إلى السور المكية شريطة ألا تكون من آيات أو إشارات تحتم انتماؤها إلى المرحلة المدنية من السيرة النبوية.(مدخل إلى القرآن الكريم:223).
    2 ـ ربط القرآن الكريم بوقائع السيرة النبوية:لأن لا يمكن وضع تصنيف لسور القرآن الكريم دون معرفة المراحل التاريخية التي مرت منها السيرة النبوية.(مدخل إلى القرآن الكريم:230).

    ثانيا- النظر إلى الروايات داخل سياقها القرآني:
    في معرض استدلاله على أن رسول الله صلى الله عليه وسلم (يقرأ ويكتب)! عكس ما كان يروج ويقال!، عزا الدكتور الجابري اضطرابات البعض و تخبطاتهم في تفسير كثير من الآيات القرآنية الكريمة 'إلى عدم اعتبار مسألة منهجية أساسية، وهي النظر إلى كل آية داخل السياق الذي وردت فيه، وتجنب اقتطاعها منه، والتعامل معها كنص مستقل بذاته' (مدخل إلى القرآن الكريم:80).
    لقد وعى الأصوليون منذ القدم ، بأهمية مراعاة السياق في فهم القرآن والسنة، فأطالوا الكلام عن سياق الخطاب، وعن القرائن الحالية المقترنة بالخطاب، والقرآن الحالية المنفصلة عنه ، كما أسهبوا القول في أسباب النزول، إلى غير ذلك من المباحث الطويلة العريضة التي تدل على وعيهم بخطورة السياق في فهم النصوص الشرعية.
    وبالتأمل في ما كتبه الجابري، مقرونا بما جاء به أهل الأصول، أمكننا التمييز في سياق الخطاب بين نوعين:
    1- السياق اللغوي، أي الجمل المكونة والسابقة واللاحقة لنص الخطاب المراد تفسيره واستخلاص المقصود منه. فالنص القرآني أو الحديث النبوي لا يمكن عادة أخذه مبتورا عن النصوص الأخرى سواء النصوص الواردة في السياق اللغوي بمعناه الخاص، أي الجمل السابقة واللاحقة عنه، أو بمعناه العام، أي النصوص الأخرى التي لها علاقة ما بهذا النص، حيث يكون استحضار تلك النصوص معينا على فهم هذا النص، إما لكونها مبينة له، أو مكملة لمعناه، أو مخصصة لعمومه، أو مقيدة لإطلاقه.
    2 ـ السياق الاجتماعي، وهو الذي يسمى بالمقام، وتدخل فيه أسباب النزول، أو أسباب ورود الحديث، والظروف النفسية والاجتماعية السائدة وقت ورود النص الشرعي). انظر طرق الكشف عن مقاصد الشريعة للدكتور نعمان جغيم:97).

    ثالثا- التعامل النقدي والموضوعي مع الروايات:
    عمدة الجابري في هذه الدراسة كما يصرح هو نفسه هي المصادر الإسلامية، وخاصة القديمة منها، ومعلوم أن المادة الأساسية لهذه المصادر هي الروايات، ولذلك حرص الجابري على وضع قواعد للتعامل معها، تكون بمثابة سلاح ضد الإسرائيليات، سواء كان بدافع (الترغيب والترهيب أو بدوافع مذهبية أو سياسية).
    وهذه القواعد هي:
    - عدم التشكيك في المضامين العامة للروايات التي تتحدث عن 'الظاهرة القرآنية'، خصوصا عندما يكون الراوي ممن حضروا الواقعة، أو سمعها من شهود حضروها.
    - تعدد الروايات واختلافها، لا يطعن في وجودها، بل يدل على صدق ما ترويه، لا كأجزاء وتفاصيل، بل كحدث وحادثة.
    - استبعاد كل العبارات التي تعبر عن الموقف الذاتي الخاص براويها كعبارات التعظيم والمبالغة وما أشبه، لأن ما يهم هو عناصر الواقعة ومضمونها بعيدا عن كل تدخل خارجي.
    - تحكيم القرآن الكريم في الفصل في صحة الروايات من غلطها.

    رابعا- القرآن يفسر بعضه بعضا:
    يعزو الجابري اضطرابات المفسرين لبعض آيات القرآن الكريم، إلى عدم تقيدهم بمبدأ 'القرآن الكريم يفسر بعضه بعضا'، وقد حاول الدكتور الجابري أن يطبق هذا المنهج في مقاربته لكثير من قضايا القرآن، وفي تصحيحه لبعض الأخطاء المعرفية المرتبطة بهذا الكتاب الرباني، كما هو الشأن في حجاجه الطويل لإثبات 'لا أمية النبي صلى الله عليه وسلم!'، وفي دراسته لبعض قصص القرآن الكريم، كما حاول تطبيق هذا المبدأ أي أن القرآن يفسر بعضه بعضا، في تعريفه للقرآن، فبعد أن ساق طائفة من تعريفات العلماء له وأبدى ملاحظاته وتحفظاته عليها، عمد إلى وضع تعريف للقرآن مستعينا بآيته نفسها، وذلك من خلال قوله تعالى: 'وإنه لتنزيل رب العالمين، نزل به الروح الأمين، على قلبك لتكون من المنذرين، بلسان عربي مبين، وإنه لفي زبر الأولين' (سورة الشعراء:192/193)، وقوله تعالى:'نزل عليك الكتاب بالحق مصدقا لما بين يديه وأنزل التوراة والإنجيل، من قبل هدى للناس وأنزل الفرقان' (آل عمران:3/4).
    من خلال هذه الآيات قدم الجابري تعريفا للقرآن الكريم، فالقرآن ـ في نظره -:'وحي من الله، حمله جبريل، إلى محمد، بلغة العرب، وهو من جنس الوحي الذي في كتب الرسل الأولين' (مدخل إلى القرآن الكريم:17).
    ويشرح الجابري مقتضيات هذا التعريف قائلا:'إن هذا يعني أنه، من جهة، ليس جديدا كل الجدة، بل هو استمرار للخطاب الإلهي إلى البشر، يقول تعالى:'والذي أوحينا إليك من الكتاب هو الحق مصدقا لما بين يديه' (فاطر31)، أي التوراة والإنجيل، كما يعني من جهة أخرى أنه تجربة روحية تتلخص في تلقي الوحي 'نزل به الروح الأمين على قلبك'، وأنه من جهة ثالثة رسالة تجعل حاملها 'المنذرين'، المبينين للناس ما هو حق وما هو باطل، وتجعله بالتالي في مواجهة معهم. وهكذا تنضاف إلى التجربة الروحية 'تجربة تلقي الوحي' تجربة أخرى اجتماعية إرشادية دعوية'(مدخل إلى القرآن الكريم:17).
    ولا بد من التنويه هنا، بأن منهج 'تفسير القرآن بالقرآن' ليس منهجا جديدا أبدعه الدكتور الجابري، بل هو منهج معروف مارسه المفسرون منذ القدم.

    خامسا-استحضار المحيط الذي نزل فيه القرآن أثناء دراسة آيه وسوره:
    إن القول بأن القرآن يفسر بعضه بعضا لا يعني عدم استحضار المحيط الذي نزل فيه القرآن الكريم أثناء تفسير النص الرباني ودراسته، فهذا الاستحضار مهم، بل واجب، لكونه جزءا من مراعاة السياق الاجتماعي والتاريخي الذي بسطنا الحديث فيه في النقطة المنهجية الثانية.
    ولذلك نجد الجابري قد أفرد فصولا طويلة من هذه الدراسة للتعريف بالسياق الاجتماعي والسياسي والفكري الذي نزل فيه القرآن الكريم.

    سادسا- فهم القرآن وفقا للسان العرب:
    نزل القرآن الكريم على محمد صلى الله عليه وسلم بلسان عربي مبين.قال تعالى: 'وكذلك أنزلناه قرآنا عربيا وصرفنا فيه من الوعيد لعلهم يتقون أو يحدث لهم ذكرا' (طه:113) وقال أيضا:'إنا أنزلناه قرآنا عربيا لعلكم تعقلون'(يوسف:2) وقد أرسل الله تعالى القرآن بالعربية لأنها اللسان الذي يفهمه العرب.قال تعالى:'ولو جعلناه قرآنا أعجميا لقالوا لولا فصلت آياته'(فصلت:44).
    من هنا، فلا يمكن فهم النصوص الشرعية إلا بمعرفة اللغة العربية، واتباع معهود العرب الذي نزل القرآن بلسانهم، ومراعاة عوائدهم وطرقهم في صياغة الكلام.
    والقول بضرورة فهم النصوص الشرعية وفق معهود العرب في لغتها، لا يكون فقط بالحرص على أن تحمل معاني الألفاظ على ما تعارف عليه العرب من معانٍ لها، بل في معرفة ما تواضع عليه العرب من الأساليب والمعاني، ومعرفة عاداتهم وتقاليدهم، ومخزونهم الثقافي.
    قال الدكتور الجابري: 'ولا بد من الأخذ بالاعتبار أن 'لسان القوم' ليس مجرد رموز لغوية بل هو أيضا خازن ثقافتهم، بما فيها من عادات وأعراق وتطلعات..وإذن فالتنصيص في القرآن، مرارا وتكرارا، على كونه 'نزل بلسان مبين' ليس معناه فقط أن كلماته عربية بل معناه 'أن العربية ماهية'...بمعنى أن اللغة العربية، كأساليب في التعبير وكمخزون ثقافي، مكون من مكونات ماهيته، فهو قد نزل ليس فقط بكلمات عربية بل أيضا حسب معهود العرب..'(مدخل إلى القرآن الكريم:175).
    هذا غيض من فيض المسائل المنهجية المهمة التي نثرها الدكتور محمد الجابري في ثنايا كتابه: (مدخل إلى القرآن الكريم)، وهي على العموم مسائل متفق عليها بين المشتغلين في مجال العلوم الشرعية، لكن السؤال المطروح هو: إلى أي مدى استطاع الدكتور الجابري الوفاء بهذه النقط المنهجية في دراسته هذه، نرجو أن تسنح لنا فرصة الجواب عن هذا السؤال مستقبلا

    http://www.alquds.co.uk/index.asp?f...الجابري 'مدخل إلى القرآن الكريم'&storytitlec=
     

Partager cette page