مذكرات صحفي ... في بلاد الجرمان

Discussion dans 'Nouvelles (9issass 9assira) & Chroniques' créé par 7amil almisk, 3 Mars 2012.

  1. 7amil almisk

    7amil almisk مهدي يعقوب عاشق الأحرف

    J'aime reçus:
    173
    Points:
    63


    كان السوبر ماركت الذي يرتاده ، من زبائنه ، كونه كان يوزع رسائله أيضا ، فكان الموضفون فيه يعرفونه ، و يرحبون به كلما به حل ، و الحق ، أن الحياة في ألمانيا ، على برودتها ، و صلابة رعاياها ، و برود تواصلهم ، تكاد ترقى إلى مرتبة الحسن ، حيث أن النظام المتبع بين كافة أطياف الشعب الألماني، يجعل الهائم بين دروبهم عيشا ، يرتاح ، و لو من أجل النظام المتبع ، فما أحلاه من مجتمع ذلك المجتمع ، الذي يطبق النظام في كل تفاصيله ، مجتمع ، يحترم الحياة و الكرامة الإنسانية ، مجتمع يحس الإنسان داخله ، بآدميته ، فيرقى بدوره ، إلى الإعتناء بأشياء أخرى ، كالحيوان ، و أطياف المجتمع الأخرى ، هكذا كان حلمه ، و هكذا سيظل ، فهو يحلم منذ صغره ، بمجتمع إسلامي ، يتفوق على ما رآه هنا في بلاد الكفر ، غير أن ما تعيشه الأمة الإسلامية اليوم ، يجعله ، إلى حين تحقق حلمه القادم ، يحبذ الإستقرار شيئا من الوقت في بلاد الجرمان الباردة ...
    لن ينكر أنه أحب هذه البيئة الجميلة التي تبعث فيه الإحساس بالأمان الفكري ، بلاد ، أقل ما يمكن القول عنها ، أنها مرتع حبيب ، لكل الأنماط الفكرية ، حتى المتطرف منها ، بل إنها تمازج بينها ، حتى ليخال الواقف أمامها ، أنه أمام قوس من أقواس الألوان ، التي تزين السماء ، كلما السماء أمطرت ، عالم رومانسي حالم ، لكل من يبحث عن حرية الفكر ، و حرية التعبير ، فهذه البلاد ، حتى و إن كان للصحفيين فيها خطوطا بلون الحمرة ، إلا أنها تبقى من البلدان الأكثر حرية للتعبير و الإتصال ، و هذا ما جذبه إليها جذبا عنيفا كمغناطيس قوي ، فهو لا يتخيل أن تفرض القيود على أفكاره ، و آرائه ، و تعابيره ، نعم ، ممكن أن يخطئ في آرائه و أفكاره ، بل و يتقبل أن يصححها بمساعدة نقاده ، لكنه لا يقبل أبدا ، أن يحجر على آرائه لمجرد الحجر و المنع ، فتلك أسوء أنواع القمع الفكري ، أن تفرض الرقابة على ما يكتبه الشخص ، كما ينغص مستعمر حياة صاحب أرض ولد و عاش و فيها ترعرع ! قمع الأفكار ، لا يعني إلا شيئا واحدا واضحا ، أن المقموع لامس من القامع ، أشياء ، يخاف هذا الأخير افتضاحها أمام الناس ، و هذه بالذات هي وظيفة الصحافة ، كسلطة رابعة ، أسست قواعدها ، من أجل فرض رقابة رابعة ، على كل من تسول له نفسه العبث في لقمة عيش الشعب بأكمله ! و إنه ليدرك أنه وقع في حب هذه القواع ، حبا جما ، فكما أقسم على النزاهة و الشفافية ، حينما أتم دراسته ، أقسم على فضح كل شيء يراه هو من المفضحات ، التي يحاول أصحابها إخفاءها عن أعين العالم !
    المجتمع الألماني في حد ذاته ، مجتمع مسالم ، إلا أنه و كسائر بلدان الكفر ، و التي يغلب على أجيالها الجديدة ، ميلها نحو الإلحاد الكلي ، تعاني من أمراض ، بقدر اقترابها من الإباحية ، و المجون ، أمراض لم تكن في المجتمع الجرماني السابق ، فقد شاهد بأم عينيه ، كيف أن جارا ألمانيا ، طرد ابنته ذات 18 ربيعا من منزله ، لأنها ، اتخذت صاحبا ، و أتت به إلى المنزل ، فلم يتحمل الأب منظر ابنته ، ووصفها ، بأنها لطخت سمعة العائلة في الوحل ، هذا الشخص الألماني و أمثاله ، بدأوا في الإنقراض ، و الإضمحلال ، من مجتمع ، أصبحت السمة الرئيسة فيه ، الإيمان بالماديات ، و الخضوع للشهات ، كطريقة جديدة للعيش ، و قد كانت هذه الأشياء ، هي المنغص الأساسي ، الذي جعله يفكر ألف مرة في عدم الإستقرار في المانيا ، بالرغم من توفر كل شروط الآدمية ، و الكرامة الإنسانية في هذا البلد !

    ـ أهلا سيد يعقوب ، كيف حالك ، بادرته السيدة إيدلتراوت ، و هي تهم بالدخول إلى السوبر ماركت ، فوجدته أمامها قدرا ...
    و الحق أنه لا يعرف كيف لهذه السيدة التي قاربت على التسعين ، بهذه الذاكرة القوية ، فهي تتذكر أشياء حدثت أيام صغرها ، ببراعة عجيبة ، فأجابها باحترام متبادل :
    ــ الحمد لله سيدة إيدلتراوت
    ــ أراك سعيدا على غير العادة ، سعادتك اليوم على منوال مميز !
    ــ حسنا ، لن أقدر على إخفاء شيء ، خصوصا ، إذا كان محدثي هو سيدة إيديلتراوت ، حسنا سيدتي ، أكملت البارحة دراستي هنا ، أصبحت صحفيا فضوليا
    ضحكت ضحكة مقتضبة و أردفت :
    ــ أهلا أستاذ يعقوب ، مبارك عليك ، تستحق كل التقدير ، أنت مثال جيد للأجنبي المقيم هنا !
    ــ أشكرك سيدة إيدلتراوت ، هذا لطف منك
    ــ و ماذا ستفعل الآن ، هل ستعود أدراجك أم ستبقى بيننا ؟
    ــ ماذا تفضلين أنت سيدتي ؟ هل أصبحت ضيفا ثقيلا الآن ؟
    ــ الحق أقول ، لم أرتح لأجنبي ، بقدر ما ارتحت لك سيد يعقوب ، لدرجة ، أنني تمنيت لو أنك تبقى هنا بقية حياتك ...
    ــ سأعمل لبعض الوقت هنا في هذا البلد قبل أن أغادر ..
    ــ خبر سار ، لا يزال مقدرا لنا أن نراك بيننا إذا !
    ــ الحمد لله على كل حال ... أتيت للتسوق يا سيدة إيدلتراوت ، هلا أعطيتني ورقة المشتريات و عدت أدراجك ، و آتيك أنا بها ؟
    ــ شكرا لك ، و لكني أحب أن أتسوق ، و أنت هل أتيت للتسوق أيضا ؟
    ــ الحق أنني أتيت هنا من أجل الشوكولاته !!
    ــ ما تزال شبابا ، خذ منها بحسب الطاقة ، الشوكولاته اختراع جميل يا بني ...
    ــ حسنا سيدة إيديلتراوت ، طاب يومك ، يمكنك طلبي عبر الهاتف إذا احتجت شيئا ، أي شيئ ، لا تترددي
    ــ جميل أن أسمع هذا منك سيد يعقوب ، طاب يومك أنت أيضا


    تخير من الشوكولاتة المعروضة في السوبر ماركت أجملها ، و اقتناها ، و زين بها كل أركان شقته البحرية ، فأصبح منظر الشوكولاته ، فوق أرضية شقته الزرقاء ، كسمكات بنيات ، تسبح في محيط هادئ ، كانت هذه عادته ، أن يبعثر ، الشوكولاته على الأرضية ، مغلفة ، ثم يأخذ منها كلما اشتهى .. و إنه ليذكر حين الصغر في بلده الأم كيف كان صديقا لكل ما هو شوكولاته ، كان يعشق هذه المادة ، بل كان له في أكلها طرقا عجيبة كانت تضحك من حوله ، غير أنه كان يستمتع بها غاية الإستمتاع ، كم جميل أن يكون لك عالمك الخاص ، الذي لا يفهمه سواك ، عالم ، مهما تهكم منه الآخرون ، وجدت أنت فيه كل السعادة و الهناء ، ترتبه ، تبعثره ، و تأكل من خيراته كيف و أين و متى تشاء !
    علم بينه و بين نفسه ، أن عالم البشر اليوم ، أصبح كاللعبة المزينة ، لا يعرف الناظر إليها من فرط جمالها الخارجي ما تخبئ أحشاؤها ، التي حشيت بكل ما هو زائف ، تعلم أن أغلبية الناس في هذا الزمان في مجتمعه ، يلبس قناعا عند خروجه كل صباح من منزله ، قناع ، يختاره من مخزن أقنعة خشبي ، يقبع في ركن من البهو ، قناع ، يتماشى و ظروف اليوم ، و طقوس الشخص ، قليلون هم ، من يخرجون إلى الشارع من دون أصباغ مقيته ، حتى أضحى الشارع بالنسبة إليه ، شيئا إلى كواليس المسرح أقرب ، كل يلبس حسب أدواره ، و هكذا دواليك ، حتى إذا رجع إلى البيت ، تعرى ، كمى تتعرى بيضة مسلوقة ، من قشرة يحسبها المرء وقاء ، و ما هي إلا خربشات ! و الحق ، أن ذاك كان السبب الرئيس في تعلقه بهذا النظام الألماني الجرماني على كفره ، لم يعلم بينه و بين نفسه أآثما هو كان ، غير أن الأشياء التي طالما بها في مدينته الفاضلة الطفولية حلم ، هناك وجدها ، تتربع فوق حقول الأقحوان ، بلطف جميل !
    خرج متأبطا أذرع النسيم في صباح ربيعي ، تخالج أركانه ، نشوة عارمة ، أن قد جاوز عتبات البطولة في مجاله الذي منذ أن كان صغيرا به يحلم ، حلم جميل ، جميل
    جمال هذا اليوم ، جميل جمال ابتسامة والده التي لا تزال عالقة بذاكرته ، كمسمار يأبى الخروج من حائط صلد !
    الكتابة ، ياه ، الكتابة ، ذلك العالم الجميل ، ذلك العالم الخفي ، الذي بدونه ، تتوقف حياته عند قبور الملل ، لا معنى لهذا الحياة ، بدون عقل يبدع و قلم يخط ...
    أزهار الياسمين تحييه ، تبعث له رسائل مشفرة ، سرعان ما تفترش أرض أنفاسه ، فتتفتح عطورا فواحة .. ما هذه الفرحة التي يحسها كالنملة ، تدغدغ جسده ، و تجعله يتمنى لو أنه صافح حتى ، حتى الأشجار ، حتى سنجاب الحي الذي يتجول مختالا بين الدروب ...
    ركب رقم أشرف آملا أن يسمع صوته ، ذاك الصوت الذي يحب دائما سماعه ...
    ــ السلام عليكم ، إيه يا عم ، ما بتسألش ليه ، ما باوحشكش يعني !
    ــ أهلااااا عم يعقوب ، ازيك يا عم ، ما تزعلش مني ، الدنيا واخداني
    ــ ولا يهمك ، أنا عارف و مقدر ، أنا قلت لقالي شهر و نص ما شفتكش ، قلت أتصل أنا هاه إيه الأخبار ؟
    ــ زفت و الحمد لله ، أما نتقابل هابقى احكيلك
    ــ قول الحمد لله
    ــ الحمد لله على كل حال
    ــ هاه ، نتقابل و لا نخليها وقت تاني ؟
    ــ و هو أنا أقدر أرفض لك طلب ، نتقابل يا عم و ماله ، نتقابل ...
    ــ اوع تقولي قدام الكازينو
    ضحك أشرف ضحكة ، أوحت ليعقوب ، أن تخمينه كان صحيحا و قال :
    ــ يا عم أنا مش عارف ليه كل ما ابطل أرجع تاني ، المهم ، هاستناك قدام ساعة كروبك
    ــ أيوة كده ، أنا فرحان النهارده ، و عاوز أفرحك معايا ، و ما فيش مانع أعزمك على حاجة ، إيه رأيك في غدوة سمك ؟
    ـ إيه الكرم دا كله ، هممم سمك ، حاضر ، ما فيش مانع
    ــ يلزمك قد إيه علشان تجهز ؟
    ــ معاد عربي و لا ألماني ؟
    ــ ألماني طبعا ، أنا هاستناك 10 دقايق بعد معادنا ، ما جتش ، هاروح أتغدى لوحدي
    ــ حاضر و لا يهمك ، 45 دقيقة كويس ؟
    ــ كويس قوي ، يلا سلام
    ــ و عليكم السلام !
    قصد منزله ، و ترك نفسه لحمام ماء بارد ، زاد من انتعاش أفراحه ، و دخل في ذكرياته الحلوة ، حتى خال نفسه في طبيعة ساحرة لوحده ينهل من ربيعها كيف يشاء ...

    الميترو في الصيف يكون أشبه بجلسة في مكان مكيف ، غير أنه مليئ بالألغام ، ففي الصيف كما يعرف هو و يعرف آخرون ، تتجرد ألمانيا كلها ، نساء ، و رجالا ، أطفالا و عجائز من كل ما يستر اللهم العورات المغلضة ، امتطى الخط العاشر ، في اتجاه وسط المدينة ، و كعادته ، كان في كل دقيقة يلاعب الأطفال الصغار ، ما شاء له الله اللعب ، حتى و إن بادر آباؤهم بالرفض و لو بالأعين و النظرات ، مرت الدقائق سراعا ، ونزل من الميترو في خفة فرحة ، الجو الصيفي يدغدغ الأحاسيس ، و يحيل على تفكير عميق ن فيضحي هو كروبوت يمشي بدون عواطف ، عواطف باعها لفترة إلى عالم لا يدركها أغلب من يراه ، ساقه قدميه إلى ساحة كروبكه ، و هذه الساحة مشهورة جدا في المدينة التي كان فيها يقطن تتوسطها ساعة قديمة ، كتلك التي تتوسط متحفا عملاقا ، و الحمائم تحط فوقها ، كشجرة منحوتة ، و كانت ساعة كروبه هذه مضرب المثل في المواعيد ، فالكثير ممن يتواعدون ، يتواعدون عندها ، اصفت إلى الجانب منها كراسي خشبية ، و أدراج تنتهي تحت الأرض عند محطة الميترو ، غير بعيد عن الساحة تتراءى محلات الشاورما اللبنانية ، إلى جانب مقاه ألمانية ، و متاجر لبيع الأحذية و الإكسسوارات ، و بعض السوبرماركت هنا و هناك ... الغريب أن هذه الساحة كانت بالنهار مكانا للمواعيد ، و ملتقى للكثير من سكان المدينة ، سواء الذين يأتون للتبضع ، أو أولائك الذين يزورنها سياحة ، فهي لا تبعد عن محطة القطار إلا ببعض الأمتار القليلة ...
    اختار كرسيا فارغا ، ما لبث أن شاركه فيه عجوز يتوكأ على عصاه المنقوشة بإتقان يدل على مستوى صاحبها الإجتماعي المرموق ، كان عجوزا في السبعين قدر هو و نفسه ، يرتدي ثيابا تدل على عصرية لابسه أو ملبسه ، بالإضافة إلى قبعة أوروبية فخمة ، فضل أن لا يتكلم أولا ، و إن كان يعلم أن العجائز الكثير من العجائز ، يبدأونك بالكلام إن عاجلا أو آجلا ، و قد تمنى و نفسه أن يفته و إياه خط نقاش قصير ، في انتظار أن يأتي صاحب الموعد الألماني ، الذي سيتأخر كعادته ... و صدق حدثه أخيرا ، حينما نبس بكلمات ألمانية دلت على عراقة لغته و لسانه :
    ــ الحرارة لا تطاق هذه الأيام ، الس كذلك يا بني !!
    ــ صحيح ، بالرغم من أني من قارة إفريقيا ، و التي يتجاوز فيها الحر بدرجات محترمة حرارتكم هذه ، إلا أن هذه الأيام الأخيرة حارة بالفعل ! اسمي مهدي يعقوب ، و أنا من العرب !
    ـ تشرفت بمعرفتك سيد مخد...
    قاطعه بلطف قائلا :
    ــ نادني يااكوب يا سيدي ، فهذا أسهل في النطق بالنسبة لك
    ــ سيد ياكوب ، فلتعذر لساني الذي فتك الزمان بقدراته ، اسمي فولفجانك ، لا بد أنك تعرف هذا الإسم !
    ــ نعم فولفجانج ، موتزارت أليس كذلك ! ابتسم اتسامة دافئة ، و ربت على كتف العجوز ثم استطرد:
    ـ تشرفت بمعرفتك سيد فولفجانج ، ما الشيئ الجميل الذي أتى بك إلى هنا ؟
    ــ تعلم جيدا يا بني أن أمثالي أصبحوا غير مرغوب فيهم ، فسني السبعيني لا يساعدني في البحث عن أصدقاء !
    ــ أوه سيد فولفجانك ، لا تقل هذا ، أمثالي كثر ، و هم دائما في الخدمة
    لمس في ابتسامة العجوز جزءا كبيرا من الدفئ ، دفئ دنياه الخالية ، حتى أحس أن دموعه على وشك الإنسياب فاستدرك :
    ثم إن الناظر إليك لا يمكن أن يخمن أنك عجوز في السبعين أيها السيد !
    ـ لطف منك أيها الشاب ! تذكرني بشبابي !! هل تعلم أنك في فترة من عمر تحسد عليها ، الشباب نعمة كبيرة ، خاصة إذا اقترن بصحة حلوة !
    ـ أوافقك الرأي سيد فولفجانك
    ــ ماذا تفعل في ألمانيا سيد يااكوب ، و لا تفهم سؤالي على منحى خاطئ ، فليس في سؤالي و لو ذرة من عنصرية !
    ــ كلا لا تأبه لذلك ، درست هنا لبعض الوقت في هذه المدينة ، و انهيت مهمتي لتوي
    ـ من أجل ذلك تقطر عيناك فرحا سعادة !
    ــ أوه ، هل تفضحني عيناي لهذا الحد ؟ الحمد لله أن موهبة قراءة ما في العيون غير مهداة لكل البشر ، و إلا فُضح أغلب من في الأرض
    ــ هذا صحيح ، على العموم ، أنا فرح من أجلك !
    ــ شكرا جزيلا سيد فولفجانج ، جميل جدا أن أسمع هذا منك ! الحقيقة أن الكثير من الألمان تقرأ في أعينهم عنصرية بغيضة حتى و إن أبانوا عن ترحاب مصطنع !
    ــ العنصرية خوف من الآخر ! يجب أن يشكروا الأجانب أن ساعدوا و يسعاعدون في بناء اقتصاد الدولة الألمانية ! على فكرة ، ما كان نوع دراستك ؟
    ـ كنت أدرس كيف احقق أهدافي بالكتابة !
    ــ الكتابة شء جميل ، لا يتقنها إلا من أتي موهبتها !
    ــ نعم ! و للأسف تطفل عليها الكثيرون في هذا الزمن حتى أصبحت متهنة جدا !
    ــ لكل زمن إيجابياته و سلبياته يا بني ...
    صدقت يسد فولفجانج
    تراءى له أشرف يسارع الخطى ، و كان متأكدا أنه يحارب الزمن الفاصل بينه ، و بين مصافحته ، من أجل أن يجد في عقله عذرا لتأخيره ، فابتسم يعقوب ابتسامة فوز ، ثم بادر الشيخ الجالس بجانبه :
    سيد فولفجانج ، أخشى أنه يجب علي توديعك الآن ن فقد جاء صديقي الذي واعدته هنا ، هل تأتي إلى هنا كثيرا ؟
    ــ نعم سيد ياكوب ، أنا أجلس هنا لساعات ، حينما يكون الجو صحوا ، و يمكن أن تجدني في إحدى المقاهي المجاورة
    ــ حسن ، القاك بخير ، و كان اشرف قد وصلت به قدماه إلى حيث كان يجلس الإثنان ، فقدمه يعقوب قائلا :
    ـ هذا صديقي أشرف ، من بلاد مصر
    ـ تشرفت بمعرفتك سيد أشرف !
    ــ و هذا فولفجانج يا أشرف ، لقد آنس وحدتي في غيابك !
    رد أشرف بشيء من اللامبالاة :
    ـ أهلا ايها السيد ...
    ودع يعقوب السيد فولفجانج في أدب ، ثم انتظر لخطوات قبل أن يبادر أشرف :
    ــ غيه البرود ده يا أخي ، هو الراجل ده ما يستحقش منك شوية مبالاة مثلا !
    ــ يا عم انت يا بتاع المبالاة ، ما تعمليش فيها ابو العريف ، و مصلح اجتماعي ، كفاية اللي فيا مكفيني !
    لم يتمالك يعقوب نفسه من الضحك ، و اطلق ضحكة مدوية في السماء ، قابلها أشرف بابتسامة مرغمة فقال :
    ــ انت يا ابني ما بتحسش و لا إيه !
    ــ تابع يعقوب ضحكه متسائلا :
    ــ ما هو يا أشرف أنا عارف إنك لا غني ، و اتسرقت ، و لا صاحب أملاك و عماراتك اتهدت ، يعني هايكون فيه إيه يعني ؟
    ــ انت بتقول فيها ! أنا اتسرقت فعلا يا عم !
    ـت لا يا شيخ !
    ـ آه و الله زي ما باقولك كده ! بس قبل ما احكيلك ، تعال نتغدى ، اصل أنا ما كلتش من ليلة امبارح !
    ــ حاضر حاضر ! بالمناسبة ، احب ابشرك ، إني النهارده خلصت جامعة !
    ــ ألف الف مبروك يا يعقوب يا خويا !
    ــ ربنا يخليك و يبارك فيك ، المهم يلا نتغدى ، و بعدين ابقى احكيلي على اللي حصل !
    كان المطعم الذي قصداه في ركن قريب من ساحة كروبكه ، مطعم سمك ، يسيره شخص ، تعرف من أول نظرة إليه أنه يوناني ، و الحقيقة ، أنه ن مبدعا في اختيار ديوراته ، حتى أن الداخل إليه كان يخال نفسه في إحدى السواحل اليونانية !
    ــ هاه هاتطلب إيه يا عمنا ؟
    ــ أي حاجة ، هاتلي سنويتش فيشبرغر
    ــ و أنا هاخد كمان زيك !
    ــ اتنين فيشبرغر لو سمحت ، و اتنين كولا !
    ــ حاضر يا شباب !
    كان المطعم على صغره ، أشبه بجزيرة صغيرة ، و لم يعكر صفو جماله إلا نادلاته اللواتي تجردن شيئا ما من الإحتشام الواجب ، فكان عليه أن يغض بصره في كل مرة قدمت إليه إحداهن لتوصيل الطلب !
    ــ آخ لو ألاقي واحدة زي دي ! قشطة يا ناس قشطة !
    ــ إيه يا اشرف ، احترم نفسك شوية يا أخي
    ــ ياعني شايفني قالع مالط يا خي ! إيه يا أخي بلاش أدور على مستقبلي ؟
    ـ ما انا لقتلك واحدة و ما كنتش عاوز !
    ــ يا عم سبيبك من صنف الفيل ده !
    حاول حبس ضحته فلم يقدر ، فآثر تغيير الموضوع
    ـ يلا يا عم احكيلي حصلك إيه ، و اتسرقت ازاي ؟
    ـ لازم تغم نفسي على الأكل ! المهم هاحكيلك ، و لو إني عاتب عليك إنك ما كلمتنيش من شهرين كده !
    ـ تلفونك مقفول يا عم ، كنت عاوزني أعملك إيه !
    ـ ما هو علشان أنا ما كنتش في ألمانيا !
    ـ شفت بقى ! كنت فين حضرتك !
    تناول أشرف قضمة محترمة من سندويته ، و رشفة كولا ، ثم قال بفم ممتلأ خرجت منه إجابة كذلك الذي يحاول التكلم داخل الماء :
    ـ كنت في فرنسا !
    ـ حاسب ، خلص أكل و بعدين اتكلم ! و كنت بتعمل إيه في فرنسا ؟
    ـ كنت باشتغل ، في مطعم بيتزا ! أصل أنا ليا أخويا هناك ، شغال هناك ، و رحتلو ، و اشتغلت زي المررمطون بلاك ، و لو سالتني يعني غيه بلاك هاقولك من غير مستندات يعني !
    ــ عارف عارف ، و عجبك الجو هناك ؟
    ــ يا عم هي غربة واحدة ، اشتغلت شهرين ، و قبضوني 1800 يورو !
    ـ ممتاز ! و بعدين ؟ اتسرقت في فرنسا ؟
    ــ لا و انت الصادق ! في هولاندا !
    ـ انت رحت هولاندا كمان ؟
    ــ هاحكيلك ! المهم يا يعقوب يا خويا ، أنا مسكت المرتب من هنا ، و هوبا على محطة القطر من هنا ! ما كنتش عاوز أفضل هناك ، فرنسا دي بلد خيخة ، ما يقدرش الواحد يستحمل أهلها ، أي نعم الألمان متشددين شوية في ما يخص القوانين ، بس أهه أحسن من الزفت الفرنسي دول ! المهم ركبت القطر ، درجة أولى خلي بالك ، آه ، بعد تعب الشهرين لازم أدلع نفسي يا عم !
    ــ همم و بعدين !
    ــ المهم القطر من فرنسا لألمانيا كان لازم يمر بهولندا ما فيش مشكلة ، كنت لابس جاكته ، و في جيب سري داخلها ، كنت حاطط تحويشة الشهرين ! كنت لابسها ، بس انت عارف الحر كان شديد اليومين دول ، قلعتها ، و حطتها جنبي ، و هاقولك غيه يا يعقوب يا خويا ، كان قاعد جنبي واحد مش عارف جاي منين ، المهم ما درتش بروحي ، إلا في هولاندا ، المحطة ، الظاهر خدتني نومه ، الجاكته في مكانها ، و اللي كان قاعد جنبي الظاهر روح ! المهم ما شكتش فحاجة أنا ، لما وصلت أنا لهنا ، لبست الجاكته ، باور على الفلوس ، ما فيش فلوس !
    ـ ههههههههههههههههههههههههه
    ـ انت بتضحك ، آه ما هو اللي إيده في النار مش زي اللي إيده في المية ، اضحك يا عم اضحك !
    ــ ربنا يعوض عليك ياع عم ، علشان تحرم تنام جوة القطر !
    ـ آه ، حريقة جوايا يا يعقوب ، آه بس لو ألاقي الحرامي ابن الحرامي اللي سرقني ، ده انا كنت أخليه يندم على اليوم اللي اتولد فيه ! بس هاتقول إيه قدري !
    ــ ربنا يعوض عليك أنا حاسس باللي انت حاسس بيه ، مش سهلة أبدا تشتغل شهرين بلاك ، و يتسرق منك مرتبك كله !
    تنهد أشرف بعمق و استسلام و قال :
    ـ و انت خلصت جامعة قلتلي ؟ هاتعمل إيه الوقتي ؟
    ـ مش عارف و الله ، بس أفتكر هادور على شغل هنا ، و بعدين ارجع !
    ـ ترجع ! إيه ؟ ما اسمعتش أنا ، هاترجع تعمل إيه يا نايتي هناك ! خليك هنا يا عم ، و شفلك تصريفة علشان الجنسية !
    ـ هانشوف يا عم الناظر ! المهم خلصت ؟ يلا أوصلك البيت !
    ـ القوضة قصدك ههههه !
    ـت محتاج فلوس و لا حاجة ؟
    ـ لا ما نجلكش فحاجة وحشة !
    ــ لا و الله باتكلم جد ! خد 50 يورو أهم ! و ماترجعهمش ، نتحاسب بقى قدام ربنا يوم القيامة ، يا رب يقبلها مني و ندخل مع بعض الجنة !
    تردد أشرف شيئا ما ثم أخد يعقوب فحضنه حتى أحس بأنفاسه تخالط ثيابه
    ــ أنا مش عارف أشكرك ازاي يا يعقوب يا خويا !
    ـ مش محتاجة شكر ، أخ و بيساعد أخوه فيها حاجة دي !
    ــ ربنا يكرم أصلك و يرحم والدك يا طيب !
    ـ اللهم آمين !
    ــ و بالمناسبة السعيدة دي ، هاروح ألعب ماتش كوره
    ــ ده انت حكاية ، المهم ، أنا ممكن ما اوصلكش لحد البيت ، القوضة قصدي ، هانزل على الميترو
    ـ براحتك يا حبيبي ، يلا ، ما نتساش تكلمني في التلفون لو عزتني فأنه حاجة !
    ضحك يعقوب و رد : ما نجلكش في حاجة وحشة !

    ارتقى درجات الميترو ، و شعور عجيب بالحب يساوره ، التقت عيناه ، بعيني طفل ألماني صغير ، ابتسم له ، فالتحمت ابتسامتيهما ، فيما يشبه حلما جميلا ، و كالعادة لم يشعر بمحطات الميترو إله حينما ساورته رغبة حلوة في زيارة البحيرة الكبيرة ، و مراقبة قرص الشمس يذوب فيها كما تذوب الألوان في لوحة حالمة !
    استلقى على حشائش صغيرة ، و اتجه بصره نحو الافق الذي بدأ بالفعل في التهام الشمس التهاما ! كانت البحيرة تحوي خليطا من الحب الدافئ ، تستقبل فيه قوافل السواد يوشح وجهها أغمض عينيه ، و تحسس النسيم يستلقي على خديه كقطرات ندى تداعب أوراق زهرة !
    كم هي جميلة هذا المكان من العالم ! حتى لو كره كفر اهلها ، فأيان له أن يكرهه ، و هو الذي بادله حبا بحب ، و حرفا بحرف ، و شعرا بشعر ، مكان آوته شجيراته ، و حشائشه في مدرسة الحب الجميل ، ينتقي من حروفها ما شاء ، و يقتات من طيبها حد الإرتواء ! كانت هذه البحرة ، ببجعاتها التي تقترب إليه في وجل مشوب بالثقة ، مكانه الرائع ، الذي شهد أغلب إبداعات كتاباته ، و أغلب عسل الشعر في شهد أبياته كم تمنى هو لو كان جزءا من طبيعة هذه البحيرة !
    حين صارت الشمس في كبد البحيرة ، تمشى قليلا في الأدغال ، في زرقة السماء الملطخة بسواد يتكاثر ، و صوت العصافير التي تدق ابواب أعشاشها ، يضخ في حلاوة المكان شهدا إضافيا جديدا ! لم يعلم هو كنه تلك الرغبة الجامحة ، التي تعتريه كلما نبش في موضوع البقاء في هذه البلاد ، جزء من كيانه ، أحب البقاء هناك ، و جزء آخر يحذره رغم كل ما يعيشه من البقاء ، و لكنه في ذلك اليوم قرر أن يجرب و لو لحين حياة عملية جديدة ، في بلاد الجرمان ، تلك البلاد التي تحترم الإنسان كإنسان ، و تعطيع حقوقه حتى آخر رمق ، ثم تبتسم له حسب جده و مثابرته ! آثر أن يعيش تلك التجربة بكل تفاصيلها ، أن يغطس في بلاد الجرمان ، و يغوص في أعماقها ، و يفك ألغازها ، و أن يعطيها شيئا مما أنعم الله به عليه ، غير متناس لفضل جامعاتها ، و معاهدها ، و مراجعها ، بعد فضل الله تعالى في وصوله إلى ما وصل إليه في هذه اللحظة !
    فكانت البدايات الجميلات
    بدايات لمذكرات صحفي في بلاد الجرمان !

     
  2. 7amil almisk

    7amil almisk مهدي يعقوب عاشق الأحرف

    J'aime reçus:
    173
    Points:
    63
    الإبحار في مهنة الكتابة !

    ــ لماذا لا تصلي ؟ ألم آمركم بالصلاة ... ؟
    لا يزال ذلك الصوت في أذنيه يزينهما ، و لا زالت تلك الرؤيا صوب عينيه ، بعد مرور أكثر من 23 سنة ، ينير بها قلبه ، هو الذي اختلف على أقرانه في كل شيء تقريبا ، فكان كما الكتاب ، سهل أن تفتحه ، سهل أن تتلو حروفه ، غير أن فهمه لا يتأتى إلا لصاحب فهم و ذوق !
    في تلك الليلة نام ، كما ينام الأطفال و كان للمطالعة و تلاوة القرآن قبل النوم عنده ، طقس مقدس جدا لا يحلو النوم بدونهما ! كان يبدأ بروايات نجيب محفوظ ، على صغر سنه كان يطالعها بشغف ، و يتيه كما فراشة في حقل من الأزهار بين أوكار حروف رواياته ، ثم ينهي طقسه اليومي الجميل بتلاوة القرآن و الإستغفار ، و كان بحكم صغر سنه ، و عدم بلوغه الحلم ، في عرف الصغار يصنف نفسه ، من أجل ذلك تبادر له ، بتزيين الشيطان له ، أن يتهاون في تأدية الصلاة ، فكان يصلى في سن السابعة تارة ، و يستسلم للكسل تارات ! كان يعلم بأهمية الصلاة في حياة المسلم ، بل كان يحفظ أحاديث رسول الله صلى الله عليه و سلم حول هذا الموضوع ، ووعيده الشديد ، لتارك الصلاة ، فكان تهاونه وبالا عليه ، أفسد عليه خلواته ، و سكناته التي كانت تزين أركان حياته ! كم تمنى في قرارات نفسه ، لو رأى ذلك النبي الأمي ، محمد نبي العالمين صلى الله عليه و سلم ، كان دائما و لا زال حينما يبلغ به الشوق مداه ، يحادث نفسه ، أن يا ليته كان غصنا يلامس جلده ذاك الجميل !
    أسدلت رموشه طغيانها على عينيه على حين غرة ن فلم يدر على أي فكرة من أفكاره للنوم هو استسلم !
    ثم كان ...
    رأى فيما يرى النائم رجلا مهيبا ، يشع النور من وجهه ، و بين يحيته ، بشكل صعب عليه معه أن ينظر غليه ن فأطرق إلى الأرض ، و جاء في روعه أنه أمام رسول العالمين محمد صلى الله عليه و سلم ، فارتجف قلبه شوقا ، و مهابة ، لم يدر لذلك الإحساس من كنه ، اقترب منه أكثر ، حاول مرة أخرى أن ينظر إليه غير أن النور منعه ، ثم سمع صوته الجميل يقول :
    ــ لماذا لا تصلي ؟ ألم آمركم بالصلاة ... ؟
    أطرق يعقوب إلى الأرض ، عالما أنه ما من عذر به إلى رسول الهدى صلى الله عليه و سلم يعتذر ، ثم ما انفك أن اقترب من يمينه ، و لثمهما بحنان ، فأحس بكل النور يخترق جسده ، و كأنه أحس بابتسامة صاحب اليد الشريفة صلى الله على صاحبها و سلم ...
    استيقظ و كان الوقت وقت آذان الفجر في ليلة شديدة البرودة ، غير أن أطرافه كانت ذات حمى ، كان قلبه ينبض محمدا ، يجري و كأنما هو غير مصدق ، و كأنما أراد أن يرغم عينيه على النوم من جديد ، طمعا في إعادة الكرة ! قام ، فتوضأ و صلى ، ثم نام ، فكان الصباح صباحاجديدا ، صباحا كان له أن يغير مجرى حياته ! تمنى من الله ذلك اليوم أن يريه رسل الله مرة أخرى ، حتى و لو إشارة ، و الحق أنه كان في قلبه و عقله حب شديد لهذه الشخصية الحبيبة ، كان بعد أن علم أن تما الإيمان لا يكمل إلا بحبه أكثر من نفسه ، يحبه بشكل جنوني لا يملك له وصفا و لا تقديرا ، محمد ذلك الحبيب ، الذي سقى المسلمين كاس الرشاد دهاقا ، و أوصلنا مراحل الصدق الجلي عند رب العلى العلي سبحانه سبحانه سبحانه ! كان يحس و هو صغير أنه ولد في زمان لا قبل له به ، و أنه في أحايين كثيرة ، حسد الأطيار و الأشجار ، و الرمال في مكة ، عايشت حبيب عمره ، محمد محمد ! صلى الله و سلم على محمد !
    في الليلة الثانية ، و بعد
    رأى في ما يرى النائم أنه في أسواق مكة المكرمة ، و تحديدا في الأسواق التي كانت تجاور الكعبة ، كانت اسواقا ليست كالأسواق التي ألفها ن فقد كانت عتيقة بعض الشيء ، تدل على أنه في زمان غير زمانه ، تجول باندهاش كبير فيها ، و كانت الكعبة المشرفة ، تسرق الأنظار ، فكان يجول بصره بين كل الأنحاء ، ثم يخطف نظرات لذيذات ، لذلك المنظر البهيج الذي رنا إليه بكل أحاسيسه ، منظر الكعبة المهيب ، الذي يضفي على النفس إشراقة و سرورا !
    حين إلتفاته إلى أسواق مكة العتيقة ، سمع الأذان ، لصلاة العصر ، و أحس بيد تربت على كتفيه ، فالتفط بطريقة اعتباطية ، و رأى رجلا جميلا جدا ، و قذف في روعه أنه رسول الله صلى الله عليه و سلم ، و أخذه ، و يداه تلامسان يديه ، حتى حائط الكعبة ، فصلى وراءه ، ثم استيقظ .
    ...
    لم تفارق الرؤيتان حياته قط ! جعلهما عنوانا لحياته ، كالذي يحتفي بشهادة ، حد الإحتفاء بها على حائط من حيطان بيته ! و كان لا بد له من اكتشاف عالم الطمأنينة ، عالم كتب على بابه ، محمد خير الورى!!

    استيقظ صباح اليوم ، مبتهج الأسارير ، كوردة جاءتها السقيا بعد يأس ! كانت كل جوارحه ، تزهو ، كالعصافير التي تنشد حلاوة الصيف في هذه البلاد الجميلة ، أغمض عينيه ، و اقتتلت الأفكار السعيدة في معترك وجدانه ، كيف لا و قد قضى الليلة بأكملها في كنف والده ، أقبل عليه كولهان ، و ضمه ضمه ، حتى شعر بقبلاته تنخر عباب قلبه ، و ابتسم ، و سبح في بحار الهوى ، و أحس بلهفة المفارق ، و خالطت بسماته ، كل فرحه ، و امتزجت دموع الوصال ، بتغاريد الأشعار ! ملأ البحر كل شرفات عيونه ، و قصت العصافير عليهما قصصا بطعم البنفسج ، و تغنجت سمات الحب فوق هضاب من مسك الحب !
    امتزجت فرحته ، بفرحة الصيف ، بفرحة الحصول على وظيفة في بلاد الجرمان ، فكان ذلك اليوم من أجمل الأيام في حياته ، كان على موعد في ذلك اليوم ، برئيسة تحرير مجلة ألمانية ، تهتم بقضايا المرأة و الطفل ! الشيء الذي تحمس له ، فبعد ساعات قليلة ، سيتحقق حلمه في معانقة متعته الخالصة ، بحار الكتابة الجميلة ، كمهنة تجمع بين طياتها كل أنواع الحياة !
    ترك فراشه ، و اتجه نحو المطبخ ، فتح الثلاجة ، و وقف لدقائق طويلات عادته حينما يهم باقتناء وجبة إفطاره ، فقد كان متقلب المزاج ، تأتيه رغبات حمقى ، تحارب إحداها الإخرى ، حتى تستقر به في مزيج من كل الرغبات ! حضر وجبة إفطاره ثم أخد مكانه فوق علية صغيرة صنعها بيديه ، فقد كان منزله يضم شرفة صغيرة مغطات ، تتوسطها نافذة كبيرة على علو متوسط تبعث على منظر بهيج ، حيث حديقة مترامية الأطراف ، تتلون بطعم الخضرة و الجمال كلما تأتي قوافل الصيف إلى هذا المكام الجميل من العالم ، فكان أن ابتاع قطعة خشب مربعة الأطراف ، و ثبثها بقدر علو النافذة ، فأصبحت تشبه علية صغيرة ، و كان في ليالي الصيف الحارة نسبيا في بلاد الجرمان ، يتخذها مرقدا له ، فكان يحس نفسه نائما بين السماء و الأرض ، تتغنى به جيوش الأزهار و أشجار الكرز و الإجاص و البرتقال أرضا ، و تجذبه النجوم من تلابيب أحاسيسه سماء ، و يداعب النسيم الليلي وجهه كرسام يداعب أطراف لوحاته ، متجها بها إلى الإتقان ! كان يحب أن يتناول وجباته ، على إيقاع العصافير ، و صور أطفال الجيران الجميلة التي يخطونها كل يوم احتفالا بقدوم الفص المحبب جدا إلى قلوب الألمان ، و انت الحديقة التي تتربع تحت أقدام العمارة التي فيها يقطن ، تشتمل على العاب للأطفال ، و أماكن للإستجمام ، و كراسي خشبية ، يتربع فيها المسنون ، تحت أشعة الشمس التي يفتقدها أهل هذا المكان طيلة السنة ، فكان فصل الصيف بامتياز فصلا يتفق فيه الألمان بكل أطيافهم ، على شيء واحد : معانقة الجمال ! و كان في كل صباح ، يسترق النظر إلى أنجلينا ، و بوب ، و هم أطفال جيرانه في العمارة المقابلة ، و هما يتسابقان وراء السناجب التي تملأ المكان في مثل هذا الوقت من كل سنة ، و ضحكاتهما تسابق الريح ، و هما يحملان في أياديهما الصغيرات ما لذ و طاب من حلويات ... و كان في كل مرة يسائل نفسه في ارتياح عجيب : أوه ، رباه ، هذا جمال فصل من فصول الدنيا في أرض رائعة ، خلقتها بإتقان ، فكيف بجمال الجمال في جنة لا تفنى ! فكيف برب الجمال ! و طالما حاول منع نفسه في الإسترسال في خواطره ، خشية أن يسقط في فخ تخيل ذات ربه ، لا خوفا من التشبيه ، و لكنه كان كمن يمني النفس بشيء مخفي عنه موعود بالحصول عليه بعد إتمام مهمة معينة ، و تحاول نفسه إرغامه على البحث عنه ، و اكتشافه قبل الأوان ، إلا أنه يؤثر حلاوة اللقيا على شقوة المحاولات الفاشلة ! طبيعة كهذه ، تشد إليها الأنظار كل ثانية ، و في كل برهة ، يخيل إلى الناظر إليها ، أنه في عالم من عوالم الأفلام الخيالية ، إلا أنها حقيقية صرفة ، فكانت تلك الفترة من الصباح في ذلك الفصل من أحب فترات النهار إلىه ، تليها فترة المساء ، حينما يستلقي فوق عليته ، و ينظر إلى النجوم الكاشفة عن مفاتنها ، لا يكاد يفهم جمالها إلا غارق حد الثمالة في بحار الإبداع ! فكان القمر بدرا يكون ، و تتفرق حوله عشرات النجوم ، و يستمع إلى أصوات طبيعية مجمعة عنده في جهازه ، و ينطلق في رحلة البحث عن مواد الإبداع التي تكون عاجة متفرقة في سماء جميلة ، و تتوالى الأفكار تترى ، تطرق بابه ، مثنى و ثلاث و رباع ، كما تتوالى قطرات المطر على أرض عطشى ، و يسافر في رحلة خيالية ، يملك مفاتيح أبوابها لوحده ، و يجلس على ارائك جماله وحده ، و يقبل أيادي أزهارها لوحده ، حتى إذا غالبه النعاس استسلم كما يستسلم مريض لمخدر ، ينقله من عالم محسوس إلى عالم صامت ... و كانت نشوة اللحظة تبلغ به ذروتها ، فيطلق العنان لصوته ، فينشد من أشعار يحفظها ، بلغة أهل الجنان ، و ينشد ، حتى ليهيئ له أن العالم كله ينشد معه لحن الحياة ! و كانت السيدة إيدلتراوت في مرة ، تعبث بأفكار لها على أرض الحديقة ، و تداعب أغصان الشجيرات ، حين سمعت أنغام أناشيده ، فنادته بصوتها الحاد ، و الذي لم تصب تعرية الزمان منه إصابة تذكر :
    ـ أيها البلبل العربي الصغير ، صوتك جميل للغاية ، غير أني أتمنى لو أفهم ما تتغنى به ...
    خالطت ضحكة هستيرية صغيرة ابتسامة طبعت أسارير وجهه ، و أطل برأسه من النافذة مجيبا إياها :
    ــ أو سيدة إيدلتراوت ، ماذا تفعلين في مثل هذا الوقت من الغروب ؟؟؟
    ــ ما ترى ، أعتني بأغصان الشجر يا أيها العربي ، و كنت محظوظة اليوم أن سمعت صوتك الجميل ! لماذا لا تتقدم إلى أحد برامج المواهب !؟
    ــ أوه سيدة إيدلتراوت ، أنت تجعلينني في بداية الطريق إلى الغرور ! ثم استطرد ضاحكا : كلا يا سيدتي ، إنما أحب أن أحتفظ بأشيائي لنفسي ، و لمن قادهم القدر إلى ملاقاتها ، كحالتك في هذا اليوم ! الصيف فصل جميل جدا هنا في ألمانيا !
    ــ نعم جميل جدا ، كلني استغرب أنك لست على علاقة بأصدقاء كما هو الحال بالنسبة إلى الكثير من الشباب هنا !
    ــ أممم ، هكذا هو حال من نذر حياته لسطوة الأحرف سيدة إيدلتراوت ، لا أحبذ أن أربط الكثير من العلاقات ، أختار أصدقائي بعناية !
    ــ حسنا ، سأذهب الآن ، إذا اردت بعض الإجاص فاطرق باب بيتي و لا تتردد !
    ــ حسنا سيدة إيدلتراوت ، أتمنى لك أمسية سعيدة ، و لا أخفيك أنني أشتاق إلى مجالستك و محادثتك !!
    ــ بكل سرور و حبور يا بني ، تعال في أي وقت تريده ، فكما تعلم أنني وحيدة هنا !
    ابتسم لها مودعا ، و أومأ إليها بيده ثم عاد إلى مجلسه !
    هكذا كان فصل الصيف في المانيا ، جميل حد الرومانسية الحلوة ، التي تذهب بالعقل إلى ما وراء الأحرف !
    ...
    كانت الساعة تشير إلى الثالثة زوالا حينما خرج من باب العمارة ، في طريقه إلى الإلتحاق بالموعد الذي حدده مع مديرة تحرير المجلة ، و كان قد اقتنى في أشهر الربيع دراجة هوائية ، و أدمن استخدامها ، خصوصا في بلاد تحترم فيها قوانين السير احتراما شديدا جدا ، يكاد يصل حد الإدمان ! فالراجلون و أصحاب الدراجات الهوائية يتمتعون بحقوق مقدسة في هذه البلاد ، ابتداء بممرات خاصة بهم ، مرورا ، بابتسامات سائقي السيارات حين التقاء أعينهم ، و انتهاء بالإحترام الشديد لكل من يستعمل الدراجة من لدن مسؤولي البلد ، باعتبار أصحاب الدراجات الهوائية ، أشخاص يحترمون البيئة باستعمالهم لوسيلة نقل تحافظ على هذه الأخيرة ، فكان استعمال الدراجة في مثل هذا الوقت بالذات و في مثل هذه الظروف و القوانين الملائمة ، شيئا جميلا ، متعة كبيرة في حد ذاتها ، تحول دون الإحساس بالملل !
    و لعل الشيء الجميل جدا في بلاد الجرمان ، هو احترام أهلها للقوانين التي تنظم بلادهم ، احتراما يصل حد التطرف ، فيندر إذا لم يكن من الإستحالة ، أن ترى أشخاصا يرمون النفايات في الشوارع كما يحصل في كثير من العوالم الموازية لعوالم بلاد الجرمان ، كما ينذر أن لا يحترم شخص علامات التشوير من أضواء و إشارات في الطرقات ، فعوبة مخالفة قوانين السير في هذه البلاد قاسية للغاية ، و يمكن أن تصل إلى عقوبات سالبة للحريات ، و قد ادى به كل هذا إلى اكتشاف مجتمع جرماني فريد ، يعيش أفراده في تؤدة و سلام ، و احترام تام للقوانين التي تنظم المجتمع ! لا يعتبر المجتمع الألماني فاضلا صحيح ، غير أنه بالمقارنة مع مجتمعات عربية كثيرة ، يعتبر فاضلا ، بل و مقدسا !
    امتطى دراجته ، و أطلق ساقيه للنسيم مستمتعا بجو حلو الملامح !
    وصل إلى مقر المجلة قبل الموعد الممحدد له بربع ساعة كاملة ، فوجد الفرصة سانحة أمامه لاقتناء بعض المرطبات ، التي تتاثر بشكل ملحوظ في مثل هذا الوقت من السنة ، غير أن عيبها الوحيد بالنسبة إليه كان أن أصحابها يشغلون فتيات حسناوات ، و ذلك لأجل جذب الزبائن ، كما هي العادة في سوق النساء هناك ...
    ــ نعم سيدي ، كيف يمكنني أن أخدمك ؟
    ـ أريد 3 كرات من البوظة مع بعض الكريم لو سمحت !
    ــ حسن ، ما هي النهات التي تفضلها سيدي ؟
    ــ نكة الليمون ، الخوخ ، و نكهة الفراولة !
    تطلب الأمر بعض الدقائق قبل أن تأتيه النادلة بالطلب ، مستفسرة إياه :
    ــ هل ترغب في شيء آخر سيدي ؟
    ــ كلا شكرا لك ...
    تناول البوظة بشكل شبه متسارع ، و قلب عينيه في مرتادي المقهى باحثا عن طفل صغير كما هي عادته دائما غير أن الحظ لم يكن حليفه ، غادر المقهى المقابل للمبنى الذي توجد فيه المجلة ، و دق جرس الباب خمس دقائق قبل الموعد ، و صدق حدثه الذي أخبره أنه يتوجب عليه مرة أخرى أن يغض من بصره ، فاسقبله صوت نسائي دل على صغر سن صاحبته خلف مكتب دل تناسق ألوانه ، و ترتيبه على ذوق رفيع :
    ـ نهارك سعيد سيدي ، كيف يمكنني مساعدتك ؟
    ــ أهلا ، نهارك سعيد ، اسمي مهدي يعقوب ، و لدي موعد مع مديرة التحرير هنا !
    ــ أوه طبعا ، عندي علم مسبق بذلك ، تفضل بالجلوس سأخبرها بقدومك
    ـ شكرا جزيلا ، سأنتظر في قاعة الإنتظار !
    بعد دقيقيتين ، تقدم منه الصوت ، مخاطبا إياه أن تفضل ، اجتاز ردهة طويلة ، في اتجاه مكتب مقابل ، نقر على الباب بأصبعه ، فأجابه صوت من الداخل أن تفضل ، و استقر به المجلس في كرسي وثير ، و كانت مديرة التحرير امرأة ف الخمسينات من عمرها ، دلت طريقة كلامها على أدب جم !
    ــ أهلا سيد ياكوب ، هل أناديك بهذا الإسم أم باسمك العائلي ، قالت مبتسمة !
    ــ في الحقيقة يا سيدتي أنا أحمل إسما ثنائيا ، و بما أن ياجوب متداول في ألمانيا فلا بأس بمناداتي به ، فلا مانع عندي !
    ــ تتكلم الألمانية بسلاسة ، و هذا شيئ جيد ، قرأت في سيرتك الذاتية ، أنك تتكلم بأرع لغات
    ـ نعم سيدتي ، أتكلم العربية الفرنسية الإجليزية و الألمانية
    ـ شيء رائع ، و الأجمل منه أنك كاتب ، حدثني شيئا ما عن نفسك !
    ــ أوه سيدتي ، هذه هوايتي منذ الصغر ، كنت دائما أهوى الأحرف ، و أنا هنا الآن من أجل اكتساب الخبرة فيها !
    ــ شيئ جميل ، حسنا يا سيد ياكوب سوف أشرح لك احتياجاتنا بالظبط ، نحن نبحث عن محلل لمشاكل القراء ، شخص تكون له القدرة على إجابة الناس ، و البحث عن حلول لمشاكلهم ، و مساعدتهم قدر الإمكان عن طريق رن سنخصصه في المجلة لطرح مشاكل القراء ، كالكثير من المجلات ، و يمكن لصاحب المنصب أن يشتغل معنا عن بعد ، و هذا يعني أن حضورك إلى مبنى الصحيفة سيكون اختياريا في أغلب الأوقات إلا في حالة الإجتماعات الدورية لهيئة التحرير و العاملين في المجلة !
    ــ حسن ، شيء جميل !
    ــ هل تحس أن لك قدرة على اعتلاء هذا المنصب سيد يعقوب ؟
    ــ أعتقد يا سيدتي أني لي قدرة كبيرة على نسج علاقات متينة مع الأحرف ، زيادة على أنه من الرائع أن نبحث عن مساعدة الناس عبر إيجاد حل لمشاكلهم !
    ــ حسنا سنتصل بك فيما بعد إذا ما جد جديد ، ترقب ردنا سواء السلبي أو الإيجابي فيما يخص الوظيفة ، في الأسبوع المقبل سيد ياكوب !
    ــ حسنا سيدتي ، تشرفت بلقائك !
    ــ مع السلامة !
    لم يدم اللقاء كثيرا ، غير أنه كان مقتنعا بنفسه واثقا بها ، حد أن آمن قبلا أنه مخول لشغل هذا المنصب ...
    قبل الذهاب إلى منزله ، قرر فيما بينه و بين نفسه أن يمنيها بجلسة رائعة على ضفاف البحيرة الكبيرة في المدينة ، بالرغم من يقينه التام أنها ستكون ممتلئة بلقطات عشق محرمة ، إلا أنه وعد نفسه بالبحث عن مكان خال في تلك الطبيعة الجميلة ، حيث كل شيء يدعو إلى كل شيء ، و هكذا كان ...
     
  3. lamiae_12

    lamiae_12 Visiteur

    J'aime reçus:
    10
    Points:
    0
    wa7d 50 euros lah i7fdak 7ta lyom l9iyama o nrdhalik ;o
     
  4. belami

    belami إنا لله و إنا إليه راجعون

    J'aime reçus:
    56
    Points:
    0
    matansach taktab wa7d lfasl 3la nhar lli ktachafti WB , 3awn l'admin w dir lih chwiya d la pub <D

    osloub momayaz .. bittawfi9
     
  5. 7amil almisk

    7amil almisk مهدي يعقوب عاشق الأحرف

    J'aime reçus:
    173
    Points:
    63

    السفر ذلك العالم اللذيذ

    لعل من أكثر الأشياء التي تدعو إلى الرثاء في هذا البلد ، هو التطبيق المثالي للرأسمالية بحذافيرها الشيء الذي ينتج عنه ، تآكل الروابط الإجتماعية الصرفة ، كما يأكل اللهيب كومة من بر خلفته سنة قحط ! ففي ثنايا جمال هذه البلاد الأخاد ، يمكن لأي شخص مبتدئ في معترك البصيرة ، أن يستشف المعاناة التي يعيشها العجائز في هذا البلد خاصة ، بلد ، تقول الإحصائيات فيه أنه بلد عجوز ، بسبب عزوف الشباب عن الزواج ، و من تم الإنجاب ! و من أجل ذلك تشجع الدولة الألمانية الإنجاب بطرقها الخاصة ، بدءا من التشجيع المعنوي إإلى غاية المكافآت المادية …
    كان يعقوب شخصا مرهف الأحاسيس بشكل يجعله يتأثر لأي شيء ، يعتبره الآخرون ضربا من ضروب الرتابة ، و إنه ليتساءل فيما بينه و بين نفسه كل يوم عن تلك الروح الجميلة ، و العواطف الجياشة ، التي كانت في زمان طفولته سائدة بين البشر ، خاصة في بلاده حيث الإسلام دين يسود و لا يحكم ! و كانت سحب الحزن المتلبدة ، تلون غير ما مرة مدنه و شوارع أحلامه ، كونه تربى في عوالم ، اختارها لنفسه هو ، و اقتفى آثارها الحبيبة ، حتى أصبح يعيش فيها بوجدانه ، كم تمنى منذ صغره ، لو أنه صغيرا في مدينة حبيبه الفاضلة كان ! و كان حينما يخلو إلى قطة الجيران التي تفر لحرية الشارع الجميلة ، فتأتيه إلى كرسي الحديقة الخشبي ، و ترنو إليه بوجهها الصغير ، يحاول جاهدا أن يبادلها همومه و أحزانه ، و كانت هذه الأخيرة على ضخامتها ، لتبدو لمن يسمعها من أهل هذا الزمان ، ضربا من ضروب التفاهة ! من أجل ذلك كان لا يكلم أحدا عنها إلا فيما ندر ، فكان يسائل القطط، يسائل عينيها ، عن مدى حمقه ، و جرأته على مجتمع يعايشه ، كيف يريد هو إصلاح مجتمع ، يؤثر عليه ، و يصيبه بدرنه ، في حين أن الملايين يسبحون في نهر ، يؤدي بهم إلى شلال قاتل ، كيف أصبحت الماديات شيئا مقدسا في كل بلاد العالم بدون استثناء ، فكأنما هو كان التوافق في خضرة عينيها يقرأ ، و تلتحف هي فخذيه ، و تنام ، كأنما هي رحمة من الله مهداة ، و يسمع هو شخيرها اللذيذ فيغرق في بحار السعادة !
    الشريعة ، تلك السعادة المغتصبة ، لم يعلم منذ أن فتح عينيه على عالم الفهم و الوعي ، كيف أن العالم كله ، يتآمر ضد شيء يحمل في طياته السعادة لكل الناس بدون استثناء ، كذلك الذي يدع إلى الموت أمه ، و تحاول هي إنقاده منه ! لم يدر هو كيف لشخص يؤمن بأن الله إله واحد أحد ، و يؤمن بالرسل ، و الكتب و الملائكة و القدر و اليوم الآخر ، و يرفض تطبيق شرع من يؤمن به ، و يرضى في مقابله بقوانين ، سنها هو أو سنها من أتوا قبله بدون أدنى تفكير ، أو حتى إعطاء الفرصة لما يعلم الإله أنه الصلاح له و لبني جنسه ! من أجل ذلك سيطر حلم على كيانه منذ صغره ، و هو عودة الخلافة الإسلامية على منهاج سيد الخلق محمد صلى الله عليه و سلم ، و تمنى هو و يتمنى لو تطول به حياة ، و يكون مؤذن خليفة رسول الله صلى الله عليه و سلم المهدي محمد ابن عبد الله سليل بيت النبوة !! ياه ، هل تطول به حياة إلى أن يرى زمن العدول تشرق شمس خيره على الدنيا من جديد ! هل تطول به حياة ، يرى فيه العدل يسود كل أقطار الأرض ! سبحان خالق الجمال سبحانه ، كيف لمن علم أن رب هذا الجمال ربه أن يكره تطبيق شريعته ، بالله كيف لمن خلق هذا الجمال أن يحيف على من سخر له كل شيء في هذا العالم ! أسئلة لا يجد لها إجابة شافية ، أبدا ، إلى حين كتابة هذه الأسطر … غير أن شيئا ما ، لم يعلم كنهه إلى الآن كان يحاول تعجيزه عن التعريف بهذا الدين الذي يحمل همه ، و هكذا ديدن إبليس كان ، مع الكثيرين من أمثاله …
    في الأسبوع الذي فصله عن تلقي مكالمة هاتفية من مديرة التحرير في المجلة ، قرر أن يعطي لنفسه شيئا من الراحة ، و أن يتجرد من كل القيود ، و يسافر في أرجاء بلاد الجرمان الجميلة ، و كانت عادته حينما يحب السفر أن ينزل قرار سفره مفاجئا ، و كان حين أيام عطلته ، يقوم من النوم صباحا فيقرر أن يلملم حوائجه ، و يقصد محطة القطار أو الطريق السيار من أجل البحث عن أقرب وسيلة للمواصلات ، لم يكن له مكان معين هدفا له ، إنما كان يروم أن يكتشف الكثير من الأشياء في هذه البلاد ، بلاد فيها من مقومات الراحة ، و الأسفار ، ما ينسي المرء عناء السفر ، بل يصبح السفر في حد ذاته متعة لذيذة ، كالداخل إلى مدينة للألعاب كلما تجول فيها ازداد حبورا و سعادة ، خاصة في فصل الصيف حيث السماء كرداء أزرق شفاف ، لا يبعث في النفس إلا جمالا و طمأنينة !
    كانت عادته ، و لا زالت أن يستفيق قبل رنين المنبه بدقيقتين ، و يتأملسقف غرفته حيث رص بعض النجوم الإصطناعية التي تباع في محلات لعب الأطفال ، و تتحول في الليل إلى نجوم مضيئة ، بفضل المادة المصنوعة منها و التي تمتص ضوء الشمس من أجل أن تبعثه شعاعا لطيف الملامح ليلا … استقبل الصباح المشرق بذراعين مفتوحين على النافذة المطلة على الحديقة الصغيرة ، كأنما هو كل عبير الصباح يحاول العناق ، ثم قرر فيما بينه و بين نفسه أن يذهب للسفر ، و أن يجوب طيلة أسبوع هذه البلاد التي سلبته جزءا من إعجابه ، بعد أن تناول إفطاره ، و رتب أنحاء بيته الصغير ، بحث عن محفظة ظهر كبيرة ، و حشاها بأشياءه ، و لملم أوراق ثبوث هويته ، و نقوده ، و قصد محطة القطار !
    ‫…‬
    قرر أن يتمشى قليلا ، بين ضفتي الشارع الكبير الذي يميز هذا الربع من المدينة ، حيث الحمائم في تؤدة إلى جانب الزوار و السكان تتعايش ، و حيث العوالم كل صباح تتداخل بشكل غير مألوف ، شارع يحوي كل مناطق العالم باختلاف الجنسيات القاطنة فيه ، و في خضم استمتاعه بربعه تراءى له أبو مهدي ، الرافضي اللبناني ، يلوح له بيديه ، في دلاله أنه لن يسلم من ثرثرته المعهودة فلم يجد بدا من الدخول و إلقاء التحية ، بالرغم من الألفة المفقودة …
    ــ أهلين و سهلين أخ مهدي ، شو يا عم ، انت مهاجر و لا إيش ؟
    ــ لأ فهيم ! أنا مسافر يا عم !
    ــ على المغرب ؟
    ــ لا على ألمانيا !
    ــ نيالك يا عم ، إحنا اللي الشغل واخدنا !
    ــ بلاش قر بالله عليك ، أنا كمان لو ربنا سهل هاشتغل الأسبوع اللي جاي ، فقلت أروح أسافر لي شويتين !
    ــ ماشي !
    ـت المهم عايز حاجة . ؟
    ــ لا يا عم ، احنا قلنا نصبح بس !
    ـ فيك الخير ! يلا مع السلامة
    خرج و امتطى الميترو ، و لم يحس بنفسه إلا في محطة القطار ، ابتاع تذكرة مفتوحة ليومين ، و دخل إلى قطار سريع ثم القى النظر إلى الطبيعة المتحركة هنا و هناك و هي تتسارع كفلم وثائقي جميل !
    كانت هواية السفر من العوالم الكثيرة التي كانت تشغل بال يعقوب فقد كان يعتبر الإنسان عصفورا ، إذا توفرت الأساليب و الطرق ، طار في افق سماء الرب إلى غير ما وجهة ، يكتشف ممملكا أخرى في ملكوت الرب ، و يقابل أطيارا و أطيارا ، و يتنفس الصعداء ، و يغير جلده الممل الذي اكتسبه في كنف مسكنه ، حتى إذا اشتاق إليه عاده ولهانا إلى ذكريات مضت ...
    دخل المسجد متعب البدن ، آثار السفر عليه بادية ، رغم أن القطار الذي أقله ، كان فارها جدا ، إلا أنه آمن دائما بحديث رسول الله صلى الله عليه و سلم الذي يقول في ما معناه ، أن السفر قعة من عذاب ! صلى فرضه و ما فاته ، و جلس يذكر الله تعالى ، ثم بدا له أن يخرج من أجل تفقد المدينة، مدينة فرانكفورت ، مدينة عملاقة جدا ، يمكن مقارنتها بالمدن الكبرى العالمية ، فهي تضم بين جنباتها ، أبنية ضخمة ، و كأنها غابة حية من الإسمنت المسلح ، في بهرجة من الأنوار تزين أذواق الناظرين إليها ! و لأن الجو صيفا كان ، صارت الأشياء أحلى خصوصا بعد حلول نسائم العشي المنعشة ، بعد معركة الشمس الضارية ، التي قضت فيها على كل شيء يحس ، أو أوهنته إلى درجة كبيرة ، و بالرغم من كثرة المباني الضخمة في فرانكفورت ، إلا أنها ضمت الكثير من المساحات الخضراء ، و التي استلقى فوقها الكثير من الشبان ، سواء كانوا من أبناء المدينة ، أو الأغراب الذين لا مأوى لهم ، من الذين حلوا بهذه المدينة ، و مصروف جيبهم ، لا يسمح باستأجار شقة في فندق ، و الحقيقة ، أن المرء في فصل الصيف في ألمانيا ، لا يحتاج إلا إلى كيس نوم ، من أجل الإختلاء في العراء ليلا ، تجربة ، كان يحب دائما أن يجربها ، غير أن القدر لم يساعفه يوما ، ثم قرر بينه و بين نفسه أن يخوضها هنا في فرانكفورت ، قرر لليلة أن يكون جزءا من الطبيعة التي عنها يكتب ، و أن يجرب تلك الأفكار المجنونة التي طالما راودته !
    دخل متجرا للملابس الرياضية ، و ابتاع منه كيسا للنوم ، و حرص أن يكون طويلا بعض الشيء ، ثم خرج ، و قصد محلات الأتراك اللذيذة ، و ابتاع منها ما طاب له من مأكل ، أحب المبخ التركي ، و تعلق به كثيرا ، كونه مطبخا يجمع بين الشرق و الغرب ، كطائر جميل هجين ، يستمتع الناظر بالنظر إليه و الإستماع إلى زقزقاته ...
    استقل الميترو ، و هو لوجهته جاهل ، اشترى كيس النوم نعم ، تحسبا لأي طارئ ، رمق سيدة عجوز داخل الميترو ، فذهب إليها مخاطبا :
    ــ عفوا سيدتي ، هل أنت من سكان هذه المدينة ؟
    هزت طرفها إليه في شبه إعياء غلبته ابتسامة فدحرته ، ثم أردفت قائلة :
    ــ نعم أيها الشاب ، أنا من سكان هذه المدينة ، كيف يمكن لي أن أخدمك ؟
    ــ أنا غريب عن هذه المدينة ، و أحب أن ترشديني إلى مقهى يطل على واجهة رومانسية ، و حبذا لو كان لا يقدم خمرا !
    ابتسمت و أردفت :
    ــ لا بد أنك من المسلمين !
    ــ نعم هو ذاك ، و الحقيقة ، أنني لم أعد أستغرب أن يتعرفني الناس من ديانتي ، فهل لطلبي عندكم من جواب ، أم أني أجر أذيال الخيبة فقط ؟
    ــ طلبك مجاب ، نعم هناك أماكن جميلة هنا ، جميل أن أصادف شخصا شاعرا اليوم يا ابني ، حسنا ، ستنزل في المحطة الخامسة ، و ستسأل عن مقهى باولو ، هناك مطلبك !
    ــ في الحقيقة سيدتي ، أنا كاتب ، يميل ميلا إلى الشعر ، و لكن كيف تعرفت ميولاتي هكذا بكل سهولة داخل الميترو ؟
    ــ لأن لغتك مختارة ، و كلماتك منتقاة ، كل الناس تتكلم ، و لكن قليل منهم من يتقن فن الكلام !
    ــ أها ، هذا الكلام لا يصدر إلا عن شغوف بالكتابة !
    ــ كلا كلا ، أنا إنسانة ، عادية ، إنما كانت الكتب مؤنستي ، فاقتبست منها ما جادت به علي حفيظتي ، هذا كل ما في الأمر !
    ــ حسنا سيدتي! أظن الطريق طويلة شيئا ما !
    ــ هذا أمر طبيعي ، فأنت في فرنكفورت ، مدينة عملاقة !
    ــ نعم !
    ــ هل لي أن أسال من أين أنت أيها الشاب ؟
    ــ أنا من بلاد اسمها المغرب ! موروكو
    ـ سمعت بها ، غيد أني لم أحض بعد بشرف الزيارة ، ظننتك من مصر !
    لماذا ؟
    ــ لقد زرت مصر في زمن ، و كانت نظرتي عن أهلها ، أنهم طيبون ، و شبابها فارعون في الطول سمر !
    ـ أولائك إخوتي
    ــ شيء جميل !
    ــ و هل لديك صديقة أيها الشاب ؟
    ــ كلا ، معتقدي ، يمنعني من اتخاذ خليلات ! فإن كان و لا بد ، فخطيبة ثم زوجة !
    ــ معذرة ، لم أقصد إهانتك !
    ــ لا عليك ، لم تهينيني أيتها السيدة ! أنت سألت فقط !
    ــ حسنا ، و هل لديك خطيبة ؟
    ــ كلا ليس بعد أيتها السيدة ، ما زلت أدرس !
    ــ معذرة على التطفل ، تمنيت من الخالق ، لو أن حفيدتي تتزوج أحدا مثلك !
    ــ تتزوج حفيدك من حفيد المسلمين ؟
    ــ القلب هو مكمن الإنسان أيها الشاب ، المعتقد يأتي في الجهة الثانوية !
    لم يحب أن يقطع دابر تفكيرها ، و تمنيها ، و لم يشأ أن يوضح لها هو بالذات أن الجانب العقائدي ، يأتي في الجهة الرئيسية ، فيما يخص اختياره لشريكة حياته ! رمقها بابتسامة على إطرائها شاكرة ، ثم قال :
    ــ أشكر لك إطراءك سيدتي ، فمثلي ، لا يستحقه !
    ــ لا يقول مثل هذا الكلام إلا خلوق !
    ــ هيا ، يجب علي مفارقتك هنا أيتها السيدة ، حان وقت الوداع ، تشرفت بلقائك ، إلا أني أحب أن تلقي نظرة على هذا الموقع ، إذا كنت من هواة زيار الإنترنت !
    ــ أوه ، الإنترنت ، قليلا ما أزوره ، من أجل المعلومات فقط ،و لكن ، حول ماذا يدور فحوى هذا الموقع ؟
    خاف و نفسه أن يخبرها ، فتنفر منه ، إلا أنه لم يترك الفرصة تمر فبادرها :
    ــ إنه موقع طريق السلام ، يوجد به الكثير من الأشياء الجميلة !
    ــ حسنا أشكرك أيها الشاب ، هيا اذهب ستتأخر !
    ــ ألقاك في يوم أيتها السيدة !
    ما أجمل هذه اللقى ، التي تكون عادة ، من دون تعارف بين ، بل حتى من دون تبادل الأسماء ، بل و يمكن أن تكون نقطة التحول في حياة الملتقين !
    أشيااء كثيرة تبادرت إلى ذهنه ، و هو يلقي الورقة في يدي السيدة ، أقلها كان أن تطرق الشرطة بيته ، بتهمة الدعوة إلى الإرهاب ، و الحق أنه لم يفكر في شيء ، إلا أن كل شيء كان لا يساوي شيئا في مقابل هداية هذه السيدة التي جاوت السبعين ، و تنظر إلى محطتها الأخيرة بعين غلفتها نظرة على التابوت الذي ينتظر جسدها الفاني ...
    خرج ، و سأل على مقهى بول ، فدلوه على مكان جميل فعلا ، و شكر السيدة المجهولة في نفسه ، أنها أحالته على هئا المكان ، فقد كانت المقهى ، تتوسط بحيرة كبيرة ، كأنها فيها مغطوسة ، و كانت أشجار الصنوبر على اليمين و الشمائل ، كمروحات عملاقة ، تثير نسيما حبيبا ، يثير في النفس الشوق إلى قضاء المزيد من الوقت في هذا المكان الجميل ، و كانت الطاولات بكراسيها البيضاء تصطف كإوزات كبيرة ، اختيرت دقتها بعناية فائقة ، كان الداخل إلى تلك المقهى ، كالداخل إلى حديقة من حدائق النعمان ، أو في غابة استوائية جميلة ، لا تسمع إلا صوت الطبيعة الهائل ، ينخر قلبك ، لتحس و تتذكر أنك جزء من هذا السحر الجميل ! أخذ مقعده على طاولة ، مقاربة للبحيرة ، و هي التي تعطي نظرة على أسماك تلاعب بعضها في أريحية تامة ، فزاده تشبثا بكل الأشياء المحيطة !
    لم يدر يعقوب يوما ، لم كل هذا التعلق بالطبيعة ، هو كشخص ، منغلق نسبيا على نفسه ، كيف يجمع بين التضاد ، فالطبيعة ، تحب الإجتماع بطبعها ، إلا أنه كان يتوقف كلما أتى منظرا طبيعيا ، كان يسكت عن كل شيء ، و كانت جوارحه تدخل في سكرة لذيذة ، و تدفع أصابعه دفعا إلى خربشات على ورق ، يجدها حينما يعود إلى المنزل ، كلمات يعجب بها قراؤه ، و لا يدري حقا ، كيف لكلماته أن تعجب أحدا ، و هو هو لا يعلم ماهية الجمال في كلماته ، فكل ما تكتبه يداه ، يعتبره هو شيئا عاديا ، وجب توفره في الناس كل الناس ، أن تبحر في عوالم المعرفة ، و تحاول الخلق و الإبداع ، الإنسان في ذاته ، مخلوق من أجل أن يبدع ، غير أن كل شيء نسبي ! أبطاله في كتاباته أحبابه ، و كان أن أخبره أحد قرائه ، أنه في كل مرة له يقرأ يحس نفسه ، في عالم آخر ، يحس نفسه ، مخرجا لفلم ، محققا أعلى الإيرادات ! نعم ، كره الكتابة من جهة ، و أحبها من جهات ، كرهها ، لأنها كانت سبب إطرائه ، كانت السبب الذي يجل الناس يتسابقون إلى مدحه ، و ترك كلمات الحب و الإطراء و الشكر على كل الكليمات التي يحيكها كل يوم ، فكان كلما أحس أن عمله ماش في طريق الحبكة ، حاولأن يجد مخرجا في أقرب طريق ، من أجل أن يبدأ مسلسلا جديدا ، أو حكاية قوية ، غير أنها قصيرة ! و أحب الكتابة ، أحبها لأنها عالمه ، و لا يتخيل نفسه في عالم آخر ، ذلك العالم الموازي الذي يسمى الكتابة ، متعة أن تخلق أبطالا من ورق ، أبطال يعيشون في رغد ، تتعذب أنت ، و هم يمرحون ، تسهر الليالي أنت ، و هم على ضوء القمر ، في عالمك ، الذي لا فصول فيه ، ينامون ، في براءة الهواء ! و حينما يبلغ منك الشوق مداه ، تحس بأيديهم الصغيرة ، تربت على جنادل شعرك ، و تصففه في كبرياء باسم ! هذه هي الكتابة ، ذلك العالم الحبيب ، الذي لم يخلق قلم يعقوب إلا من أجله ، يصونه ، كما يصون الغالي و النفيس في عيونه من درر ، و يأتيه كل مساء ن بما لذ و طاب من راحة النفس ، و هناء البال ، و سلطة القلم !
    ــ عفوا سيدي ، بماذا يمكنني خدمتك ؟
    أخرجه صوت النادل من حبل تفكيره ، رمقه يعقوب بعينين رومانسيتين ، كأنما هو من تأثير المكان و جمال البحيرة ، كتأثير البرق حينما تراه العين ، يبقى في صفحتها لثوان :
    ــ حليبا بقليل من القهوة أرجوك !
    ــ حسنا سيدي ، شيئ آخر ؟
    ـت سأطلب فيما بعد إن احتجت لشيء ، أريد الإستمتاع بمكانكم الجميل حاليا
    ــ هذا المكان من أفضل المقاهي في فرنكفورت
    أجابه يعقوب بابتسامة ، و شكره ، و بعد حين أتى بالطلب ، و كانت طريقة تقديمه ، تدل على جنسية صاحب المقهى فقال يعقوب :
    ــ صاحب المقهى إيطالي أليس كذلك ؟
    ــ بلى ، و هو يقطن منذ زمن هنا في هذه المدينة !
    ـ طريقة تقديم الطلبات جميلة جدا هنا ، أرجو أن تحافظوا عليها
    ــ شكرا جزيلا ، يسعدنا أن ننال إعجابكم ، تأمرون بأي شيء آخر ؟
    ــ حسنا في الوقت الراهن سأستمتع بشرب الحليب ، سأطلبك إذا احتجت شيئا !
    في الطرف الآخر من المكان ، اصطف مجموعة من الشباب على طاولة ، و بيان حالهم يوضح ، أنهم من طلاب الجامعة ، كانوا قريبين من العشرة أفراد ، و كان نصفهم على الأقل يرمقه بين الفينة و الأخرى ، و كانت تلك النظرات التي عليها في المانيا تعود ، تختلف من فرد إلى آخر ، لم يكترث إليها ، و هم بدخول عوالمه من جديد ، إلا أن صوتا أتى من خلفه ، جعله ، يعدل عن رأيه ...
    ــ عفوا ، هل لديك بعض من وقت أيها الشاب ؟
    رمق صاحبة الصوت بنظرة خاطفة ، أعقبها غض للبصر شديد ، مع استعاذة ، ثم أجاب :
    ــ بماذا يمكنني خدمتك أيتها الآنسة ؟
    ــ أريد مجالستك ، إذا أمكن !
    ما هذا الإحراج يا ربي ، لم يتعود هو يوما أن يخرج كلمة الرفض على لسانه ، طالما هو على الإجابة قادر ، زيادة على أن خياله كان مشغولا في تلك الساعة ، من أجل أن يجيب إجابة ديبلوماسية ، فقال بشكل أوتوماتيكي ...
    ــ هل تنتمين إلى مجموعة الطلبة هناك ؟
    ــ نعم بالفعل !
    ــ حسنا ، سأكمل الكتابة ، و إذا تبقى لي من الوقت شيئ ، سألتحق بكم !
    ــ حسنا ، أرجو أن لا تتأخر !
    ــ حسنا !
    لم يدر ما يفعل ، إنه يريد الإحتفاظ بنظافة مرآته في هذه البلاد ، ، و الشيطان يأبى إلا أن يوقعه في محظور النساء ، لماذا بالذات هي من أتت لدعوته ، لماذا لم يكن أحد من ذكورهم !!
    احتسى شيئا من الحليب ، و أغمض عينيه ، و صاحب ذلك كله تنهد من الأعماق ، جمع كل المشاعر المتضاربة في عمقه ثم خط شيئا من أشياء ، ثم تكلم ، ثم أغمض عينيه ، ثم سلم نفسه إلى حروفه ، تفعل فيه ما هي شاءت :
    أحيانا ، و ربما دائما ، أستغرب ، هجران الناس لسماء الكلمات
    ينسون دائما ، أن أول شيء يتسابق الإنسان لفعله
    كلماتـ ـ خربشات ، يحارب لسانه ، من أجل إخراجها كممثل مبتدئ خجول و حينما يفرًج عنه
    يدخل إلى سرداب الصمت ، و يبني هناك قصورا جدرانها من الصمت المسلح لبنة من خجل ، و لبنة من تردد و يتخلف قليل فالخير كل الخير ، أن تتخلف مع القليل
    و تبني قصورا من الكلمات ، يتفرج عليه الباقون
    متكئين على سرر الصمت في قصور صمتهم و ذات يوم إذا ظللت الطريق ستجد حتما ، حروفا ، ذات قوة رميتها فتدلك على وديان ألوانك و تقابل السمكات من جديد ...
    ليكن ابتساما في بداية الحديث ، فأنا لا أعرف كيف أصف هنا شعوري
    هناك حديث يسري داخل أحرفي ، تعرفته قبلا ، غير أن نعمة الرحمن النسيان
    عاشرته ، عرفت كنهه جيدا ، زارني قبل أيام ، فاعترتني دهشة شخص ، فارق شيئا ، و فوجئ به أمامه !
    تلك الشجرة العارية ، ألم تكن بالأمس وارفة الظلال كثيرة الأوراق ؟ أراقب احتضار الأوراق و سقوطها مودعة ، تاركة مكانها للجديد من الأوراق الوليدة ، تشغل مناصبها ، و تكسي الشجرة ألوانا أخرى من الحياة ، هذا اليوم ، رمقتها بنظرة مغايرة ، عن كل النظرات التي منها اختلست ، من أجل أن أحضى بشيء عنه أكتب ، هي الآن ميتة ، و في ربيع آت ، تحيى ، أتراها الآن آيسة !!! ؟
    أن تكتشف الطبيعة بعين الحقيقة ، تلك المتعة الحقيقية التي لا بد للإنسان أن يكتشفها يوما ، كل شيء في هذا العالم محكوم عليه بالفناء ، تذهب أشياء و تأتي أخرى ، تفنى أجيال و تعقبها من بعدها أجيال ، مخلفة ذكريات جميلة ، أو سيئة للعبرة ، المهم أن الكل يترك مكانه يوما ما للكل !
    غير أن الخوف إلى قلوبنا أقرب ، و تلك من الله رحمة !
    شاء يعقوب أم لم يشأ ، الموت كأس ، و الأمل يرقبه بعين ناعسة
    يعرف أنه إليه من رموشه أقرب ، غير أنه يطمع خيرا !
    المشاهد المعادة ، أحس معها بدفئ جميل ، لم يحس بها منذ زمن ، يا لها من حياة! ذاك الحزن الممزوج بطبقة فرح ناصعة ، و دموع تنزل على شرفات بسمة ، كل ذك يدل على إبداع لا محدود ، هي أشياء جميلة تلك التي استشعرها في أول لقاء له بها ، استرخى جسدي على الأريكة ، و رحت فيما يشبه الغفوة و أنا في شوق إلى غد مشرق ، أقابلها فيه تلك الثواني المليئة بألم وجِل ، فيه أقابل أفكاري التي طالما مجيئها انتظرت ، و على صوت المطر البكاء أنام ، و كان من أمري ما كان تلك الليلة ، فقد قابلت من حياتي الماضية شريطا ، و كانت فرحتي بها لا توصف
    هذا الصباح جميل جدا ، هكذا هو الربيع ، كطفل رضيع ، تارة يبكي حتى تحس الألم في دمموعه ، و تارة يضحك بإحساس الأطيار ، تحس بالسعادة الئهبية تغمر ضحكاته ، استغل فرصة هذا الجمال ليأخد مقعده المفضل أمام البحر الهائم في دنيا الأمواج ، و ما كادت ساعة هذا الصباح تدق حتى دق قلبه سريعا
    أشياء فعلها ، و لم يعرها اهتماما ، و اكتشف هذا اليوم أنها كانت كل الفرحة لولا أنه أهملها
    ثم إنه كانت ليلة ،
    فتحت كل الأبواب
    و استقبل الضوء فاتحا
    و انتشر عطر الفرح ، و عم الإبتسام المكان
    أن بريقا للعيون جميل
    قد حل هاهنا
    فرسم على الوجد ارتياحا نضاحا
    ثم إنه كان صباح
    ولد فيه أمل
    و كتب على صفحات القلوب
    23 5
    قد يكون بداية الحديث

    أدار وجهه ، صوب مجموعة الطلاب ، و كان الغروب قد ارخى سدوله على ساحات الليل ، و كان الطلاب لا يزالون مجتمعين على الطاولة المقابلة له ، فلم يشأ أن يخلف وعده ، خاصة ، و أن المجموعة ، تضم من الذكور أيضا ما تضم ، أشار على النادل أنه سيغير مقعده ، بالمقعد المقابل ، و في نفس الوقت دفع ثمن ما احتساه ، ثم لملم قواه ، و ذهب في اتجاه الطلبة :
    ــ أهلا ، مساؤكم فواح ، أنا مهدي يعقوب ، مغربي ، من شمال ألمانيا ، و جئت إلى مدينتكم ، من أجل اكتشاف عوالم السفر !
    رمقوه بشيء من الترحاب ، و ترجل أحدهم مخابا إياه :
    ــ أهلا يعقوب ، نحن من جامعة فزنكفورت ، قسم الحقوق ، كما ترى فاجتماعاتنا ، اجتماعات طلابية ، تميل أحيانا إلى اللون الأدبي !
    ــ يسعدني ذلك ، فأنا طالب صحفي ، و أحب مثيرا أي شيء يتعلق بالأدب ، حتى أني ألاحقه دائما أينما حل !
    ضحك الجمع ، و أفسحوا له بينهم ، ثم عرفه المخاطب على بقية أصدقاء ، ابتداء من نفسه :
    ــ أنا بيتر ، و سأبدأ من اليسار إلى اليمين : زاشا 22 يحب الجيتار ، كاترينا ، 23 هي من ذهبت إليك تدعوك ، مختصة في علم الكتابة البوليسية ، زيريل 24 صموت ، غير أن له صوتا جميلا ، بيتينا ، 20 ، أصغرنا ، و تعتبر طباخة ممتازة ، كلير ، 21 تهتم بالموضة ، بيتر 26 ، مرب للطيور ، ميشاييل 25 ، يهتم بالأطباق الطائرة ، ريجينا ، 22 ممثلة ، سام ، 24 مخرج مبتدئ ، و أخيرا سامانتا ، 22 و هي روائية مبتدئة .
    ــ يمكن القول أن الفن عاملكم المشترك إذا تكلمنا بمنطق الرياضيات
    ضحك الجميع ، و أجابوا بالإيجاب ، فقال يعقوب
    ــ و أنا يعقوب ، 24 ، روائي مبتدئ
    أجاب أكثر من صوت :
    ــ كل الشرف لنا يعقوب ، هيا انضم إلينا !
    ــ أرجو أن لا أزعجكم ، و لكني لن أنضم إليكم إلا إذا كانت جلستكم خالية من الخمر !
    أجابته كاترينا :
    ــ كلا كلا ، منا من لا يشرب الخمر هنا ، و نحن نحترم ذلك ، فلا نشرب إلا في ديارنا ، أو مع من يحبذ الشرب فقط !
    ــ حسنا !
    ــ من أي مدينة أتيت ؟ قال سام !
    ــ أنا من مدينة هانوفر ، عاصمة ساكسن السفلى !
    ــ أوه ، عاصمة الثقافة الألمانية ! هناك تتكلمون الألمانية الفصحى !
    ــ بلى ، و هو الشيء الذي شدني إليها ، لكوني أجنبيا ، وجب عليه التأقلم بسرعة مع اللغة الألمانية !
    ــ نعم معك حق !
    ــ حول أي موضوع تتحدثون يا ترى ؟
    ــ مناقشات طلابية فقط ، ليس هناك موضوع محدد !
    حسنا ، يشرفني أن أجالسكم ، و لكني أظن أن علي الذهاب بعد قليل ، من أجل البحث عن مكان للمبيت !
    ــ يعقوب ، الجو صيف هنا في المانيا ، و الحرارة عالية ، هل تمضي الليلة معنا في الحديقة الكبيرة ؟
    ــ سأرى ما يمكنني فعله !
    ــ حسنا ، فلتأخذ رقم هاتفي إذا أردت الإتصال ، في حالة لم تجد أنيسا !
    ـ أعدك بالمحاولة ، هات الرقم
    أملاه الرقم ، و استأذن منهم ، دلف من باب المقهى ، في اتجاه الميترو ، ثم دخل المحطة ، و استفسر عن مأوى الشباب فدُل عليه ، و لحظه الجميل ، وجد سريرا فارغا ، استلقى فوقه ، بعد طعام عشاء سريع في محل بيتزا ، ثم راح فيما يشبه الغيبوبة ، بعد يوم سفر شاق ...
     
  6. 7amil almisk

    7amil almisk مهدي يعقوب عاشق الأحرف

    J'aime reçus:
    173
    Points:
    63
    السفر ، ذلك العالم اللذيذ 2

    شغل قارئ أقراصه ، و كان الشيخ محمد حسان، يبدع أيما إبداع في إيصال ما أمره الله تعالى كعالم أن يوصله ، طريقته ، شدته إليه شدا ، زيادة على أنه من أقرب أصدقاء شيخه محمد حسين يعقوب الذي احتل المكانة الأولى في قلبه أايام الإلتزام ، غير أن الشيخ محمد حسان ، جذبه كمغناطيس قوي ، و الحق أن الشيخ محمد حسان كان طليق اللسان فصيحه في ما يخص اللغة العربية الفصحى ، و كان يعقوب يحي جبا جما من يحب هذه اللغة ، و يسعى في تدريب لسانه على إتقانها ، اللغة العربية أجمل اللغات ، أحب اللغات ، و أقرب اللغات تأثيرا في القلوب ، بل إنها تؤثر حتى في الأعاجم ممن لا يفهمونها ، أو الأميين من أمة العربي صلى الله عليه و سلم ! أخذ يستمتع بحديث الشيخ محمد حسان ، و هو محمل بحقيبة ظهر مملوءة بأسماله ، و في يده كيس حوى بعض العصير و الحلوى ، و بعض الفاكهة ، و لم يفته أن يقتني الشوكولاته ، التي التهمها سريعا ، مخافة أن تذوب كما يذوب الملح في الماء فيخسر مرتين ، يخسر ثمنها ، و يخسر حلاوة الشوكولاته ... و كان أن اشترى حذاء خفيفا من نوع الصنادل الجلدية ، و نظارات سوداء ، بالإضافة إلى قبعة كتلك التي يلبسها الصيادون على شاطئ البحر فكان كأمثال السياح الذين يأتون إلى بلده في مظهرهم ، يشابههم ، حتى أنه من نفسه ضحك ، حينما له صورته على نوافذ أحد السيارات تراءت
    اختار أحد الطرق الرئيسية ، حيث أوصله أحد السائقين إلى منتصفه ، فوجد في انتظاره ، حقولا شاسعة ، و مزرعة تتراءى في الأفق بعيدة في محاولة منه لأن يجد أحدا يوصله إلى حيث يقصد ، كان الجو صحوا صباحا ، و الشمس تضرب إلى الزمجرة ، تؤذن بظهيرة قوية تغلي منها الرؤوس ، و قد تعمد هو أن يتمشى في الطريق ، يستمتع بالحقول النظرة ، التي توحي للناظر إليها ، أنها بالذهب مغطاة !
    مرت سيارات ، واحدة تلو الأخرى ، غير أنه لم يلوح بعد لأحد ، اختار أن يتمشى قليلا ، حتى وصل إلى المزرعة المرئية ، و اقترب ، فباغته أحد كلابها ، غير أن هدوءه ، دغدغ هدوء الكلب ، فصمت ، و أتى إليه ، فربت يعقوب على فروة شعره ، و لاعبه ضاحكا ، فسمع صوتا يوحي صداه ببعده شيئا ما عن مكانه !
    ــ هالو ، بماذا يمكنني خدمتك أيها الشاب ؟
    بحث يعقوب عن صاحب الصوت ، فوجده ، رجلا في منتصف الخمسين ، بدين البطن ، بشارب جسيم ، فانتظر اقترابه ليجيبه :
    ــ أردت فقط أن أعلم كيف يكرم الناس عابري السبيل هنا في ألمانيا !
    ــ أوه ، لقد سألت عن عظيم يا بني ، هيا تعال ، ادخل ، فالحر شديد !
    ــ شكرا جزيلا ، أنا يعقوب من شمال ألمانيا ، و كنت ذاهبا إلى جنوب ألمانيا ، إلى ميونخ ، و وجدت مزرعتك هنا ن فأردت أن تسقيني شيئا من الماء !
    ــ بل أسقيك كل ما تريد ، تعال أعرفك أفراد عائلتي !
    ــ صراحة ، لم أتصور أن يصل الكرم بشخص ألماني ، أن يعرف شخصا غريبا عنه أسرته و يكرمه ، العديد من الألمان يصابون بوجل جراء لحيتي و ديانتي !
    ــ ليس الناس سواسية يا بني !
    ربت على كتف يعقوب ، ثم استطرد :
    ـ اسمي خوليو ، و أنا إسباني الأصل ، غير أني ولدت في ألمانيا ، والدي كان فلاحا ، و عيشتي كانت هنا ، لأصبح بالتالي فلاحا !
    ـت جميلة هي عيشة البادية ، عيشة صحية ، بعيدة عن كل المشاكل !
    ــ أصبت ، و ما اسمك أيها الشاب ؟
    ـ اسمي يعقوب ، نادني يعقوب
    ــ اسم جميل ! دعني أخمن ، أنت من أحد البلاد الشمال إفريقية صحيح !
    ــ بلى ، و الضبط من المغرب ، هل سمعت بهذا البلد ؟
    ــ بلى ! بلد جميل ...
    ــ أشكرك !
    لا شكر على واجب !
    كانت المزرعة أشبه ، بمعمل عملاق ، اجتمعت فيه أشياء كثيرة جميلة ، بالرغم من الرائحة النفاذة ، الناتجة عن أرواث البهائم ، إلا أن جو البادية ، أنساه إياها ، و كان خوليو بالفعل فنانا ، فقد أبدع في صنع منزله الذي كان يتوسط اسطبلا ، و خما كبيرا لتربية الدواجن ، من دجاج ، و إزو ، و بط ، ثم في الأمام كانت قطعة كبيرة من الأرض مدارة بسياج كبير ، زرعت بنواع شتى من الخضروات ، بالإضافة إلى أشجار مثمرة ، اصطفت كما تصف الأواني الجميلة ، و في الجوار كانت هناك بحيرة صنعها خوليو بيده ، كبيرة هي نسبيا ، تعيش فيها أسماك ملونة ، و حشائش خضراء هنا و هناك !
    ــ هذه زوجتي باولا ... خاطب يعقوب ثم قال لزوجته
    ـ باولا ، هذا يعقوب ، عابر سبيل ، طرق بيتنا طالبا شيئا من الماء ، فكان أن دعوته للدخول !
    ــ هذا شيء لا بد منه يا زوجي العزيز ، كيف نرد عابر سبيل ، أهلا بك أيها الشاب
    ــ أهلا سيدتي ، يشرفني أن أتعرفك ، أرى أن الفلاحة هوايتك المفضلة أيضا
    قهقه خوليو و قال :
    ــ بمن يستزوج فلاح في نظرك أيها الشاب ، لا بد له من زوجة تفهم باعه ، و طريقة عيشه !
    ــ نعم معك حق ، أشياء جميلة هي ، حياتكما حياة طبيعية !
    قطع حديثه مجيء أشخاص ، تبين من خطواتهم خلفه ، أنهم أكثر من شخصين ، فالتفت ، و سمع صوت خوليو يقول :
    ــ هؤلاء أولادي ، بيترا 7 ، مايك 19 و فريديريك 20 !
    رحب كل منهم به على حدة ، شكرهم ، و قال :
    شكرا لكم ، تذكرونني ، بماض عزيز على قلبي ، شكرا لكم !
    قال خوليو بترحيب زائد :
    ــ لا عليك أيها الشاب ، لا بد أنك منهم ، هل تريد أن ترتاح قليلا ، أم أن تفضل أن ترتاح بعد الأكل ؟
    ــ أكل ، لا لا داعي لإزعاجكم سيدي ، أريد فقط قارورة من الماء
    ــ لا بد أن تأكل من طعامنا ايها الشاب ، شيء معيب أن نتركك تذهب من دون إطعامك !
    فعقبت باولا بما لم يدع له مجالا للإعتراض :
    ــ صحيح ، ثم إن الخير كثير أيها الشاب ، أم أنك ممن يرفضون دعوة الداع ؟
    ــ كلا ، ما إنا إلا بشر عادي ، كيف أرفض دعوة افراد طيبين من طينتكم، و الحقيقة ، أنني بالفعل أحتاج لأتذوق طعاما طبيعيا خالصا كل حين مرة !
    ــ حسنا قال خوليو ، سأذهب لعمل ، هل تأتي معي أو تبقى مع الأولاد ؟
    أحرج يعقوب سؤالا ، ثم أردف :
    ــ بلى سآتي معك
    ــ هيا بنا أيها الشاب ، باولا ، ارسلي في طلبنا إذا نضج الغذاء !
    ـت فلتعذرني أيها الشاب على السؤال ، قالت باولا ، و لكن هل لي أن أسأل ما نوع اللحم الذي تفضل ؟ أظنك من العرب ، وهم لا يفضلون لحوم الخنزير ، صحيح ؟
    أجاب يعقوب باسما خجولا :
    ــ بلى ، هو محرم علينا أكله ، أفضل لحم البقر أو اي لحم آخر !
    ــ حسنا ، سأطبخ لحم البقر اليوم أيها الشاب ، و لا تنزعج ، فحيواناتنا ، يذبحها خوليو ، فلا نقتلها ، بل تذبح ذبحا !
    أجاب خوليو فيما يشبه الصرخة :
    ــ طبعا ، لا بد من أجل لحم صحي أن نخرج جميع دمه ، و هذا لا يتأتى إلا بذبح الحيوان ! هيا هيا يا يعقوب ، تعالى أعرفك مزرعتي !
    ودع يعقوب باولا و الأولاد ، ثم دلف مع خوليو ، الذي كان من النوع الألماني الذي يحب الحديث حبه لشيء عليه عزيز ، فاستطرد :
    ــ هذه المزرعة ورثتها عن والدي ، فليرحمهما الرب ، و قد أضفت عليها أشياء كثيرة من إبداعي ، كالبحيرة مثلا ، و بعض الإضافات ، كل شيء في هذه المزرعة عايشني و عايشته ، حتى أني لا أستطيع أن أبتعد كثيرا عن هذه المزرعة !
    ــ شيئ جميل سيد خوليو ...
    هذه المزرعة ، عاشت ولادة أبنائي الثلاثة ، و قد ربيت فيهم حبها ، و حب البذل من أجلها ، نعم هم الآن في سن ، تستوجب عليهم الذهاب إلى فرنكفورت ، من أجل الدراسة ، غير أنهم لم يتأثروا بالمدينة، فهم دائما يعودون إليها ! ثم إنني لست ممن يحبذ طرد أبنائه ، ليجبره على إيجاد سبيل حياته بيديه ، إنما أرعاهم ، ما داموا معي هنا ، و إذا أراد أحد منهم أن يعيش بعيدا ن فهذه سنة الحياة !
    ــ تذكرني بأيام خوالي في بلدي سيد خوليو ، هكذا كان أجدادي ، و الحق أقول أني لم أتوقع أن أصادف مثل هذه الأشياء هنا في المانيا ، و في هذا الزمان الذي يعتمد كل الإعتماد على الرأسمالية !
    ــ أيها الشاب ، لا معنى لهذه الحياة ، بدون اجتماع ، بدون دفئ إسري ، بدون أولاد تحبهم و يحبونك ، و بدون عابري سبيل ، تحسن إليهم ، و يكون الثمن ، الإبتسامة التي تُرسم على جباههم ، هذه هي الحياة الجميلة !
    أثر فيه قوله ، هذه أخلاق الرسول صلى الله عليه و سلم فعلا ، هذه أخلاقه بأبي هو و أمي ، كيف لرجل ألماني ، أن يؤويه في مزرعته ، و لما يعرفه ، إلا إذا كان شخصا ، يحب فعل الخير فعلا ، و لا ينتظر الجزاء ! بل إن هذه الطريقة في التعامل تعتبر اليوم ، ضربا من الغباء ، أن يثق المرء في كل من يطرق بابه ، و يدخله ، ليعرفه أسرته ، ضاربا بعرض الحائط ، كل شيء يمكن أن يسببه غريب له ، كالسرقة ، و القتل في بعض الأحيان ، و لكن حسبه هذه الروح المعطاءة ، التي انتهى زمنها حتى عند فئة كبيرة من المسلمين إلا من رحم الله ! بل إن الطريق التي انتهجها هذا الألماني الرومي ، في الترحاب به ، و التعامل معه ، لتشبه كثيرا معاملة الأقوام النصارى في عهد الرسول صلى الله عليه و سلم ، إنها السعادة في أبهى تجلياتها ، كيف لإخوانه ، يفجرون أمثال هؤلاء ، و يستحلون دماءهم ، و أجسادهم ، و أموالهم ، كيف بالله كيف !
    لماذا لا يحاول المرء إنقاذهم من النار بالأخلاق الحسنة ، أخلاق النبي صلى الله عليه و سلم ، في تعامله مع الكفار ، من أجل أن يجذبهم إلى الجنة ! أيُقتل أمثال هؤلاء ؟ و إذا قتل أمثال هؤلاء ، فمن للفساق فعلا منهم ! آه يا إخوان ! كم من نفس بريئة تقتلون ! بغير حق دماءم تستحلون ، و ماذا سيقال لرب الارباب يومذ !
    أشياء لم يجد لها جوابا حتى باغته ، صوت خوليو :
    ــ أجدك صموتا يا بني ، ما بالك ، أرجو أن يكون كل شيء على ما يرام ، أم أنك أوذيت من طرف أحد منا ؟ أخبرني و لا تتردد !
    ــ حاشا و كلا سيد خوليو ، إنما تفكرت في مزرعتك الجميلة شيئا من الزمن
    لم يشأ إخباره ، بحديث نفسه ، ربما ، لأنه لم يشأ إفساد الجو الجميل الذي أولدته معاملة هذه الأسرة الطيبة له !
    ــ جميل يا يعقوب ! انظر إلى هذا الإسطبل ، فيه 4 من الخيول ، و هي مؤنستي حقا ! هل تحب الخيول يا يعقوب ؟
    ــ حسنا أظن أن القدر قد أرسل إليك عاشقا للخيول ، نعم سيدي ، و أيما متعة هي ، تلك التي يحسها الفارس !
    ــ جميل جدا ، يبدو أننا سنتفاهم ، و قهقه بصوت عال !
    ــ بالطبع سيدي ، لا شك في ذلك !
    ــ و هنا قطيع من الخرفان ، و هناك بعض الدواجن ، ، المهم كل شيء هنا طبيعي ، و لا مكان للتصنيع !
    ــ عذرا سيدي ، و لكن هل لي أن أسألك ، هل تستغل إنتاج المزرعة فقط للإستهلاك الشخصي ، أم أنك تبيع من منتوجها شيئا ما !
    ـ بعض الحليب يباع أيها الشاب ، نعم ، و الباقي ، نلبي به حاجياتنا اليومية ، و نصنع منه بعض الزبد
    ــ شيء جميل فعلا ، و هل يغطي منتوج الحليب ، جميع مصاريف المزرعة ؟
    ــ شيئا ما ، هذا بالإضافة إلى بيعي لبعض الماشية ، كلما احتجنا إلى المال ، زيادة على أنني ورثت عن والداي ثروة كبيرة ، تغنيني عن العمل طيلة حياتي ، إنما أعمل فقط من أجل المتعة ، فأنت لا تتصور ، الإحساس الذي ينتاب الفلاح الذي يرعى شجرة منذ زرعها ، و حتى كبرها ، إحساس جميل ، كأخت أو ابنة ، تترعرع يوما بعد يوم !
    ـ نعم ، و لا يقول هذا القول ، إلا مرهف للأحاسيس !
    قهقه خوليو قليلا ، ثم قال :
    ــ أنا رجل عجوز أيها الشاب ، فلنترك الأحاسيس لمن هم في مثل سنك! كلمني عن نفسك قليلا أيها الشاب !
    ــ اسمي يعقوب كما أسلفت ، عمري 24 ربيعا ، أحب الحياة حبا جميلا ، و أحاول أن أكون فيها دائما عابر سبيل لا أكثر ، لا أترك مكانا فيها يشدني أكثر من اللازم ! أدرس الصحافة في هانوفر ، تلك البلدة ، عاصمة ولاية ساكسن السفلى ، ولدت في مدينة الدار البيضاء ، في المغرب ، و فيها شببت ، و فيها كان أول لقاء لي باللغة الألمانية ، و قد أحببت هذه اللغة كل الحب ، لدرجة أنني كنت فيها من الأوائل ، و في عام ، أحسست أن يجب علي أن أتحول إلى المرحلة القادمة ، و كانت ، وجهتي بلاد الالمان ، لم يوافق أبي في البداية ، غير أنه افق على مضض ، لحبه ، في أن لا يخيب أملا ما في قلبي كان ، ثم جئت هنا ، ثم مات أبي و أنا هنا الآن أحاول أن اصنع حياة تليق بمسلم صغير مثلي !
    ــ آسف من أجلك يا بني ! لا بد أن فراق أبيك كان عليك صعبا !
    ــ أوه سيد خوليو ، لو أجد الكلمة المناسبة التي تستطيع أن تصف إحساسي حينما أنا فقدته !
    ــ هكذا هي الدنيا يعقوب ، داخل و خارج ! فليرحمه الرب !
    ــ شكرا لك سيد خوليو !
    استأذن خوليو يعقوبا ، إلى عمله ، و جلس هذا الأخير ملقيا ظهره إلى كومة عملاقة من التبن ، وجد تحت ظلها ملاذا من الشمس ، و اقتفى السيد خوليو آثار والده ، و عمل بجد ، و راقبه يعقوب ، بشكل عفوي ، و هو يتذكر جده ، الذي كان أيضا فلاحا مقتدرا ، يا لهذه الحياة الهانئة ، حياة بدون قلق نفسي ، و بدون تلوث !
    هل تروق لك مزرعتنا يعقوب ؟ خاطبه صوت بيترا من أحد جوانبه ، فرد بالإيجاب قائلا :
    ــ نعم جميل فعلا ، هل تدرسين يا بيترا ؟
    ــ نعم أدرس في الإبتدائية في فرنكفورت ، و أحب دائما أن اقضي يوم السبت بين عائلتي ، !
    ــ حقا ! أنت مختلفة تماما عن البنات في مثل سنك ، حتى لباسك لباس محتشم !
    و كانت النظرة الأولى التي ألقاها عليها حين التعارف ، كفيلة أن تعطيه فكرة عن الفتاة ، حث كانت ترتدي تنورة طويلة ، تصل حتى حذاءها ، و لباسا يستر جميع جسدها الأعلى ، بل يغضي الذراعين حتى الكفين ، فكان لا يظهر منها إلا الوجه و الكفين إلا أنها لا تلبس حجابا !
    ــ نعم ، علمنا أبي أن الإحتشام جمال !
    ــ جميل منه فعل ذلك ، السيد خوليو !
    ــ نعم أعتقد ذلك أيضا ، أحبه كثيرا ، لأنه اب رائع !
    ــ جميل ، هل أتيت تبحثين عن شيء ، أم أتيت لمجرد التحدث ؟
    ــ كلا ، أتيت أدعوكما للغذاء ، هي أخبر أبي أن الوقت قد حان ، و اقدما أرجوكما ، فوالدتي بانتظاركما !
    ــ حسنا سافعل ، شكرا يا بيترا !
    ــ لا شكر على واجب ، أقفلت راجعة ، ثم نادى يعقوب السيد خوليو ، الذي كان يتجول بمحراثه :
    ــ سيد خوليو ، سيد خوليو ، الطعام جاهز !
    أوقف خوليو محراثه ، و قدم بشوشأ ، تعرف في وجهه متعة حب الطعام و قال :
    ــ هيا بنا أيها الشاب ، أنا متأكد أن طعام باولا سينال إعجابك ، فهي طباخة ماهرة !
    ــ يسعدني ذلك سيد خوليو !
    في وسط الحديقة ، وقفت طاولة مستطيلة الشكر ، و تراصت على حوافها كراس خشبية ، زينت ، بأقمشة ملونة ، زادتها رونقا ، جلس سعقوب إلى جانب السيد خوليو ، و جلس الشبان الثلاثة ، جنبا إلى جنب ، و وقفت الأم باولا ، تغرف للجلوس طعامهم ، كان العام متكونا من لحم بقر مطه على الطريقة الألمانية ، و بطاطس مسلوقة ، و صلصة الفطر ، و قبل هذا كله ، شكلت سلطة متنوعة طبق المقدمات ، و لم تنس باولا جلب الخبز ، خبزا منزلي الطهو ، و بعد هذا كله ، كان طبق البودينغ ، وجبة حلوة !
    لاحظ يعقوب أن الأسرة تتبع الصلوات قبل الأكل ، و كيف أن خوليو تلا شيئا من الإنجيل قبل بدئ الطعام ، فانتظر حتى انتهائهم ، ثم سمى الله و بدأ في الأكل ، أكل بطريقة محتشمة خجولة ، تخالف تماما طريقة أكل السيد خوليو الذي كان يصول و يجول في الطاولة ، بطريقة أججت ضحكه ، غير أنه و احتراما للعائلة المضيفة ، فقد أمضى كل وقت الأكل في الأكل و التبسم ، لكل إطراء مقدم من طرف أفراد العائلة !
    و لم تكن الوجبة صامتة مائة بالمائة ، فقد كانت أيضا وجبة تعارف بين أعضاء الأسرة و يعقوب ، الذي عرفهم نفسه بتفصيل قصير و تخللتها أيضا بعض من نكات السيد خوليو الذي كان رجلا باشا ، يكاد الناظر إليه يقسم أنه في الأربعين من عمره ، مش فرط حيويته ، و حبه للحياة ... ، كانت بالفعل ، وجبة غداء لذيذة !
    ...
    ــ كان غذاء لذيذا جدا سيدة باولا ، يجب علي القول أنه من أحسن الطعام الذي تذوقته في حياتي ، شكرا جزيلا لك على هذه التحفة !
    ــ لا داعي للشكر أيها الشاب ، يسعدني سماع ذلك ، هذا يعطيني المزيد من الشحنة و القوة أن أبدع أكثر في هذا المجال
    قهقه السيد خوليو و هو يمسح شاربه بمنديل قائلا :
    ــ ألم أخبرك يا يعقوب أنها طباخة ماهرة !
    ــ أجل ، مبارك أنت بهذه السيدة ، فلتكرمها كما هي تكرمكم ، الحق أن الأم شخص لا غنى له عن كل بيت ، و أدار نظره صوب الأبناء ، باحثا عن الإيجاب فقال مايك :
    ـت معك حق يعقوب ...
    كان الغذاء برفقة هذه العائلة متعة في حد ذاته ، لأول مرة منذ جاء إلى هذا البلد ، أتيحت له الفرصة قدرا أن يتعرف خبايا عائلة ألمانية جرمانية صرفة ، عن تقاليدهم ، عن حياتهم ، عن طريقة تفكيرهم ، و عن أشياء كثيرة كان يجهلها !
    ــ هل تريد شيئا من الشاي أو القهوة سيد يعقوب ، قال السيد خوليو ؟
    ــ أوه سيد خوليو ، يكفي ما قمتم به من أجلي ، سأذهب بعد قليل إلى أدراجي ..
    ــ هكذا بكل سرعة ، قال فريديريك ، نريد أن نتعرفك أكثر ، ابق هذه الليلة هنا ، و في الصباح غادر إذا أردت ، إذا وافقت ، لدينا أنشطة جيدة هنا ، سندعوك مثلا ، لشيء من الفروسية ، نعلمك الفروسية إذا أردت
    راوده ذكر الخيل عن رغبته في المغادرة ، و الحق ، كان خجولا من البقاء أكثر ، إلا أنه تمنى بينه و بين نفسه ، أن يكثروا عليه من الإلحاح ليبقى ، فسكت ...
    ــ هيا ابق يا يعقوب ، الأطفال بحاجة إلى من يؤنسهم ، قالت السيدة باولا
    ــ حسنا ، لا مانع عندي ، و لكني أستسمح عن كل الإزعاج الذي يمكن أن أكون قد تسببت فيه بحضوري عندكم !
    ــ لا تقل هذا ، فأنت في بيتي ، و أنا أرحب بعابري السبيل ، قال خوليو ، هيا ، هيا نشرب شيئا من الشاي في الداخل
    ــ حسنا أيها السيد الطيب !
    دخلا البيت ، و كانت أول مرة يدخله فيها منذ أتى إلى هذه المزرعة ، و كان بيتا غاية في الروعة و الإتقان ، من الناحية الجمالية ، حتى إن منظرة الخارجي ، لا يحيل بتاتا على جماله الداخلي ، و كان السيد خوليو من هواة القنص ، فزين جدران البهو بصوره و صور أصدقائه ، و كان البيت عموما مكونا من 3 طوابق ، إثنان منها للسكن ، و الطابق العلوي كان كما العلية ، دخل الباب ، و كان البهو 3 من الغرف عنه تتفرع ، دخلا إلا غرفة الجلوس ، حيث اسراحت فوق أرضيته 3 من الأفرشة الجلدية ، الكبيرة ، بالإضافة إلى كرسين هزازين ، و مكتبة عملاقة ، يتوسطها تلفاز ، و كانت المكتبة مملوءة عن آخرها بالكتب ، و المجلات المختلفة ، فأعجب غاية الإعجاب بذلك المنظر اللذيذ حتى جذبه السيد خوليو من إعجابه قائلا:
    ــ لا بد أنك دودة كتب أيها الشاب ، فنظراتك كما نظرات شخص عثر على جبل من الذهب !
    ــ الحقيقة لم أحب شيئا في حياتي أكثر من الكتب !
    ــ شيء جميل أن تكون مثقفا بالفعل ، حسنا ، يمكنك أن تأخذ راحتك في تصفح ما شئت ، و لكن بعد أن أعرفك منزلنا !
    ــ حسنا ، يشرفني ذلك !
    أخذه السيد خوليو ، و أدخله الغرف الثلاث التي تفرعت عن البهو ، و كانت كلها غرفا للنوم، جهزت بطريقة ، و عناية ، نمت عن ذوق السيدة باولا الجميل في العناية ببيتها ، و عرف فيها غرف الشبان الثلاثة ، حيث أن كل غرفة ، تحوي أغراض أحد منهم و صوره ، على يمين البهو كانت مساحة كبيرة ، تشغلها ، كاولة تستعمل في الأكل ، في الليل ، و أوقات البرد ، كانت عبارة عن صالة للطعام ، اصطفت فيها الكراسي بطريقة تقليدية ، و توسطت الطاولة ، باقة من ورود مختارة ، أمام هذه الصالة تماما ، كان المطبخ مفتوحا على الطريقة الأمريكية ، على صالة الأكل ، على يمين المطبخ ، و بمساحة كافية كان الحمام يشغل مساحة لا بأس بها من المكان توجها إلى الدرج المؤدي إلى الدور الأعلى ، حيث بهو متوسط مجهز بمكتبة بالكتب مليئة ، و غرفتان ، متوسطتان ، للنوم ، و حمام مستقل للإثنين ، ثم العلية ، حيث كل الأشياء المستغنى عنها !
    عادا إلى البهو الأرضي ، و كانت السيدة باولا قد أعدت الشاي و القهوة ، و دار حديث بين الثلاثة ، حول الكثير من المواضيع ، حتى أدرك يعقوب أن الوالدين ، أحسا بشيء من تعب ، فعلم بحدث ، أن الإثنين متعودان على القيلولة ، في هذا الوقت ، و هو الشيء الذي أكده السيد خوليو بقوله :
    ــ حسنا أيها الشاب ، سنتركك الآن ، و سنذهب لشيء من القيلولة ، إذا أردت أن تستريح قليلا ، فاختر أي غرفة من الغرف العلوية ، و استلق أرجوك ، اعتبر نفسك في بيتك !
    ــ شكرا سيد خوليو ، أظن أنني سأبقى مجاورا لعالم الكتب هذا ، و سأنتظر الأولاد ، من أجل أن نتجول قليلا في المزرعة !
    ــ حسنا كما تحب أيها الشاب ، بعد إذنك !
    ــ تفضلا أرجوكما !
    ــ اقتنى موسوعة ، عن عالم الفضاء و الكون ، و انكب على مطالعتها ، و تمكنت منه ، تمكنت من أخذه بين ثناياها ، حتى نسي الوقت و المكان ، هذا الكون اللامتناهي ، صنيعة البديع ، ياله ، من جمال ، فكيف يكون خالق هذا الجمال ؟ كيف يكون الناظر إليه ؟ كيف لا يخطف قلبه كيف ! أقسم و هو يطالع تلك الموسوعة ، أن من يشتهي رؤية وجه سيدنا و مولانا ، لا بد له أن يترفع عن هذه الدنيا ، يا سيدي و مولاي ، ما هذا الجمال ، كم أنت بديع ، كم أنت ... لا تستطيع وصفك الألسن ، و لا تقدر على إدراكك العقول ، سيدي و مولاي ، حبيبي و قرة عيني ، ربي خالقي و منشئي من العدم ، يزعمون ، أنك لا ترحم ، وو عزتك ، و جلالك لا تعذب من أحبك سيدي و مولاي سيدي و قرة عيني !
    ما أجمل أن تنسى الحياة العصرية لساعة من الوقت كل يوم ، تنسى دراستك وعملك والتزاماتك، لتعيش حياتك كالأطفال، تلك نصيحة علماء النفس، أيضاً الجلوس مع الأطفال لفترة من الوقت كل يوم يجعلك تشعر بأنك أفضل ومشاركتهم لعبهم ومرحهم.
    ما أجمل أن تجلس في الهواء الطلق وتسمح لنفسك بنزهة قصيرة لمدة ساعة من الزمن في أحضان الطبيعة، تلمس وتحس كل شيء بيديك الأزهار التي تكون في ملمسها كخد طفل صغير وأوراق الأشجار، تسمح للهواء بمداعبة شعرك و وجنتيك، تتأمل الطبيعة كما هي لا تلوث ولا ضجيج منتهى الهدوء والسلام. ترى دقائق أجزاء الوردة أمامك تويجاتها، أوراقها و النحلة فوقها تطير من زهرة إلى زهرة تجمع الرحيق وتنقل حبيبات اللقاح، تأمل خلق الله عز و جل، سبحان الخالق العظيم.
    كم هو رائع أن تسمح لشعاع الشمس الذهبي أن يلوّن وجهك وشعرك وع****، فيضيف جمالاً أخاذاً على جمالك الذي أبدعه الله تعالى، فلا تملك حين ترى إبداع الخالق على خلقتك إلا أن تقول :" الحمد لله الذي عافانا ما ابتلى به غيرنا، اللهم حسن خلقي كما حسنت خلقي" ، " اللهم متعنا بأسماعنا وأبصارنا أبداً ما أبقيتنا واجعله الوارث منا".
    إذا جلست في مكان عال نوعاً ما، بحيث ترى السماء فوقك مباشرة في منطقة خالية من المباني العالية، ستلاحظ أن الأرض كروية وكذلك ستلاحظ أن السماء تبدو بالعين المجردة دائرية مستديرة ……. سبحان الله.
    عندما تجلس في أحضان الطبيعة ستسمع الطيور والعصافير تغرد وبإختلاف ألوانها وأحجامها وأشكالها وأصواتها فهي تسبح خالقاً واحداً هو الله تعالى، وتستغفر لطالب العلم فهنيئاً له بدعاء الملائكة والطيور والدواب واستغفارهم له.

    بعد أن أكمل ، ذهب إلى الغرفة العلوية ، و أدى صلاته ، ثم عاد ، فوجد الأولاد في انتظاره ، يبحثون عنه :
    ــ أين ذهبت قالت بيترا
    ــ كنت أصلي ، معذرة، إذا أنا جعلتكم عني تبحثون !
    ــ كلا لا تعتذر ، و هل تصلي أنت أيضا ؟
    ــ طبعا يا بيترا ، أنا من المسلمين ، و أصلي أيضا ، و كيف تحلو الحياة بدون صلاة ، بالله عليك أرجوك !
    ــ جميل جدا أن تصلى ، و هل تصلى في الكنيسة أنت أيضا ؟
    ــ كلا نصلي في أماكن عبادة مخصصة لنا نحن المسلمين ، تسمى مساجد ، إلا أن ربنا ، أقر لنا أن نصلي في أي مكان من الأرض !
    ــ جميل ، نحن نذهب إلى الكنيسة صباحا يوم الأحد ، غذا نذهب ، هل تذهب معنا ؟
    ــ في غد شأن آخر !
    قاطع حديثهما فريديريك ، قائلا :
    ــ الآن يا يعقوب ، أنفذ وعدي لك ، هيا أعلمك الفروسية !
    ــ هذا إذا لم أعلمك أنا !
    ــ رباه ، و هل تمارس ركوب الخيل أيضا ؟
    ــ تلك متعة ، ما منت أقدر على تفويت الإحساس بها !
    ــ نعم ، إذا هيا ، ستتنازل بيترا اليوم عن حصانها ، اليس كذك يا بيترا ؟
    ــ لماذا أنا ، أريد أيضا أن أسابق يعقوبا !
    ــ ثم أردف مايك :
    ــ حسنا ، سنجري القرعة !
    قالت بيترا بشيء من الخبث الممتع :
    ــ حسنا ، نكتب على ثلاثة أوراق اسماءنا ، نكتب في الورقة الأولى فريديريك ، و في الورقة الثاني مايك ، و في الورقة الثالثة فريديريك
    ضحك الجمع ، ضحكا متواصلا ، ثم قال يعقوب :
    ــ لدي اقتراح آخر ، لماذا لا نتناوب ، يعني شيئا بشيء ، الوقت أمامنا ، و الجو صيف ، و هذا يعني أن وقت الغروب ما زال بعيدا في ألمانيا ، اليس كذلك ؟
    ــ بلى قالت بيترا ، فكرة جيدة ، و هكئا ، لن يضيع أحد منا على نفسه متعة التسابق !
    ــ تماما ، هيا بنا !
    تسابق الأولاد في الضيعة ، كأطفال صغار ، و كان يعقوب ، يعشق حد الثمالة ، الرجوع إلى الطفولة فعليا ، بالتسابق ، و اللعب البريء ، الذي لا تشوبه شائبة ! تسابق الأولاد ، حتى وصلوا إلى الإسطبل ، ثم أمسك كل بحصانه ، فقالت بيترا :
    ــ يجب أن تتعامل معها بلطف يا يعقوب ، فهي عدائية شيئا ما ضد من لا ترتاح له ! و لكن أظن أنك تحسن التعامل معها !
    ــ لا تقلقي يا بيترا ، أعتقد أني سأنجح في التعامل معها !
    ــ من سيسابق من الآن أيها الرفاق ؟ فلنبدأ أنا و غياك يا يعقوب ، قال فريديريك !
    ــ موافق ، إلا أن يعترض أحد من إخوتك !
    لا اعتراض ، هتف مايك و بيترا !
    ـ هيا يا يعقوب ، خذ حصان مايك أو بيترا !
    ــ حسنا سآخذ خصان مايك ، إنه جميل !
    ــ حصاني أيضا جميل ، اردفت بيترا !
    ــ لم أقل العكس أيتها الشابه !
    ــ حسنا ، هيا !
    امتطى يعقوب صهوة الحصان ، و كان حقا جميلا ، ثم أردف مايك :
    ــ سنلحق بكما أنا و بيترا على حصانها ، انتظرانا هناك !
    ــ حسنا !
    انطلقا ، و كانت متعة حقيقية ، ركوب الحصان ، متعة لا تضاهيها متعة ، و إنه حينما يمتطي أحدها ، ليعلم الحكمة من قول ابن الخطاب ، علموا أولادكم الرماية و السباحة و ركوب الخيل ! هذا الحصان يجري ، بكل طاقته ، لا يخفي عنك شيئا ، يحبك ، بقدر حبك له ، و يعاملك ، بحسن معاملتك له ، و يقتفي أوامرك ، كأنه جزء لا يتجزء منك ، بل و السرعة التي تنتج عن سرعته ، تحسها في شرايينك دماء تسرع الخطى ، تسابق الريح من أجل هدف غير معروف ، من أجل حب عن معلوم ، و من أجل نشوة مجهولة ، تزداد لذة كلما أنت جهلتها ! هكذا كان إحساسه ، و هو يمتطي الحصان ، الحصان ، حيوان جميل ، و ذكي ، بل و خدوم جدا ، يحب صاحبه ، بشكل لا يوصف !

    ــ أنت بارع في ركوب الخيل يا يعقوب ، قال فريديريك !
    ــ و أنت يا فريديريك ، مبدع أيضا ، و الدليل ، أنت سبقتني !
    ــ هذا فقط لأنك غير متعود بعد على حصان مايك ! و الحق أنك بارع ، لكونها المرة الأولى لك مع حصان !
    ــ هذا لأني أحب ركوب الخيل ، و أحب الحيوان ، و لأن الحيوان يحس بمن يحبه ، فإن الحب يرغمه على الإنقياد له ، حتى و إن نى هو التمرد في البداية !
    ــ جميل رد فريديريك !
    و مرت العشي هكذا ، سابقهم يعقوب ، فسبق هذا ، و سبقه ذاك ، و أحس بينهم بكل الصداقة و الود ، الذي يمكن لشخص أن يؤتيه شخصا آخر ، و حين غروب الشمس أقفلوا عائدين إلى البيت !
    ــ لقد كان وقتا ممتعا ، قال مايك !
    ـت أتفق معك يا مايك ، الأشياء هنا تمر كأنها قطعة من الأحلام !
    ــ قالت بيترا :
    ــ لا زال الوقت ممتعا ، سنلعب مع والدي لعبة : حذار أن تقع فريسة أعصابك !
    ــ أوه ، لعبة جميلة ، أحبها ، نعم ، لا مانع لدي من اللعب
    ــ مرحا صرخ مايك كطفل صغير
    حينما وصلا إلى المزرعة ، كان الليل باسطا جسمه على إقليم فرنكفورت ، ووجدوا السيدة باولا قد أعدت مائدة المساء ، و كانت تتكون من خبز و زبد ، و حليب ، شاي و قهوة ، و مربى ، و أجبان ، و الحق أنها كانت من أشهى الموائد المسائية التي تذوقها في حياته ، شيء جميل تلك التقاليد الألمانية العريقة !
    ــ اعتدت على شرب الجعة في هذا الوقت يا يعقوب ، غير أني أبدلتها اليوم بالشاي ، لعلمي ، أن الخمر يضايق حضرتك ، قال السيد خوليو !
    ــ هذا شيء جميل منك سيد خوليو ، ينم عن أخلاقك الرفيعة ، و الحق أن الكحول ضار بالصحة !
    ـ ليس بشكل كلي ، قال فريديريك !
    ابتسم يعقوب ، في تسليم ، كونه لم يحب أن يفسد جو ضيافته ، بحوارات حول تحريم الخمر و أضراره ، فابتسم لفريديريك ، و أتم أكله ، ثم حمد الله على نعمته !
    ــ و الآن ما رأيك يعقوب في لعبة : لا تكن ضحية أعصابك !
    ــ أوه سيدة باولا ، لن أنسى هذا اليوم الذي قضيته هنا بينكم ، فأنا أحب هذه اللعبة كثيرا !
    ــ و بعدها سنلعب السكرابل ، قال السيد خليو
    ــ أو ياااا ، هتفت بيترا !
    ـت سعدني كثيرا سماع ذلك ! هيا بنا لقد أعددت مائدة اللعب في الداخل
    و كانت ، ليلة سعيدة جدا ، أمضى أوقاتا جميلة برفقة تلك العائلة ، و نام نوما هنيئا ، قرير العين ، هانئ البال ...
     

Partager cette page