نكتة جزائرية.. نظام فاسد يحارب الفساد!

Discussion dans 'Nouvelles (9issass 9assira) & Chroniques' créé par @@@, 10 Février 2010.

  1. @@@

    @@@ Accro

    J'aime reçus:
    252
    Points:
    83
    من حق الجزائريين أن يفرحوا ويستبشروا بقرب نهاية الفساد في البلاد وهم يقرأون تقارير صحافية عن اعتقال وفرض الرقابة القضائية على مسؤولين وموظفين سامين في وزارات وشركات وطنية كبرى بتهم التورط في قضايا اختلاس ونهب المال العام، ولعل تفاؤل الجزائريين يزداد اتساعا عندما يقرأون في الصحف أن رئيس الجمهورية قرر إخراج سيف الحجاج وقطع كل الأيادي التي امتدت لسرقة أموال الدولة.

    أما أعظم ما قرأناه في الأيام القليلة الماضية هو أن فخامة الرئيس عبد العزيز بوتفليقة قرر أن يحول ملف محاربة الفساد في الجزائر إلى جهاز المخابرات حتى تكون النتائج مضمونة، ولعل هذا ما دفع أحد الزملاء إلى الاستنتاج بأن (تكليف رئيس الجمهورية جهاز الاستخبارات العسكرية بمعالجة قضايا الفساد الكبيرة، يكشف عن إرادة سياسية جريئة لتوقيف هذا السرطان الذي ينخر هذا البلد، وأن اختيار الرئيس لهذا الجهاز هو خيار الحسم مع الفساد، حتى وإن دلّ على فشل أو إفشال كل أجهزة الرقابة والمحاسبة الأخرى، وبعضها موضوع تحت يد الرئيس)، ثم يضيف في تعليقه المتفائل أن (نشر ومتابعة قضايا الفساد من طرف جهاز الاستخبارات العسكرية، وهو جهاز مهاب الجانب ويحظى حتى الآن بسمعة نظيفة في هياكل الدولة الجزائرية، سيضع كل الفاسدين السابقين واللاحقين في محنة وخوف شديدين، وسيقطع يدهم عن الامتداد لأموال هذا الشعب).

    أنا لا أريد هنا أن أفسد فرحة أي جزائري يرى في ما تتداوله الصحف المحلية هذه الأيام من حراك ضد الفساد خطوة حاسمة من شأنها أن تجعل شمس الجزائر تشرق على غد خال من الفساد وتسود فيه العدالة، كما أنني أحجم عن التشكيك في سلامة نية أي زميل أو أي جزائري آخر يعتقد مخلصا أن الاستخبارات العسكرية أو أي جهاز أمني آخر يمكنه أن يقطع دابر الفساد المستشري في البلد بجرة قلم. ولو عدنا بذاكرتنا إلى سنوات كثيرة خلت لوجدنا أن كلاما كثيرا مثل هذا قد قيل وكُتب وأن كثيرا من المسؤولين وكبار الموظفين قد حوكموا وأقيلوا وألصقت بهم تهم الفساد، لكن ماذا حصل بعد ذلك؟ هل قُضي على الفساد قضاء مبرما وهل صار المال العام محصّنا لا يقربه أحد؟

    أسئلة لا تحتاج إلى جواب، لكني أستسمح القارئ الكريم لأذكره بحالتين فقط تتعلقان بالحروب الموسمية التي تشنها السلطات الجزائرية ضد الفساد، الأولى كانت في بدايات حكم الرئيس الشاذلي بن جديد عندما أصدر مجلس المحاسبة قرارا يتهم فيه بعض رموز النظام في عهد الرئيس بومدين بالفساد واختلاس المال العام، أحد هؤلاء المتهمين باختلاس المال العام كان اسمه عبد العزيز بوتفليقة الذي بقي على هامش الحياة السياسية إلى أن دارت العجلة واختير ليكون رئيسا للجمهورية الجزائرية.

    أما الحالة الثانية فتتعلق بمحاكمة واحد من أسمى ضباط الجيش وقتها، الجنرال مصطفى بلوصيف الذي أدانته المحكمة العسكرية وحكمت عليه بالسجن بتهمة الفساد واختلاس المال العام واستغلال منصبه كأمين عام لوزارة الدفاع لتحقيق منافع شخصية له ولعائلته، ولم يقض الرجل إلا جزءا يسيرا من الحكم الصادر ضده في السجن قبل أن يقرر الرئيس بوتفليقة في سنوات حكمه الأولى إعادة الاعتبار له ومنحه جواز سفر دبلوماسيا، وقد توفي الجنرال بلوصيف الشهر الماضي وأقيمت له جنازة رسمية حضرها رفقاؤه في المؤسسة العسكرية إلى جانب الرئيس الأسبق الشاذلي بن جديد الذي وقع على قرار تنحيته من الجيش على خلفية اتهامه بالفساد، وقد دُفن الرجل في مقبرة العالية التي يدفن فيها عادة كبار رجال الدولة.

    كثير من الجزائريين يعلمون أن الحرب على الفساد لم تكن يوما نابعة عن نية صادقة ولم تكن على مدار مواسمها إلا عبارة عن تصفية حسابات أو محاولة لتحويل اهتمام الرأي العام عن قضايا أهم وأخطر ولا شيء يدل اليوم على أن الكلام الذي يتردد عن محاربة الفساد ومحاسبة مسؤولين سامين على غرار الأمين العام لوزارة الأشغال العمومية أو المدير العام لشركة سوناطراك يمكن أن يكون توجها صادقا من السلطات العمومية لقطع دابر الفساد في الجزائر.

    ولنكتف هنا بشركة سوناطراك وهي لمن لا يعلم الشركة الجزائرية المكلفة بتسيير وتسويق الثروات النفطية في الجزائر، أي أنها البقرة التي تُرضع الجزائريين على اعتبار أن النفط يمثل حوالي 97' من مداخيل البلد على مر العقود الأربعة الخالية وأي حديث عن الفساد في هذه الشركة التي تعتبر بمثابة دولة داخل الدولة لا يثير في أي جزائري أي استغراب أو دهشة مهما كانت المبالغ أو منزلة الأشخاص المتهمين، وقديما نُقل عن الرئيس هواري بومدين قوله إن الذي يشتغل في العسل لا بد أن يلحس أصابعه فكيف يكون الحال مع شركة سوناطراك التي يتفاخر مسؤولوها على الجزائريين بأنهم هم الذين يعولونهم ويوفرون لهم خبز يومهم في السراء والضراء؟ لا أحد يجرؤ على محاسبة أي مسؤول في سوناطراك لأنه يستفيد من أموالها لشراء مساكن في الخارج أو لتدريس أولاده في أرقى الجامعات الغربية أو حتى للتمتع هو وعائلته بإجازات موسمية في أبهى مناطق العالم وشواطئها.

    الفساد في سوناطراك ليس وليد اليوم ولم يأت مع مديرها العام المدان، بل هو قديم قدم الشركة ومستمر معها لسنوات طويلة قادمة. وعلى من لا يريد تصديق هذا الكلام أن يجيبنا على سؤال واحد فقط من الأسئلة التالية: كم تبلغ ميزانية سوناطراك؟ ما هي بالتحديد مداخيل الجزائر من النفط والغاز؟ أين توضع أموال سوناطراك؟ ما هي بالتدقيق الأموال التي تصرف من خزينة سوناطراك وما هي الجهات التي تستفيد منها؟ كم شركة أجنبية تتعامل مع سوناطراك وما هي طبيعة وقيمة العقود التي تربط سوناطراك بهذه الشركات؟ أين يذهب بالتفصيل نفط وغاز الجزائر ومن يتولى تسويقه كله؟ كم عدد المنح الدراسية والتدريبية التي توفرها سوناطراك ومن هم المستفيدون منها بالأسماء؟

    أسئلة كثيرة متداخلة لا تنتهي ولا أعتقد أن كثيرا من الجزائريين يمكنهم الاطلاع على أجوبة ولو بسيطة عنها بل حتى طرح مثل هذه الأسئلة قد يكون من المحرمات.

    عندما كان سعر برميل النفط يتراوح بين ثلاثين وستين دولارا كانت ميزانية الدولة لسنوات عديدة تعد على أساس سعر البرميل بـ19 دولارا، وكثيرا ما كان يحاول البعض التساؤل عن مصير الفرق بين سعر البرميل الحقيقي وسعره الافتراضي وفق ميزانية الدولة فلم يكن هناك جواب بل كانت الحكومة مستمرة في تضليلها والبرلمان يسايرها في عملها بالمصادقة على الميزانية العامة بأرقامها الخاطئة.

    أليس هذا هو الفساد بعينه أو لنقل الإشارة الخضراء لإطارات سوناطراك وباقي موظفي الدولة الآخرين بممارسة الفساد واختلاس المال العام؟

    وإذا كان الفساد يمارس في أعلى مستويات الدولة والشعب هو الضحية الأولى فكيف لنا أن نتصور يوما أن يخرج علينا يوما رجل خارق يعيد الأمور إلى نصابها، اللهم إلا أن يكون رجلا كوميديا شبيها بدون كيشوت محارب طواحين الهواء.

    للفساد في الجزائر أصوله وجذوره التاريخية والسياسية وزواله لا يمكن أن يتحقق إلا بزوال أسبابه ومسبباته. ولنبدأ برئيس الدولة نفسه، هل يستطيع فعلا أن يحارب الفساد والمفسدين بمجرد أن يؤكد على ذلك في خطبه وقراراته واللجان التي يؤسسها لهذا الغرض؟ لا نصل إلى حد التشكيك في نزاهة فخامة الرئيس ومحيطه، فأمر ذلك عند الله وعند جهاز المخابرات، لكن لنتساءل فقط كيف يمكن لرئيس وصل إلى منصبه بطرق أقل ما يقال عنها إنها غير ديمقراطية ولا نزيهة أن يشهر سيفه ضد الفساد ويضمن للجزائريين حدا أدنى من الشفافية سواء في العمل السياسي أو ما يرتبط به من قضايا مالية؟

    ولنسلّم فرضا أن الشعب هو الذي اختار فخامته ليكون رئيسا عليه، أليست هناك جهات وشخصيات عملت على أن يصل فخامته إلى درجة مرشح الإجماع ثم حركت نفس الجهات الآلة الانتخابية لتضمن له فوزا كاسحا وأيضا لتبعد عن طريقه أي مرشح يمكن أن يزاحمه في أصوات الشعب؟ هذه الجهات والشخصيات تبقى دائما وأبدا صاحبة فضل على الرجل إن لم نقل إنها أيضا أمامه بالمرصاد إذا سولت له نفسه يوما أن يخرج عن بيت الطاعة كما تراها هي. نفس هذه الجهات أو الجهة التي تقرر من يكون رئيسا على الجزائريين تحدد أيضا عدد وهوية الأحزاب السياسية التي يُسمح لها بالنشاط العلني الرسمي وتقرر أيضا من يجوز له الظفر بمنصب في البرلمان بغرفتيه ومن يكون في باقي مناصب الإدارات المركزية والمحلية الأخرى. نفس الجهات أو الجهة التي تقرر من يحق له أن يمثل العمال في النقابات المهنية ويمنع ما عدا ذلك من الترشح لمناصب قيادية في النقابة الرسمية ولا حتى تأسيس نقابات مستقلة. هي نفس الجهات أو الجهة التي تقرر إلى متى ستظل الجزائر تحكم بقانون الطوارئ وإلى متى سيبقى الرئيس رئيسا والوزير وزيرا والمدير مديرا ومتى وكيف يتغير دستور البلد لخدمة هذه الأهداف. أما حرية الرأي وحرية الشعب في اختيار حكامه فلا تختلف في هذه الحالة عن المقولة الفلسفية عن الحرية التي تتحدث عن (الثعلب الحر في الخم الحر).

    روى لي قبل عدة سنوات رئيس حكومة سابق أن مديرا سابقا في أحد أجهزة الأمن الجزائرية في عهد الحزب الواحد أخبره أن إدارته كانت تحرص أشد الحرص على أن تختار لعضوية اللجنة المركزية للحزب الحاكم نسبة معينة من الناس الذين تملك ضدهم ملفات فساد مالي وأخلاقي، الغرض من ذلك بطبيعة الحال هو التحكم في مسار واختيارات وتوجهات الحزب السياسية والوطنية.

    الجزائر تحولت من عهد الحزب الواحد إلى عهد التعددية السياسية، لكنها كما لا يخفى على أحد تعددية على المقاس يختار لتنشيطها أناس من نفس شاكلة اللجنة المركزية للحزب الواحد. وأتوقف هنا على أمل أن يأتي على الجزائر يوم تتغلب فيه على الفساد على جميع مستوياته وقطاعاته، لأن اختلاس المال العام ليس وحده الفساد الذي ينخر البلد.


    خضير بوقايلة :' كاتب وصحافي جزائري





    http://www.alquds.co.uk/index.asp?f...D6%ED%D1%20%C8%E6%DE%C7%ED%E1%C9&storytitlec=
     

Partager cette page