يوسف بن تاشفين ... أو حين يصير التاريخ مدعاة للسخريةً وعُرضةً لدخان الحافلات

Discussion dans 'Nouvelles (9issass 9assira) & Chroniques' créé par toub9al, 17 Avril 2007.

  1. toub9al

    toub9al Visiteur

    J'aime reçus:
    9
    Points:
    0
    للمراكشية : عبد المجيد آيت مينة
    على الجانب القريب من ساحة جامع الفنا، يوجد ضريح يوسف بن تاشفين.
    يرتبط الحديث عن يوسف بن تاشفين بمراكش ودولة المرابطين، كما يرتبط بما أحاط بالعبور المتكرر إلى الأندلس، وما خلده التاريخ من حكاية المعتمد بن عباد، الذي لايذكر إلا وتذكر اعتماد الرميكية – زوجته الشهيرة.
    اعتماد، التي عاشت تحتل مكانة بارزة في حياة المعتمد، حتى أنها كانت لسمو مكانتها وتمكن نفوذها يطلق عليها اسم "السيدة الكبرى".
    كانت اعتماد - والعهدة على كتب التاريخ وكتابات المهتمين والباحثين- تغالي في دلالها على المعتمد، ومن ذلك، أنها طلبت منه أن يريها الثلج، فزرع لها أشجار اللوز على الجبل المقابل للقصر، حتى إذا نوّر زهره بدت الأشجار وكأنها محملة بالثلج الأبيض. ومن ذلك أيضاً، أنها رأت نساءً يمشين في الطين، في يوم ممطر، وهن يتغنين فرحات، فاشتهت المشي في الطين، فأمر المعتمد أن يُصنع لها طين من الطيب، فسحقت أخلاط منه وذرت بها ساحة القصر، ثم صب ماء الورد على أخلاط المسك وعجنت بالأيدي حتى عاد كالطين، فخاضته مع جواريها.
    الغريب في كل الحكاية، أنه حدث أن غاضبها المعتمد ذات مرة، فأقسمت أنها لم تر خيراً منه قط.
    غير أن مايمكن أن يجلب العذر للمعتمد بن عباد، في سياق الحديث عن ملوك الطوائف ويوسف بن تاشفين، الذي تذكر كتب التاريخ أنه "كان صوّاماً قوّاماً زاهداً مُتقشِّفاً لم يكن يأكل سوى خبز الشعير، ولحم الإبل، وشرابه لبن النوق"، هو مستوى الهيام الذي ظل يكنّه لزوجته الشاعرة. وهو هيام يمكن أن يفقد العقل ويضيع الإمارة، وكل الأندلس، ويطوح بصاحبه إلى أغمات سجيناً.
    المعتمد العاشق حتى الضياع، هو نفسه الذي تذكر عنه كتب التاريخ مواقف جميلة تنم عن صفاء طوية ونخوة كامنة.
    تقول كتب التاريخ : "ولما خوّفه بعض حاشيته من ابن تاشفين، وقالوا : الملك عقيم، والسيفان لا يجتمعان في غمد واحد، أجابهم : "تالله إنني لأوثر أنْ أرعى الجمال لسلطان مراكش، على أنْ أغدو تابعاً لملك النصارى، وأنْ أؤدي له الجزية. إن رعي الجمال خير من رعْي الخنازير" ".
    راعي الجمال وسلطان مراكش وأمير المسلمين : يوسف بن تاشفين. هذا الفارس الملثم، الذي يلقبه المراكشيون ب "مول لبلاد"، يبدو أن "هاذ لبلاد" تناسته مع توالي الأيام وأفواج السياح.
    تقول كتب التاريخ وكتابات المهتمين والباحثين إن مراكش كانت في أرض صحراوية منخفضة، فحفر لها يوسف بن تاشفين الآبار، وجلب إليها المياه.
    واليوم؟ باب من خشب، وكتابة تعلو المدخل تُعرف بالضريح : "ضريح يوسف بن تاشفين". كتابةٌ بخط عادي، كأنما كتبت على عجل، فيما أداة الكتابة صباغة عادية ذات لون أسود. العبارة مكتوبة باللغتين العربية والفرنسية.
    الضريح "لا يليق بمكانة مول لبلاد".
    يوسف بن تاشفين "لم يُوفَّ حقَّه".
    يوسف بن تاشفين "منسي".
    هذا مايمكن أن ينقله إليك التاجر وسائق سيارة الأجرة والشاب والشيخ والمثقف. أما السياح فيكتفون بالسؤال عن ساحة جامع الفنا أو فندق المامونية أو حدائق ماجوريل، أو التحديق في المنتظرين الحافلة التي تقلهم إلى محل سكناهم، حيث الأولاد والزوجة وأخبار الدم والكرة.
    التاجر يتعب نفسه في تعلم اللغة التي توصله إلى جيب السائح.
    سائق سيارة الأجرة يلهث وراء العداد.
    الشاب تائه مابين ترديد أغاني الشاب بلال والجري وراء نصرانيات جامع الفنا وجليز.
    الشيخ يكتفي بانتظار آذان صلاة العصر.
    المثقف يقرأ في ماوراء عناوين الصحف.
    السائح يبحث عن شرقه تحت سماء مراكش، فيما يرفع عينيه نصف أو ربع مفتوحتين إلى فوق حيث الشمس دافئة والزرقة فاتنة.
    وحدها كتب التاريخ تبقى على خطى الرجال.
    زيارة الضريح أمَرّ من مشاهدته من البعيد. عند الزيارة، يمكن أن ينتابك شعور بالندم على الزيارة، التي جعلت منك شاهداً على حقيقة أن التاريخ يمكن أن يصير مدعاة للسخريةً وعُرضةً لدخان الحافلات.
    في البهو المتواضع للضريح ستتطلع إليك شابة تبدو عليها أمارات التعب والعياء. ستكشف أمامك عن واقع حال الضريح بآلية وعفوية اكتسبتهما مع مرور الوقت وتواصل السؤال والجواب عن حال الضريح ومصير الوالدة.
    الساعة، التي لازالت تحتفظ بماركتها (ساعة مرسيليا) في سوريالية مريرة، مركونة إلى الجانب من دون عقارب.
    (خلال زيارتي الثانية للضريح لاحظتُ أن الساعة قد تمت صباغة إطارها. لكنها بقيت من دون عقارب، أي خارج الزمن).
    الضريح بدون ماء ولاكهرباء.
    ألم تذكر كتب التاريخ وكتابات المهتمين والباحثين، قبل قليل، أن مراكش كانت في أرض صحراوية منخفضة، فحفر لها يوسف بن تاشفين الآبار، وجلب إليها المياه ؟
    شاهدة القبر تتحدث عن مثوى بطل الزلاقة وفخر المرابطين.
    الثوب الأسود والذي كان يغطي قبر القائد المرابطى عند زيارتي الأولى ( والذي كان قد انتهى أصفراً) تمّ استبداله بثوب رخيص وأبيض اللون.
    تحلّق حول الشابة خمسة شبان، قالوا إنهم جاؤوا من مدينة كلميم في زيارة لمراكش. كانوا في عطلة. في البداية طلبت منهم الشابة درهين واجباً للزيارة. طلبتْ ذلك باستحياء معللة طلبها بالحاجة للاعتناء بالضريح.
    بدا الشبان الخمسة متأثرين من حال الضريح وحديث الشابة. قال أحدهم : "في المدرسة نقرأ عن يوسف بن تاشفين والجهد الذي بذله من أجل توحيد المغرب وحكاية عبوره إلى الأندلس، حيث ملوك الطوائف والزلاقة. عبر دروس التاريخ بنينا في خيالنا صورة لقائد عظيم، غير أن مانراه اليوم يحزّ في النفس ويبعثر أوراق دفاتر التاريخ".
    انبرى آخر، متسائلاً، في ضيق : "تمتلئ مراكش بفنادق من كل أصناف النجوم. ألا يستحق ضريح مؤسس المدينة ولو بناية من نصف نجمة ؟".
    كلام الشابين فاجأني إلى درجة الارتياح. ففي نفوس هؤلاء الشبان مايستحق الانتباه والأمل.
    خلال زيارتي الثالثة للضريح، بعد أكثر من شهرين من زيارتي الثانية، وجدت رشيدة وفية لضجرها وتدمرها، ولو أنها هذه المرة قد عملت على التأثيث لجدران بهو الضريح بصور الملوك الثلاثة : محمد الخامس والحسن الثاني ومحمد السادس، فيما غطت قبر القائد المرابطي بالراية الوطنية.
    للمرة الثالثة، أهرب من بهو الضريح كمن اختنق بغبار التاريخ.
    تمتد أمام ناظري محطة للوقود وبناية للشرطة السياحية.
    على يساري رجال ونساء من مختلف الأعمار ينتظرون أرقاماً وحافلات.
    على الطريق سيارات ودراجات نارية وهوائية وراجلون لايقلون هوائية تتقاذفهم الأزقة والطرقات.
    أتفرس في الوجوه باحثا عن معنى.
    إيه ...
    "كيف يذبل ماتسمى بأسمائنا الأولى
    وارتوى بما حسبناه لا يعرف الذبول"؟، الجدارية - محمود درويش.
    تمتد مراكش في الزمان والمكان، فيما الفارس المرابطي متروك هناك في مقابل محطة للوقود وبناية للشرطة السياحية، وجنب نقطة لوقوف حافلات تنقل ركابها نحو أحياء المدينة المترامية الأطراف. مدينة كان الراقد بالضريح واضع أساسها. أما الأندلس، التي قصدها مؤسس مراكش ذات دعوة "طوائفية" من إماراتها المتنافرة، فتحولت إلى إليخيدو حارقة تأكل المهاجر الباحث عن عيش كريم في نقطة أبعد من طنجة.
    http://www.almarrakchia.net/tachfine.htm

     

Partager cette page