مسرح الداوديات: أعصاب الزروالي ومفاتن أحرار

Discussion dans 'Nouvelles (9issass 9assira) & Chroniques' créé par @@@, 21 Octobre 2010.

  1. @@@

    @@@ Accro

    J'aime reçus:
    252
    Points:
    83
    لا أدري كيف تسربت إلى ذهني تلك اللحظات الجميلة التي قضيتها برفقة الأصدقاء في مسرح دار الثقافة في الداوديات وأنا أتابع النقاش ' الساخن' الذي يدور هذه الأيام بين المغاربة حول المشاهد التي أدتها الممثلة المسرحية لطيفة أحرار، تمنيت لو حضرت العرض لأستمع لصديقي الناقد عبد الهادي وهو يمجد الجسد ولغة الجسد، أم تراه سيقول إن لطيفة خرجت عن البنية المركزية بلغة علماء الاجتماع وأفسدت ذوق هؤلاء الأمهات مع أزواجهن، وأولئك النسوة مع عائلاتهن، وجعلت كل هؤلاء الجمهور مضربين عن المسرح إلى أجل غير مسمى.

    أعترف بأن صديقي عبد الهادي مستاء من العروض الركيكة التي كان يقدمها هؤلاء الممثلون من على الخشبة، ولكنه في كل مرة يؤكد أن لحظة الفرجة ستأتي لا محالة، وأنه سيأتي يوم سنستمتع من خلاله بعرض مسرحي سيفتح شهيتنا على نقاش آخر غير النقاش الفلسفي أو السياسي، نقاش مسرحي يمكن أن تتداخل فيه شتى صنوف المعرفة: علم الاجتماع وعلم النفس، التاريخ والسياسة، اللغة والسيميائيات ...

    وذات مساء من مساءات مراكش الحمراء، أخبرني الصديق عبد الهادي بأن الممثل المسرحي عبد الحق الزروالي سيعرض مسرحية عن الروائي الشهير ' نيرودا'، وقال لي بأنها فرصة نادرة للتعرف على المسرح الفردي وتقنياته ... ولجنا قاعة المسرح، اخترنا مقاعدنا بعناية، وبدأنا مشاهدة عرض الزروالي الممتع، حيث أمتعنا بلغة عربية فصيحة، وفي ثنايا العرض لغة الفيلسوف، قصائد الشعراء، أنغام الموسيقى، ومشاهد النور والظلام، الفرح والغضب، واللعب على أعصاب الجمهور.

    نعم، اللعب على أعصاب الجمهور، طريقة نادرة في الأداء المسرحي، وتشبه إلى حد كبير المسرحية الشهيرة لـ ' صمويل بيكيت' والتي دفعت بالجمهور إلى الشجار والتطاحن، حيث فتحت المسرحية النقاش في المجتمع الفرنسي وتساءل الناس عن سر تلك المسرحية التي جعلت الجمهور يتشاجر .. لقد ترك الزروالي الجمهور يتساءل أثناء العرض عن سر غضبة الممثل، وكانت بجانبي طالبة جامعية تقول لصديقها إن الجمهور المراكشي لا يستحق المسرح، والطالبة الغبية لا تعلم أن الممثل يريد في تلك اللحظة متفرجا غاضبا كي يمنح للأداء قوته وسحره.

    تمكن الزروالي بمفرده من أن يتحكم في كل هؤلاء الذين حضروا عرضه المسرحي. ممنوع على الطفل الصغير أن يبكي، ممنوع على أي متفرج أن يتكلم أو يعلق على المسرحية .. جميع الحاضرين كانوا محمري الوجه وغاضبين، لست أدري هل كان غضبهم على الجمهور غير المتحضر أم على الممثل الذي لا يرحم، فأي همسة يمكن أن تفجر غضب ' نيرودا'، لقد وصل به الغضب إلى أن يصدر الأوامر لتقنيي الصوت والإضاءة ويحذرهم من التثاقل والتساهل في عملهم، ووصل به الغضب إلى مغادرة الخشبة والذهاب عند الجمهور للضغط على أعصابه أكثر ووضعه في سر ' المسرحية الغاضبة'.

    وبعد انتهاء العرض، خلقت المسرحية جدلا واسعا وسط الحاضرين، وكل ذي رأي يدلي بدلوه حول أداء الزروالي، وكم كانت المفاجأة أن الجمهور أجمع على أن الأداء كان متقنا .. وشاءت الأقدار أن لا نلتقي أنا وعبد الهادي مرة أخرى في مراكش لنقيّم الأداء المسرحي للطيفة بعد أن ' رشحت' ملابسها قطعة قطعة، قد نتفق أو نختلف حول ذلك، ولكن مربط الفرس في القضية يكمن في المرجعية الفكرية العقدية، إن كانت لطيفة دهرية تؤمن بحيوانية الإنسان فالأداء مقبول في تلك الحالة، وإن كانت مسلمة تؤمن بالله ربّاً فعليها أن تنتظر غضب المغاربة المسلمين عليها.

    المشكلة التي تعاني منها الثقافة في بلادنا مشكلة منهجية بالأساس، وهذه المشكلة تثير اللغط بين الحين والآخر، لذلك لن ينتهي الجدل حول حدود الثقافي والأخلاقي إلا بعد حسم هذا التحديد المنهجي. النقاش سيظل عقيما لاختلاف مرجعية كل طرف على حدة، إلا أن المسألة التي لا ينبغي التفريط بها هي مسألة الحرية، والحرية غير مطلقة في الاجتماع البشري، وعندما تتعارض الحرية مع الفطرة تصبح تلك الحرية جنونا، والجنون يهبط بالإنسان إلى مرتبة الحيوان


    محمد داير

    http://www.alquds.co.uk/index.asp?fname=today\21qpt81.htm&arc=data\2010\10\10-21\21qpt81.htm
     

Partager cette page