نهر و عين - 1

Discussion dans 'Poésie, littérature' créé par Rida, 2 Avril 2010.

  1. Rida

    Rida Accro

    J'aime reçus:
    169
    Points:
    63
    نهر و عين - 1 -

    العين...

    هل جاءك يوما أن نهرا اشتاق إلى عين ؟ بكل معنى الشوق الممزوج برقيق الإحساس و شديد الانفعال...

    لست أحدثكم عن العيون المزيفة المتبهرجة بأصباغ مصطنعة... المقصوصة الشعر الطويلة الأظافر... ذات الكعب العالي و الرداء القصير و اللكنة الفرنسية... ولا عن العين السافرة على الشارع المتسكعة على الرصيف العارية على المسابح...

    كلا، فتلك عيون أأسف على انحرافها، و أشفق على بؤسها، و أسأل الله لي و لها العافية.

    بل أحدثكم عن عين قمة في عذوبة الجمال الطبيعي... روعة في إبداع الخلق... أحاول تشكيل الطريق إليها من جديد... لأنفض عنها غبار النسيان... و أخرجها شابة من إهابها العجوز... فينبثق لي برعمها بعد يبس الجذوع... ويسقيني ماؤها بعد قحط القلب الذي تطاولت عليه العهود... فأتعلم منها عشق الأصالة على صبابة الصبا... و أظفر منها و لو بنظرة عطف... ألتقط سناها من على شواطئي البعيدة... و هي تبيح لي مداعبات أمواجي على صخيرات ساقيها التي انحسرت عنهما "جلابيتها" العتيقة ذات "القُب" المتربع على شامة محياها -يا دام عزها- المستحيي خلف"نقابها" كشعار للعفة و تاج للوقار.

    عين رقيقة وديعة... تقية نقية... تحب الله و رسوله... تقرأ رياض الصالحين... و تعلمني دعاء الحامدين... و التعوذ من الشياطين... و دعاء حفظ القرءان... و دعاء الباحثين عن طهر القران.

    عين بارعة... كل ما يصدر عهنا فن عفوي... بديعة بطبعها دون تكلف... تشكل التراب ذهبا... و تنسج الخيوط حريرا أملس الخدين... ناعم البشرة... يفوح عنها أريج الحضارة... و تعلق على جيدها عقيق الآمال.

    عين حرة أبية... كادحة لا ذلول... تحب يدها و تعيش منها... فبيدها تعد شرابها المفضل... و بها تخصف نعلها المطرز... و تصقل آنيتها الأنيقة... و تمشق حليتها الرشيقة... بها تفرز الشهد و تعد الحلوى و تطبخ الطعام... و بها تنسق الثوب و تصف الشعر و تزين وجهها القمري بأبهى السمت... مكتفية بجمال أنوثتها، و غيوم سماءها، و نجوم فضائها، و عذوبة ماؤها.

    ما تزال أول زيارتها لنا في بيتنا محفورة في ذاكرتي كأثر عاشق على شجرة شهدت ميلاد صبابته الأولى... و أنا يومها طفل لم يتضح مشروع رجولته بعد.

    كانت مياسة القد... لها وجه صبوح... و شمائل لطيفة و منطق عذب... في مشيها اختيال و حياء، و جرأة و وقار... محتارة مع "تكشيطتها" الرفيعة الطويلة الذيول... ترخيها على الأرض كأنها إحدى كرائم نساء قصر الخلافة على عهدها القديم... حتى إذا أربكت أثوابها خطواتها حملت أطرافها فأركزتها في حزام نطاقها الذهبي المرصع بكريمات الأحجار... و من شعرها تعلو خصلة، و تنزل أخرى، و تستدير ثالثة على جوانب الوجه القمري... يتوسط شعرها مفرق يسير في خط مستقيم، كأنه شريط ناصع البياض وسط حقل من زهور الكامليا السوداء...أو شهاب يشق ظلمة الليل... أو شعاع أمل يدفع وساوس اليأس...
    في عينها حور... ناصعة بياض العين قاتمة سوادها...تتركُك عينها في حيرة من أمرك... تقول هي مكتحلة و تقول لا... شفتاها مخضبة بأحمر حي كأنها دعكت بورد البراري... بين الفينة و الأخرى تخرج منديلا بحجم كف اليد و مرآة، لتمسح عن شفتيها ما انداج من ترياق "سواك" لحاف الجوز... و يداها مخضبتان بأروع زخارف الحناء... بدمالج تلمع في المعاصم... و خواتم تتوهج في الأصابع... و أنا أنظر إليها في ذهول تام... تخامرني مشاعر مختلطة لم أكن أتبين كنهها يومئذ.

    كانت عينا رائعة... في نعمة سابغة و مجد تليد... نموذج للوجاهة و قوة الشخصية... مثال للسيدة الفاضلة... إذا تبتلت أحسنت القنوت... و إذا نطقت استعذبنا منطقها... و إذا تحدث أجادت الحديث... لها إلمام بالثقافة المغربية الأصيلة المنطوية على الحكم الشعبية، و الأمثال المحكية، و النكت المروية... بل و ربما حتى ببعض الأحداث السياسية... و تعي حتى بعض المتون الفقهية، و تحفظ ما تيسر من القرءان إذ قرأت في لوح الخشب في طفولتها...

    إنتهت إليها بشاشة أهل مراكش القريبة منا، و معارف أهل فاس العتيقة، و أدب أهل مكناسة الزيتون، و أحاطت بالطب الشعبي فلها لكل داء بلسم شافي... و برعت في التطريز و الحياكة و الخياطة و الطبخ... علاوة على مهارتها في انتزاع الإعجاب ساعة تشرع في تفقد البيت كمن تدير مملكة صغيرة... تبدي الرأي الصواب و الإقتراح الحسن... و تحلل الأمر الصعب، و تقرب الشيء البعيد... تهذب الولد الشقي و تقرع الخادم الآبق...
    تضع الأساس و ترسي القواعد وتجيد الترميم... تبعد الشر و تجلب الخير و تتصرف تصرف الحكيمة... تضفي على البيت وجاهة و نخوة تغبط عليها...
    لقد كانت سيدة بيت بالمعنى الحقيقي... بيتها جنة نظيفة... نظيف إلى حد التعقيم الكامل... ماعونها مصقول لامع... اختصرت حدائق الطبيعة في أصص الحبق و الزهر و الورد و النعناع و الزعتر في نوافذ بيتها و بابه... تنحني عليها بكل عطف لتسقيها و تشذبها كل صباح...

    سريعة البديهة، حادة الذهن... إذا تصدت للخصومة أدهشت إلى أبعد الحدود... ترسل من لسانها صواعق مدمرة... بضرب في الصميم... في بضع كلمات تردي ضحيتها بالضربة القاضية... بجواب حاضر لا تتلعثم فيه، كأنها متخرجة من دواوين الهجاء العربي... و هي تهز الحاجب و ترقص الجذع و تنط اللسان و تمط الشفة...

    كنت أشتهي أن أراها و هي متبسطة في الحديث، مشرقة المحيى، طويلة البال، مشروحة الصدر، رقية الخاطر، مرحة في غير افتعال ... يهزها ذكاء المعاني و سحر العبارة فيغرقها في ضحك موصول... و أنا أمامها طفل مشدوه... أخذ الإعجاب بلبه... و هو يري امرأة من عصر شبه منقرض... مجموعة مهارات في طريق الإندثار... تحفة نفيسة لا ثمن لها... !

    فجأة تعكرت بشاشتها، ووشت ملامحها بالاستياء... كان قرط (حلق) ذهبي مرصع قد سقط من إحدى أذنيها في فجوة بين الجدار و"السداري" الذي تجلس عليه... حاولَتْ إخراجه فلم تستطع... فتقدمت أنا و أدخلت يدي الصغيرة بخفة فأخرجت الحلق...
    لما مددت لها القرط حسبتها ستفرح... فإذا هي تلطم خدها في جزع... فقد كانت يدي تقطر دما... جرحت المسامير يدي و لم أشعر بأي شيء على الإطلاق... أكنت في حالة تخدير...؟! لا أدري! كل ما أدريه هو أني استفقت عليها و قد انحت على يدي، و أخدت تلعق بلسانها جرحي.. !

    في تلك اللحظة داهمتني مشاعر لم يسبق لي أن عرفتها من قبل...و لم أعرف نظيرها من بعد... لا أدري كيف أصفها... يكفي أن أقول أني أحببت جرحي ذاك... أتأمله كلما خلوت إلى نفسي... تمنيت ألا يزول ذلك الجرح أبدا... لتدوم تلك اللحظة العميقة اللطيفة التي مررت بها...

    لم تلبث أن أراقت على جرحي شيئا من عطرها الراقي... فانقطع الدم... لينزف قلبي دما لا تراه العيون... و لا تنفع معه العطور.
    ولم تكتف بهذا... بل وضعت شفتيها على جبيني في قبلة هادئة... و تمتمت: "لقد تحملت هذا من أجلي!".

    للمرة الأولى شعرت ببرعم انبثق في قلبي... و نور تألق في عيني... و رعشة سرت في يدي... و خاطر ارتعش له فؤادي... ثم لم يلبث أن انفجر في قلبي نهر من الأحاسيس دافئ... ما يزال يجري بي إلى الآن!
    لقد كبرت يومها في لحظة... و اختفت أحلام و خيال طفولتي في برهة... طفولتي التي غادرت كأسها قبل أن أرتوي... لأصير بعدها مشروع نهر يجري بعذب الكلام... و يقتفي هدي الكرام.


    نمر الأعالي، النهر الجاري، المغربي المحب لأصله
     
  2. maximo-27

    maximo-27 Ghost

    J'aime reçus:
    224
    Points:
    63
    sir ya akhi alah yfta7 3lik wya3tik matmaniti had sba7
    ch7al hadi ma9rit chi nas maktoub btari9a mitaliya b7al hadi wtare7 ra2e3 lmawdo3 ra9i
    laka chokr al jazil wntmena ila kan lmazid tar7o 3ama 9arib^^
     
  3. Rida

    Rida Accro

    J'aime reçus:
    169
    Points:
    63
    ahlane wasahlane khoya lkarim, lka chokr 3la l²itlala w ta3li9
     
  4. الهنوف

    الهنوف cheval de desert rose ...

    J'aime reçus:
    42
    Points:
    48
    raw3a ..mountaha rraw3a !! i3jab wghazal ..fi mountaha l3iffa wa lwa9ar..3alam man lkhayal..
    ma3andich chi ta3bir li ywaffi had nnas 7a9o..
     

Partager cette page